وليد السليماني
بعد ندوته الأولي حول (الحرية واستتيقا الابداع التي عقدها نادي القلم المغربي، كان الموعد هذه المرة مع موضوع (حرية الصحافة بين الحق والمشروعية) وذلك يوم الثلاثاء 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007 حيث ترأس اللقاء الدكتور شمس الدين بلقايد والذي مهد له بورقة مفصلة بالأرقام والمعطيات عن الصحافة المغربية ومن خلال نماذج… اقتصر فيها علي الصحافة الأسبوعية في السنوات العشر الأخيرة.
بعد ذلك افتتح باب المداخلات عبد الرحمن غانمي (استاذ جامعي) الذي اعتبر الحرية، من حيث المبدأ، ضرورة حضارية وتاريخية لكل المجتمعات والدول، و تسمح بتفتق التفكير العقلاني واشاعة جو من الاختلاف والحيوية، وتزداد أهمية الحرية في هذا العصر المضطرب، لذلك ناصرها مفكرون وفلاسفة وأدباء، من أجل أن تصبح واقعا حيا.
وأضاف بان حرية الصحافة في بلادنا، لا يمكن أن تنتعش، الا ضمن فضاء أوسع للحرية وسط المجتمع وفي السياسة والثقافة وغير ذلك من المجالات، أي أنها، لا يمكن أن تكون معزولة عن محيطها العام.
وبغض النظر، عن معيار الحكم علي درجة الحرية في بلادنا، هل هي حرية مقيدة، أم حرية مشاعة؟ فان الكثير من الحقوق علي هذا الصعيد، لم تمنح، وانما جاءت من خلال العديد من التضحيات السياسية والاعلامية والحقوقية علي امتداد عقود، لعبت فيها الصحافة دورا رياديا جعلها معرضة للرقابة والحجز والمضايقة والمنع، ومحاكمة واعتقال صحافيين ومؤسسات اعلامية، أي أن العديد من الفعاليات عملت علي تدعيم هذه الحرية، ولم تنتظر من يؤشر علي ذلك، وفي هذا الخضم يمكن أن نتساءل كيف كانت الصحافة تسعي الي تكريس هذه الحرية، بعيدا عن تلك القوانين والممارسات التي تستهدف المس بهذه الحرية، وفي ذات الوقت، تقوية دعائم الشعور بالمسؤولية، أي الحرص علي عدم توجيه هذه الحرية في اتجاهات مناقضة، لما يمكن أن تلعبه اعلاميا واجتماعيا وسياسيا.
ثم انتقل الباحث بعد ذلك الي انه لا يمكن أن نجادل في أن حرية الصحافة حق من حقوق الانسان للمجتمع ومختلف الفاعلين، وفي ظل هذا المبدأ يمكن أن نتحدث عن تحديث المجتمع وتقدمه، وملامسة مدي استعداد الأجهزة الادارية للسلطات والدولة، للانفتاح والقبول برحابة صدر، بما يترتب عن هذه الحرية من انتقاد وجرأة، ومساواة أمام القانون، ومراقبة، وغير ذلك، وبدون أدني ريب، فاننا لا يمكن الا أن نؤكد علي أن حرية الصحافة عنصر أساسي للديمقراطية لكن هذه الحرية ينبغي أن تكون مقرونة بالمسؤولية الذاتية والجماعية، حتي لا يتم تحريف هذا الحق في الحرية، المتنازع حوله بين قوي الارتداد، وقوي الاصلاح والتغيير والتطور، في اتجاه لبث الاشاعة واستغلال هذه السلطة لتصفية حسابات أو الانتقام من فرد أو جهة ما، أو للتغطية عن ملفات للفساد، أو أن تكون رهينة للوبيات مالية وسياسية واقتصادية وسلطوية فاسدة ومدمرة، أو لزرع الفتنة والاضرار بالمصالح الوطنية، أو المس بكرامة الأشخاص وحرياتهم الشخصية لتحقيق الاثارة علي حساب الآخرين، ودون مراعاة المبادئ السامية التي من المفروض أن تكون القاسم المشترك بين مختلف الفاعلين في هذا الحقل، رغم أنه من حق كل الفعاليات أن تعبر من خلال منابرها عن رؤاها وتوجهاتها، دون أن يلغي ذلك، أو يتناقض مع، الحق في التعبير وتناول العديد من القضايا والملفات بصوت عال لكنه يتسم بالشفافية والوضوح والموضوعية في اطار الهوية الوطنية المتنوعة والديمقراطية، نظرا لخطورة وتأثير هذا القطاع.
ومثلما تتسبب الكثير من المواقف والممارسات والاجراءات الزجرية والقمعية في تكميم الأفواه، والنيل من حرية الرأي، والكلمة ونقل الخبر، وفضح ملفات الفساد، فان هذه الحرية، ذاتها، قد يتم افراغها من محتواها، اذ غدت بدورها وسيلة لاجبار الناس علي الصمت والخوف، عبر الاضطهاد الفكري واستغلال الصحافة للابتزاز والتدمير الذي قد يطال الأشخاص والمؤسسات، وهو ما يطرح اشكالية أساسية تتمثل في السؤال التالي: أين تبدأ حرية الصحافة وأين تنتهي؟
كل هذا من أجل توفير أسباب الحماية والتمنيع، للمؤسسات والجسم الاعلامي، برمته، وبكل مكوناته، وأيضا للمجتمع بكل فئاته ومؤسسات الدولة.. وغير ذلك، في ظل واقع معقد كثيرا ما يقود الي انزلاقات، لا يمكن الاستهانة بمضاعفاتها.
المداخلة الثانية تقدم بها الشريشي المعاشي (باحث ورئيس نادي القلم) استهلها بالبحث في مفهوم الحق مؤكدا علي اختلافه باختلاف المنظورات والمرجعيات الفكرية والفلسفية.. كما ربطه أيضا بالأنساق الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية.. ورغم تعدد مفاهيم الحق فانه يبقي تلك الصفة الملازمة للانسان، باعتباره ذاتا عاقلة حرة تمكنه من تحقيق ما يريد.
ان التحديدات كما يقول الشريشي تفضي الي الاشكال التالي وهو علي أي أساس يقوم الحق.. هل علي ما هو طبيعي أم ما هو ثقافي؟ هل ينهض الحق علي حق القوة أم علي قوة الحق؟
في مرحلة اخري من بحثه في تمحيص المفهوم فلسفيا عاد للبحث فيه قانونيا عارضا للاتجاهات المتعارضة للخلوص في النهايةالي أن ثراء المفاهيم هو من حياتها الطويلة في حقول عدة وفي انفتاحها المستمر علي الاختلاف.
المتدخل الثالث في هذا اللقاء فارس الحمري (جامعي بأمريكا باحث في تشكل المفاهيم) قرئت مداخلته بالنيابة، وقد تناولت تجليات أربعة مفاهيم في الحقل المغربي (الحرية، الصحافة، الحق، لمشروعية) متفحصا وجودها منذ 1908 عبر مصادر الدساتير المغربية والظهائر والمراسيم من جهة، ثم صداها في تفكير المغاربة.
والأطرف في هذه ا لمداخلة أنها أعادت الي الذهن لغات وأفكار استثمرتها مداخلة الباحث د.
الحمري في خلاصات منها أن تشكل هذه المفاهيم ما زال مستمرا ولا مستقرا، ولم يأخذ بعد شكله النهائي رغم انفتاحه علي مصادر تعود الي ما هو أخلاقي وسياسي وقانوني وديني وثقافي أو من الثقافة الفرانكفونية أساسا.
عبد الحق ناجح (باحث) اهتم موضوعه بالواقع والمسؤولية ممهدا للموضوع بخمسة أسئلة اعتبرها مؤطرة، وتمثلت في هل تمثل الصحافة فعلا سلطة داخل منظومة السلطة المتحكمة وما مدي مصداقية العمل الصحافي مع انعدام مصادر الخبر؟
وهل يضمن قانون الصحافة حق ممارسة المهنة كما هي متعارف عليها دوليا؟ وفي نقطة رابعة يطرح نجاح اشكالية السياسي والمقدس… وأخيرا يتساءل: هل توجد عندنا فعلا صحافة حقيقية، كما هو متعارف عليه؟
في تفصيله لهذه القضايا تحدث الباحث عن طبيعة السياسي داخل المجتمع، منتصرا لحرية الصحافة والتي يجب أن تتعزز بالغاء العقوبات السالبة للحرية والغاء الحجز الاداري والحق في مصدر الخبر.
آخر متدخل كان شعيب حليفي (كاتب وأستاذ جامعي) حيث نهج طريقة جديدة في عرض موضوعه بان أسمع الحضور نشرة الأخبار الزوالية لذلك اليوم كما بثتها التلفزة المغربية ـ قبل ساعات ـ ثم انطلق يحلل الخطاب وأبعاده الايديولوجية والبحث عن حق المتلقي وهل من حق الاعلام العمومي ممارسة تقنيات لامشروعة في ايراد الأخبار والتعمية علي أخري؟
ولابراز أطروحته قدم شعيب حليفي عشرات الأخبار الوطنية والعربية والدولية وقعت في ذلك اليوم ولم ترد في نص النشرة الاخبارية الزوالية.. وتساءل لماذا وما هي الافتراضات الممكنة؟
ثم قدم عددا من الأجوبة، ليخلص في النهاية الي ملاحظات اعتبرها أولية ومن الضروري فتح نقاش وطني حولها.