إن بيان وزارة الدفاع الروسية بأن روسيا ستزود سوريا في غضون أسبوعين بمنظومات دفاع جوي من طراز اس 300 هو خطوة دراماتيكية ستجعل من الصعب على سلاح الجو العمل، وبالتأكيد بالحرية النسبية التي عمل بها منذ نشوب الحرب الأهلية وحتى اليوم. فضلاعن ذلك، فقد أوضحت روسيا أيضًا بأنها ستبدأ باستخدام منظومات الحرب الإلكترونية بقرب الشاطئ السوري، بهدف تشويش كل منظومات التوجيه بالأقمار الصناعية ورادارات الطائرات، واتصالات الطائرات القتالية التي تكون في مهمات هجومية في سوريا.
إن بطاريات ال اس 300 متطورة نسبيًا وقادرة على ضرب طائرات وصواريخ جوالة في مدى حتى 250 كيلو مترًا. ومعنى الأمر هو أن أكثر من نصف أراضي إسرائيل ستكون في مدى إصابة هذه المنظومة. وليس هذا فحسب، بل ستكون قادرة على أن تطلق عدة صواريخ بالتوازي ضد أهداف عديدة. هذه المنظومة بدأ إنتاجها في 1978، ومنذئذ على مدى 40 سنة، اجتازت تطويرات حسنت قدرات الرادار فيها، وزادت مدى الإصابة وحسنت قدرات تشويش الصواريخ المطلقة نحوها.
ولا تنتهي بذلك قدرة إسرائيل على مواصلة الهجوم في سوريا، وإن كان لا ريب في أن حرية عمل سلاح الجو ستتقلص في فترة القريبة القادمة. يمكن الافتراض بأنه في غضون الأيام أو في الأسابيع القادمة ستتوقف إسرائيل عن أعمالها الهجومية في سوريا، حتى يهدأ الغضب الروسي على الأقل. وتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس بوتين قبل العيد، قبيل سفره اليوم إلى نيويورك، إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
وتدعي مصادر رفيعة المستوى في إسرائيل بأنها لم تتفاجأ بالخطوة الروسية، لأن القيادة السياسية والعسكرية تبحث منذ سنين إمكانية تزويد سوريا بهذه المنظومات في ظل المعرفة بأن هذا هو أحد الخيارات في صندوق العدة الروسي. في عام 2013 أعلنت روسيا عن نيتها تزويدها لسوريا، بل وبدأت بتدريب طواقم من الجيش السوري على استخدامها، ولكن في أعقاب طلبات من إسرائيل ومن الإدارة الأمريكية السابقة لباراك أوباما، وعلى خلفية الحرب الأهلية التي نشبت في سوريا، أعلن الكرملين عن تأجيل التوريد. ضغط مشابه من إسرائيل أدى إلى إلغاء صفقة لتوريد هذه المنظومات إلى إيران.
ومع ذلك، تراهم في إسرائيل يعجبون من القرار ويقولون إن هذا في واقع الأمر جائزة للأسد، الذي أسقط رجاله الطائرة الروسية. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية بأنها ستمنح سوريا منظومة تشغيل، ورقابة وتحكم تلقائية ومتطورة جدًا كي تحسن قدرة منظومة الدفاع الجوي لديها للتحكم في إطلاق البطاريات. ظاهرًا، تفسر هذه الخطة كرغبة روسية في مساعدة سوريا على أن تميز بين العدو والصديق، أما عمليًا فستحسن أيضًا قدراتها على العمل بنجاعة أكبر ضد الهجمات الإسرائيلية.
لقد جاء العجب في إسرائيل بالقرار الروسي فوجد تعبيره في السؤال الذي يطرح في جهاز الأمن: كيف يمكن للسوريين أن يستخدموا منظمة اس 300 إذا كان يصعب عليهم أن يستخدموا منظومات أدنى في جودتها مثل اس 200.
بالتوازي، فإنهم في إسرائيل يقدرون بأن القرار الروسي ليس الكلمة الأخيرة التي تقال في الموضوع، ما يثير أسئلة عديدة: متى سيبدأ التوريد؟ أي طراز من المنظومة سيورد؟ كم من الوقت سيستغرق السوريون تعلم استخدام المنظومة؟ وإذا ما وردت، فأين ستنصب؟ من سيتحكم بها ـ جيش الأسد أم الجيش الروسي؟ ماذا ستكون تعليمات تشغيل وفتح النار لهذه المنظومات وغيرها؟
كما أن هناك محافل رفيعة المستوى في إسرائيل تعتقد بأن البيان الروسي ما هو إلا مناورة: «إدخال عنزة»، بهدف الحصول على مقابل وتنازلات من إسرائيل، وفي اللحظة التي يتلقون فيها، تخرج «العنزة» ومرة أخرى يتأجل التوريد. فبالإجمال، فإن المصالح الأساسية للطرفين لم تتغير. فروسيا ليست معنية بوجود إيران في سوريا في المدى البعيد، وحتى الآن لم تذرف أي دمعة على الهجمات الإسرائيلية ضدها وضد حزب الله في سوريا.
إذا كان هذا التقدير صحيحًا بالفعل، فإن الروس يتوقعون من إسرائيل أن تبلور معهم قواعد جديدة للتنسيق بين الجيشين، الذي يجري في الخط الساخن. هذه التفاهمات كفيلة بأن تتضمن تمديد زمن الإخطار الذي تنقله إسرائيل في الخط الساخن بين تل أبيب والقاعدة الروسية حميميم قرب اللاذقية بعدة دقائق أخرى، وتعرف ـ بدقة أكبر ـ المناطق التي في نيتها مهاجمتها، ولن تكتفي بقراءة اتجاه عام مثل «شمال غرب» أو «غرب».
وفي كل الأحوال تشدد أوساط جهاز الأمن على أنه حتى لو تحقق سيناريو الحالة الأسوأ ونشرت البطاريات في سوريا، فهذه مسيرة ستستغرق أشهرًا طويلة، وسلاح الجو سيعرف كيف يتصدى لها. في سلاح الجو يعرفون المنظومة في ضوء حقيقة أن بعض الدول التي اشترتها تعدّ صديقة لإسرائيل، منها أذربيجان، وسلوفاكيا، واليونان، وأوكرانيا، وبلغاريا والهند.
وفي السطر الأخير، مثلما سبق أن أوضح الناطقون الإسرائيليون، بمن فيهم رئيس الوزراء، فإن إسرائيل ستواصل العمل ضد الوجود الإيراني في سوريا.
يوسي ملمان
معاريف 25/9/2018