يقول نزار قباني في قصيدة “إلى رجل”: “إن من بدأ المأساة ينهيها، وإن من أشعل النيران يطفيها”. لكن الذين بدأوا المأساة في أسواق النفط، وأشعلوا فيها نيرانا تأكل ثروتهم برميلا بعد برميل، وناقلة بعد ناقلة، في البحر ترفع مراسيها وتلقيها بدون مشترين، فشلوا حتى الآن في إطفاء الحريق. الذي أشعل الحريق ليس من يطفئه هنا، وإنما عربة الإطفاء ستأتي مع أدوية كورونا، للعلاج وللوقاية. الأسواق تدرك الآن انه إذا تم التوصل إلى علاج لمرض كورونا، فإن عجلة الحياة ستعود إلى الدوران بلا خطر وبلا تهديد. أما تخفيضات الإنتاج فإن الأيام الماضية أثبتت أن تأثيرها هامشي جدا على المعاملات، وأن محرك الأسعار في أسواق النفط حاليا هو الطلب وليس العرض. ويرتبط الطلب على النفط الآن ارتباطا شديدا بإيجاد دواء لمرض كورونا ومصل للوقاية منه. وسوف نلاحظ هذا الارتباط في العلاقة بين تقلبات أسعار النفط وأخبار أدوية كورونا في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة.
الذين يعتقدون أن تخفيض العرض يمكن أن يعيد التوازن إلى سوق النفط مخطئون، لأن الفائض في المعروض الذي يقترب من 200 مليون برميل لا يجد مشترين، ولن يختفي هذا الفائض بين عشية وضحاها. وقد أظهرت معاملات اليوم الأول بعد بدء سريان تخفيضات الإنتاج (أول أيار/مايو) استمرار تذبذب الأسعار، وهي ظاهرة ستلازم السوق حتى يتم التأكد من التوصل إلى علاج لمرض كورونا، بصرف النظر عن تخفيض الامدادات التي تم الاتفاق عليها بين أوبك وشركائها.
ثقوب في جانب العرض
يعاني عرض النفط من ثلاثة ثقوب كبيرة، الأول صنعته السعودية بإغراق السوق بفائض هائل من النفط الرخيص خلال الفترة منذ الأسبوع الثاني من اذار/مارس حتى الآن، والثاني صنعه فيروس كورونا، بوقف الدوران الطبيعي لعجلة الاقتصاد ما أدى إلى انكماش الطلب العالمي على النفط بكمية تعادل ثلاثة أمثال حجم التخفيضات، والثقب الثالث يتعلق باستمرار الشركات في الإنتاج بمعدلات مرتفعة في دول أوبك نفسها، لتعويض خسائر الآبار التي ستخرج من الإنتاج في مناطق أخرى بسبب انخفاض الأسعار.
وأظهرت أرقام الإنتاج والمخزون النفطي الأمريكي في الأسبوع الثالث من نيسان/أبريل، أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط لم ينخفض إلا بمقدار 100 ألف برميل يوميا، وأن مخزونات النفط كانت أقل من التوقعات، لكن الولايات المتحدة تنتج حاليا ما يقل بنحو مليون برميل يوميا عن الذروة التي حققتها في أوائل العام الحالي. وقد أعلنت بالفعل شركات أمريكية عملاقة مثل اكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس أنها بصدد تخفيض إنتاجها في مناطق استخراج النفط الصخري، لكنها من المرجح أن تقلل الخسائر النجمة عن ذلك بزيادة إنتاجها في مناطق الإنتاج ذات التكلفة الأقل والربحية الأعلى، بما في ذلك إنتاج النفط في مناطق امتيازاتها في دول أوبك.
وتظهر أرقام استهلاك وقود الطائرات على سبيل المثال صورة كئيبة لقطاع الطيران الذي يعكس مستوى النشاط في قطاعات أخرى مثل النقل والسياحة والفنادق والتجارة. في الأسبوع الأول من نيسان/أبريل انخفض إنتاج وقود الطائرات في الولايات المتحدة إلى أقل مستوى له في 35 عاما، ليهبط إلى ما دون 900 ألف برميل يوميا. وفي الصين هبط الإنتاج بنسبة 25 في المئة تقريبا في الأسبوع الأخير من كانون الثاني/يناير بتأثير إجراءات الحظر. ومع أن الصين لم توقف رحلات الطيران الداخلية والدولية، فإن الإيرادات التشغيلية لشركات الطيران في الربع الأول من العام تراجعت بنسبة تقترب من 50 في المئة. أما في الولايات المتحدة فقد كانت الصورة أسوأ، حيث انخفض عدد الركاب بنسبة تجاوزت 90 في المئة وفي مطار هيثرو بنسبة 97 في المئة. وتؤكد أرقام الانكماش الاقتصادي في الولايات المتحدة في الربع الأول من العام الحالي وغيرها من الدول الصناعية، وتباطؤ النمو في الصين، أن متغيرات الطلب وليس العرض هي التي تحكم أسواق النفط الآن.
توقعات ارتفاع الطلب
ومع أن عوامل الضغط على أسواق النفط ما تزال قوية، فإن المعاملات خلال النصف الأول من أيار/مايو وربما حتى موعد تسويات عقود حزيران/يونيو لخام غرب تكساس، وشهر تموز/يوليو لخام برنت، ستتأثر بأربعة عوامل رئيسية هي:
أولا: تخفيضات الإنتاج. ويقلل كثيرون، ومنهم وزير النفط الروسي ألكسندر نوفاك، من تأثير هذه التخفيضات نظرا للفائض المتراكم في السوق. مسؤولون من شركات نفط كبيرة مثل شل وبريتش بتروليوم وتوتال يتفقون على أن التخفيضات ليست كافية. المشكلة التي تواجه السوق أيضا فيما يتعلق بالتخفيضات هي أنه لا توجد آلية محددة ودقيقة ومقبولة من الجميع لقياس مدى التزام الدول المختلفة بالتخفيضات المتفق عليها. هذا يعني فتح الباب على مصراعيه للغش في الأرقام المعلنة. ومع ذلك فإن تخفيضات الإنتاج وأن كانت لن تقضي على الفائض، إلا انها ستقلله، وهو ما قد يترك تأثيرا إيجابيا على الأسعار.
ثانيا: فتح منشآت الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتحدة، سواء تلك الموجودة داخل الأراضي الأمريكية أو خارجها، لشركات تجارة النفط، لاستخدامها في تخزين ما قد يصل إلى 70 مليون برميل من النفط. هذا سوف يقدم للسوق خدمة كبيرة، بافتراض وجود سيولة مالية أو تسهيلات ائتمانية لتمويل الشراء. لكنه سيكون من مصلحة شركات النفط الأمريكية ان تنزل أسعار الخام إلى الصفر، حتى تصبح تكلفة استئجار مساحات للتخزين مجدية اقتصاديا.
الولايات المتحدة قد تلجأ أيضا إلى فرض رسوم على النفط السعودي، بما يمنح للنفط الأمريكي ميزة تنافسية، بهدف استيعاب كمية أكبر منه، ومساعدة الشركات الأمريكية على مواصلة الإنتاج بأقل الخسائر الممكنة. هذا سيساعد الأسعار على التماسك والارتفاع.
ثالثا: تعافى الاقتصاد الصيني منذ منتصف اذار/مارس الماضي يمنح السوق قدرا كبيرا من التفاؤل. وقد سجلت إحصاءات نمو الناتج واستهلاك الطاقة في الصين انخفاضا في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 6.5 في المئة، لكن معدل الانخفاض في اذار/مارس الذي بلغ 4.2 في المئة كان أقل من نصف معدل الانخفاض في شباط/فبراير الذي بلغ 10.1 في المئة. ويعتبر استهلاك الطاقة أحد المؤشرات المهمة لقياس مستوى النشاط الاقتصادي في الصين. ويتوقع الخبراء هناك أن يتعافى الاقتصاد بقوة في الربع الثالث وفي النصف الثاني من العام ككل، وأن ينمو بسرعة كبيرة في العام المقبل. هذا أيضا سيساعد الأسعار على التعافي والارتفاع.
لكن السوق لا يجب أن تقع في مصيدة الإفراط في التفاؤل بناء على توقعات زيادة الطلب في الصين؛ وذلك نظرا لأن التصدير هو أهم محركات النمو في الصين. ومن ثم فإن تعافي الاقتصاد الصيني مرتبط بدرجة تعافي الاقتصاد العالمي. وسوف تظل احتمالات التعافي على مستوى العالم مجرد توقعات هشة طالما لم يتوصل العالم بعد لإنتاج أدوية ولقاحات تعالج مرض كورونا. فإذا افترضنا مثلا تعثر الاقتصاد الأمريكي الذي انكمش خلال الربع الأول من العام الحالي، أو تعرض بعض الدول الصناعية لهجوم موجة ثانية من الوباء، فإن كل التوقعات المتفائلة بتعافي الاقتصاد العالمي سوف تتلاشى.
رابعا: زيادة الطلب على المشتقات النفطية. توجد حاليا مؤشرات تدل على أن تخفيف إجراءات الحظر والقيود على التنقلات والسماح بعودة بعض الأنشطة الاقتصادية مثل البناء والتشييد، سيؤدي إلى زيادة معدل تشغيل معامل التكرير للوفاء بالزيادة المتوقعة في الطلب. ويقدر خبراء صناعة التكرير أن نسبة كبيرة من مصافي العمل تعمل بطاقات إنتاجية تعادل 50 في المئة فقط، وأن شركات التكرير بشكل عام قد تراكم لديها مخزون كبير من المشتقات النفطية التي تنتظر تحرك الطلب إلى أعلى. إذا حدث ذلك، فإن زيادة الطلب على البنزين والسولار ستحفز شركات التكرير على العمل بطاقة إنتاجية أكبر خلال شهر أيار/مايو وما بعده، خصوصا وأن عددا من الدول الأوروبية وبعض الولايات الأمريكية ونيوزيلندا وأستراليا والصين قد أعلت فعلا تخفيف الإجراءات الاحترازية والعودة إلى تشغيل الاقتصاد، مع الالتزام بشرطين، الأول ان يتم ذلك تدريجيا، والثاني أن يلتزم العاملون بإجراءات الوقاية الشخصية وأهمها التباعد في أماكن العمل. هذا المتغير سيترك أثرا موجبا على الأسعار.
هذه المتغيرات الأربعة ستترك أثرها على المعاملات في سوق النفط هذا الأسبوع. ومن الواضح كما قلنا منذ البداية أن التغيرات الإيجابية في جانب الطلب هي التي ستقرر اتجاه الأسعار، بينما سيكون تأثير التغيرات في العرض محدود جدا. وليس أمام دول أوبك وشركائها إلا أن تلجأ لإعلان تخفيضات أعمق في الإنتاج، وأن تلتزم بها، وأن تصلي لله تعالي وتدعوه أن ينزاح خطر وباء كورونا قريبا باكتشاف دواء له، لأن هذا هو مفتاح التعافي الاقتصادي العالمي، ولعل من أشعل النيران في سوق النفط قد أدرك الآن أنه لا يستطيع أن يطفئها.