أثار حريق مديرية أمن الإسماعيلية موجة من التعليقات المثيرة على قدر أهمية المبنى التاريخية، حيث كان موقع مواجهة وطنية ساخنة بين قوات جيش الاحتلال البريطاني والشرطة المصرية المتمركزة داخله، راح ضحيتها 50 شهيدا وعددا كبيرا من المصابين عام 1952. المبنى التاريخي للمديرية «تفحم تماما» طبقا لما جاء في تقرير النائب العام الذي ما يزال يواصل التحقيق في الحادث ولم يعلن التوصل إلى نتائج نهائية بعد. وإذا كانت الأهمية التاريخية للمبنى تعود إلى المعركة البطولية التي خاضتها الشرطة، فإن قيمته العملياتية في الوقت الحاضر تعود إلى إنه أحد أهم مراكز قيادة حملة الحرب على الإرهاب في سيناء. وإذا كان المبنى قد تفحم تماما فإن هذا يثير تساؤلات يشوبها القلق على أرواح من كانوا في المبنى وقت الحريق، ومنهم من كانوا محتجزين في انتظار تحقيقات أو ترحيلات إلى جانب الضباط والجنود. كما يثير الحريق تساؤلات مماثلة عن مصير آلاف الوثائق والملفات التي كانت محفوظة فيه. وعلى المستوى اللوجستي يثير الحريق أسئلة كثيرة عن دور أجهزة الدفاع المدني والإطفاء، وفرق الإنقاذ وهي كلها تابعة للمديرية، وكذلك جهاز الإسعاف وعلاج الطوارئ، التابع لمديرية الصحة بالمحافظة.
المثير للدهشة أيضا أن الحكومة المصرية لم تتعلم من دروس سابقة في شأن مكافحة الحرائق وانهيارات المساكن وحوادث الطرق والقطارات التي شهدتها مصر مرارا وتكرارا، مثل حريق الأوبرا عام 1971 الذي أتى على المبنى التاريخي الذي ترافق افتتاحه مع افتتاح قناة السويس، وقد تفحم المبنى بالكامل وانتهى تماما، على الرغم من أن مبنى قوات الإطفاء الرئيسية في محافظة القاهرة يقع على بعد أمتار من الأوبرا القديمة. وكان حريق قصر ثقافة بني سويف مثالا آخر لفشل أجهزة الإطفاء والإنقاذ والإسعاف. كذلك وقعت حوادث حرائق أخيرة مثيرة للريبة منها حريق وزارة الأوقاف، التي يفصلها عن مقر قوات الإطفاء عدد قليل من الشوارع في قلب القاهرة.
حريق مديرية أمن الإسماعيلية أتي على المبنى تماما، حتى تفحم، قبل أن تصل قوات الإطفاء، ومنها قوة محمولة جوا! وفي اليوم التالي وقع حريق سوق السيدة زينب في قلب القاهرة، ولم تصل سيارات الإطفاء إلا بعد أن أتت النيران على السوق بأكمله! وتشير خبرات المصريين مع الحرائق بشكل عام أن قوات الإطفاء والإنقاذ وعربات الإسعاف تصل إلى المكان بعد أن يكون الحادث قد بلغ منتهاه! والغريب في تقارير الأمن والنيابة انها تحمل دائما كليشيه يقول «وتحركت القوات على الفور…» للدلالة على سرعة الاستجابة، وهو ما يحدث في العادة بعد فوات الأوان.
البنية التحتية للإطفاء والإنقاذ
تعتبر الاستثمارات في البنية التحتية الراية العالية التي ترفعها الحكومات المتعاقبة في السنوات العشر الأخيرة. وتفتخر الحكومة وكافة أجهزة القيادة السياسية بأن الاستثمارات في البنية التحتية تمثل معيار التنمية الأساسية الذي يوفر الانطلاق الاقتصادي، وكفاية احتياجات الأجيال الجديدة من المصريين. لكن بما أن الدين العام للحكومة المصرية يعادل تقريبا قيمة الناتج المحلي الإجمالي أو يزيد، فإن هذه الأجيال ستجد نفسها مطالبة بسداد أقساط وفوائد الديون المستحقة على القروض التي تم استخدامها في تمويل إنشاء مشروعات البنية التحتية، مثل العاصمة الإدارية (59 مليار دولار)، ومحطة كهرباء الضبعة النووية (29 مليار دولار) ومحطات سيمنز للكهرباء، ومشاريع المونوريل والقطارات التي تخدم مناطق غير مأهولة في غرب الطريق الصحراوي وطريق وادي النطرون- الضبعة التي يتكلف الواحد منها مليارات الدولارات.
لكن هذه المشروعات تتجاهل أهمية الاستثمار في البنية التحتية لمواجهة الحرائق وانهيار البنايات والقيام بمسؤوليات الإغاثة والإسعاف. ولذلك فإن وقوع حريق في التجمع الخامس أو مدينة 6 أكتوبر أو طريق السويس قد ينتهي إلى المصير نفسه لحريق مديرية أمن الإسماعيلية أو دار الأوبرا، نظرا لأن هناك نقصا شديدا في استثمارات الاتصالات واللوجستيات والمعدات الأساسية مثل أجهزة مكافحة الحريق والإغاثة والإسعاف. وفي بعض الحالات تجد هذه الأجهزة نفسها عاجزة تماما عن ممارسة دورها، بسبب عدم توفر الأدوات الضرورية لمكافحة الحرائق أو إغاثة المحاصرين أو نقل المصابين إلى مراكز علاج متخصصة. وتضم البنية التحتية لمواجهة الطوارئ الناتجة عن الحرائق وانهيار البنايات وحوادث الطرق والقطارات، شبكات الاتصالات الإلكترونية المؤمنة المتصلة ببعضها البعض، ووسائل النقل المتقدمة المجهزة، وأجهزة ومعدات الإنقاذ المتقدمة، وعربات الإسعاف المجهزة، بما فيها الإسعاف الطائر، ومستشفيات الطوارئ المتخصصة في علاج الحوادث بما فيها الحالات الحرجة. وإضافة إلى ذلك، وقبل كل شيء تتضمن البنية التحتية لمواجهة الطوارئ وجود طواقم كفاءات بشرية كافية ومدربة على القيام بالأعمال اللازمة.
ونستطيع القول إن البنية التحتية لمواجهة الطوارئ لا تحصل على القدر اللازم من استثمارات البنية الأساسية عموما في مصر حيث تفتقر المدن والقرى إلى البنية التحتية الكافية. كذلك فإن إنشاء طريق جديد لا يتضمن توفير القدر الكافي من نقاط مواجهة الطوارئ، باستثناء نقاط عربات الإسعاف، التي بدأ الاهتمام بتوفيرها على عدد من الطرق الحديثة. لكن الاستثمار في البنية التحتية لمكافحة الحرائق ما يزال محدودا، وذلك على الرغم من أن مكافحة الحرائق تتبع جهاز الحماية المدنية أو الدفاع المدني، وهو جهاز تابع لوزارة الداخلية. وما تزال مسارات القطارات غير مؤمنة، كما ظهر في حادث قطار الصعيد «قطار العياط» الذي راح ضحيته 361 مواطنا عندما اشتعلت فيه النيران. وما تزال فرق الإنقاذ المخصصة لمواجهة الطوارئ، مثل انهيارات المساكن، تعاني من نقص شديد في تجهيزاتها الضرورية للقيام بمهماتها.
ولا يمكن القول بأن هناك سببا واحدا فقط لهذا العجز في قوات مكافحة الطوارئ، لأن الأسباب كلها تجتمع، من نقص الكوادر البشرية المدربة، إلى نقص التجهيزات والمعدات، ونقص شبكات الاتصالات السريعة التي تربط بين أجهزة مكافحة الحرائق، وانهيارات المساكن، وحوادث الطرق والقطارات، والغرق أو الحوادث النيلية والبحرية. كذلك فإنه من مظاهر الخطورة التي تجدر الإشارة إليها أن مشروعات البنية التحتية التي تركز عليها الحكومة تهمل إلى حد كبير مشاريع البنية التحتية التكنولوجية، التي تؤمن التشغيل الاقتصادي الأمثل، والحماية المدنية الضرورية لأمان التشغيل. ويحتاج الاستثمار في هذا القطاع مبالغ مالية ضخمة، وهو ما ستجد الدولة صعوبة في توفيره مع أزمة الديون الحالية.
إهمال المناطق المأهولة
تتركز استثمارات البنية التحتية في مناطق التنمية الجديدة غير المأهولة سكانيا أو القليلة السكان جدا حتى الآن، مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة والجلالة وغيرها. مصر المأهولة بالسكان هي مصر «الأصيلة» بينما مصر التي ما تزال تحت الإنشاء هي مصر «البديلة» التي يجري تمويل إنشاءاتها بعرق وجهد المواطنين في مصر «الأصيلة» في المدن والقرى المنتشرة في وادي النيل والدلتا والشواطئ والمدن التاريخية. ويتم إنشاء مصر البديلة على حساب مصر الأصيلة بكل المقاييس. ويكفي فقط أن نقارن بين محافظة الإسكندرية ومدينة العلمين، أو بين القاهرة والعاصمة الإدارية، لكي نكتشف أن الحكومة لا تقوم بإنشاء المشروعات الجديدة على التوازي مع تنمية البنية الأساسية في مدن وقرى الدلتا والصعيد والمدن الساحلية القديمة مثل رشيد وإدكو والإسكندرية وطنطا ودمياط القديمة وبورسعيد والإسماعيلية والسويس وسوهاج وأسيوط وغيرها. ويكفي أن ننظر لحال كورنيش مدينة الإسكندرية ومقارنته مع كورنيش مدينة العلمين الجديدة، لنجد صورة مكثفة جدا للتفاوت بين الاثنين.
وطبقا لمخطط العلمين فإن كورنيش المدينة الجديدة، أو ما يطلق عليه اسم «الممشى السياحي» يمتد بطول 14 كيلومترا، وهو ما يساوي طول كورنيش محافظة الإسكندرية المتهالك. ويعلم أهالي الإسكندرية كيف تدهور حال كورنيش مدينتهم التاريخية «عروس البحر المتوسط» بينما يتم إنفاق المليارات على «ممشى العلمين السياحي» الذي يمثل حاجزا بين أهالي العلمين الحقيقيين وبين البحر. واستكمالا للمقارنة بين البنية الأساسية في العلمين والإسكندرية، من الضروري المقارنة بين القطار الكهربائي فائق السرعة المقرر تشغيله بين مدينة الجلالة السياحية والعين السخنة على البحر الأحمر ومدينة العلمين من ناحية، وبين القطارات التي تعمل على خطوط سكك حديد القاهرة والدلتا، بما فيها قطارات خط القاهرة – الإسكندرية الموازي للطريق الزراعي.
لكن الحكومة تأخذ في الاعتبار الآن ضرورة تطوير القرى والعشوائيات من خلال برامج تنموية محددة مثل «حياة كريمة» في الأرياف، وبرنامج «التطوير الحضري» أو صندوق تطوير العشوائيات سابقا. ومع ذلك فإن المنحى الذي تتخذه الحكومة في هذا السياق يتميز بالتركيز على تحسين المظهر أكثر من تحقيق تغيير جوهري في مستوى الخدمات، كما يحدث في مبادرة «حياة كريمة». كذلك فإن قيمة ما يعلن رسميا من الإنفاق على مشروعات هذه المبادرة يتجاوز أضعاف القيمة الحقيقية للمشروعات المنفذة. ومع غياب الشفافية وانعدام المنافسة فإنه من الصعب جدا تدقيق حسابات هذه المبادرة، والتأكد من قيمة المبالغ المساوية للخدمة أو السلعة المقدمة في المشاريع المختلفة، ومنها دهان الجدران والأبواب والأرصفة وإقامة إنشاءات يثبت فيما بعد أنها ذات مواصفات رديئة.
التطوير الحضري
في إطار برنامج التطوير الحضري تقوم الحكومة عمليا بمصادرة ملكية مساحات ضخمة من الأراضي تشمل أحياء بأكملها، مثل الحيين السادس والسابع في مدينة نصر شرق محافظة القاهرة، وأراض وأحياء ومساكن كثيرة تعيش فيها آلاف الأسر في أحياء مثل عين الصيرة والسيدة زينب ومصر الجديدة. وتمتد خطط التطوير الحضري إلى المناطق المحيطة بمحاور مرورية جديدة. من أمثلة ذلك قرار الحكومة نزع ملكية أراضي «عزبة أبو رجب» في منطقة بهتيم التابعة لمحافظة القليوبية، لصالح القوات المسلحة بمقتضى القرار الجمهوري رقم 60 لعام 2022. وطبقا لتقرير كانت قد نشرته صحيفة «مدى مصر» اعتمادا على شهادات محلية، فإن قرار الحكومة ينص على نقل ملكية العزبة بالكامل، بما فيها 500 فدان مملوكة لمركز البحوث الزراعية، لصالح جهاز مشروعات القوات المسلحة، لتنفيذ مشروع «سكن لكل المصريين» وهو ما يعني طبقا للأهالي أن «الحكومة تسعى لتبوير الأراضي الزراعية من أجل مشروع سكني» يكون مملوكا لها. هذا القرار من وجهة نظر الأهالي يتعارض مع تصريحات كثيرة للرئيس السيسي نفسه، يحذر فيها من خطورة البناء على الأراضي الزراعية، حيث قال موجهًا حديثه لأهالي الصعيد والدلتا: «المياه بجواركم ولا يتكلف الحصول عليها مبالغ مالية كبيرة، بينما على النقيض من ذلك فإن تكلفة نقل المياه إلى مناطق الظهير الصحراوي تقدر بمليارات الجنيهات» كما وصف التعدي على الأراضي الزراعية بأنه «قضية دولة».
وقد تزامنت هذه التطورات مع شق طريق بنها الجديد، وبالتالي ارتفعت القيمة العقارية للقرية، ارتفعت قيمتها العقارية أكثر فأكثر مع شق «محور العصار» الذي يمر بجانبها في 2019. وبذلك أصبحت «عزبة أبو رجب» تقع بين «محور العصار» و«طريق شبرا – بنها» بالإضافة إلى الطريق الدائري. وفي هذه الحالات فإن الدولة تقوم بنزع الملكية وهدم العقارات القديمة، لبناء أحياء جديدة مملوكة لها. ويتم تخيير الأهالي بين القبول بالتعويض الذي تحدده الحكومة، أو الانتقال إلى مدن بعيدة في شقق سكنية متواضعة تعادل قيمتها أو تقل عن قيمة التعويض، كما يتاح لهم أيضا بعد التأكد من سند الملكية القانونية وكل ما يتعلق بها، أن يشتروا وحدات جديدة في الأحياء التي تنشئها الحكومة مكان المباني القديمة بالأسعار التي تحددها الحكومة مع خصم قيمة التعويض، وذلك على غرار ما حدث في تطوير مثلث ماسبيرو في قلب القاهرة.
ومع ذلك فإن تهالك البنية التحتية في المدن القديمة يلقي بظلاله القاتمة على برنامج التطوير الحضري وغيره. ويظهر ذلك بوضوح الآن مع تطبيق سياسة «توزيع الأحمال الكهربائية» التي تتضمن قطع الكهرباء يوميا في كل المدن والقرى بالتناوب لمدة ساعة أو ساعتين يوميا. وعلى الرغم من خطورة هذه السياسة في حال وقوع حوادث أو حرائق أو انهيارات مساكن أو خلافه، فإن أجهزة الإطفاء والإنقاذ والإسعاف، لم تعلن خطة واضحة للمواطنين لكيفية التعامل مع الأحداث في حال وقوعها خلال فترة انقطاع التيار الكهربائي. حريق مديرية أمن الإسماعيلية يدق ناقوس خطر بشأن كفاءة البنية التحتية لمواجهة الطوارئ في مصر.