حزب التجمع اليساري المعارض يمنح درعه لجابر عصفور: احتفاء باذخ بالطائر المغرد خارج عشه !

حجم الخط
0

محمود قرني

القاهرة ـ “القدس العربي” لو كان الاحتفاء، المسرف في بذخه، الذي لقيه الدكتور جابر عصفور في القاعة الرئيسية لحزب التجمع الوطني اليساري المعارض، قد حدث قبل عشرين أو ثلاثين عاما، لكان الأمر أقرب إلي الفهم، لكنه يحدث في لحظة أنهي فيها جابر عصفور ما يقرب من خمسة عشر عاما رئيسا للمجلس الأعلي للثقافة في ظل نظام سياسي من المفترض أن حزب التجمع يقف معه علي طرفي نقيض، ليس هذا فحسب، بل إن عصفور ينتقل من المجلس الأعلي للثقافة الي المركز القومي للترجمة الذي أنشأه بجهود حثيثة، وإلحاح محسود، بعد أن وضع بذرته الأولي عبر المشروع القومي للترجمة الذي قدم ما يربو علي ألف كتاب وذلك ضمن مشروعاته بالمجلس الأعلي للثقافة.

في المقابل كان من المفترض أن يتحسب جابر عصفور في قبول دعوة باحتفال موسع يقيمه باسمه حزب معارض للنظام السياسي الذي يعمل في ظله، فهي ـ كذلك ـ مغامرة غير مأمونة العواقب لا سيما وأن الرجل يطمح إلي جعل المشروع القومي لترجمة بناء شامخا لا يقل أهمية عن بنائه اللافت لأقبية المجلس الأعلي للثقافة.

هاتان فرضيتان لا بد للمراقب أن يطرح تجاههما سؤاله، طالما أن التجمع اختار ضيفه، وطالما قبل الضيف تكريم مضيفه، إذن ثمة خطوط للتلاقي، وثمة اقتراب يحدث، أو هو حادث بالفعل منذ عقود، بين الحزب المعارض الراديكالي في الأصل تجاه السلطة بأكثر مما كانت تحلم السلطة مهما كانت الأحلام وردية، في المقابل فإن جابر عصفور الذي يقدم نفسه باعتباره سليل اليسار المصري، يصطفيه كذلك التيار نفسه الذي حقق انتقالة وسيولة غير مسبوقة في مواقفه السياسية، وكأن العنوان الذي اراد المنظمون الإعلان عنه، هو عودة الطائر الي بيته، وهو ما بدا في التقديم الفائض والمكتظ بالحنين الذي أطلقه الشاعر حلمي سالم قبل أن ينال عصفور درع حزب التجمع الوطني، أما خطوط الالتقاء الغنية عن التعريف فلخصتها الكلمة الحماسية لرئيس الحزب رفعت السعيد، وسوف يخال المرء وهو يسمعه أن الرجل خلع جلباب تبعية الحزب الذي يقوده للحزب الوطني الحاكم بكل ميراثه السلبي في عقول وقلوب المصريين، وقد انتفضت مهللا عندما سمعت رفعت السعيد في نوبة صحيان وهو يقول: هؤلاء الطغاة البغاة سنواصل معركتنا ضدهم، ثم نكتشف أن هؤلاء المعنيين بالوصف للسعيد ليسوا أباطرة الفساد أو القمع ممن يملكون المال السلطة، فقد كان الرجل يتحدث عن الإخوان المسلمين، وقد كان المحور الرئيسي لكلمته يدور حول الاستنارة والمستنيرين المستهدفين ـ ليس من السلطة ـ ولكن من التيارات الأصولية التي لم تخف دلائل الإشارة إليها في خطاب السعيد، وهو الخطاب الذي يلخص التقارب العميق الحادث بين السلطة المستبدة التي استنفدت أغراضها وبين تيارات من المفترض أنها تقود طبقة البروليتاريا والنخب المجتمعية بمختلف توجهاتها ضمن إطار وطني جامع، فقد اجتمع المتخاصمان علي التيارات الأصولية التي صاعدت من عنفها اعتبارا من بداية التسعينيات، حيث رأتها السلطة الخطر المحدق علي المجتمع، وتضامن معه الكثير من المثقفين وبعض منظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب وعلي رأسها حزب التجمع، الذي تخصص رئيسه في إصدار الكتاب تلو الكتاب حول الدور الخطير الذي تلعبه حركة الإخوان المسلمين في ما أسماه أسلمة المجتمع، غير أن المأزق الذي أشار إليه جابر عصفور ـ المعني بالتكريم ـ وكثير من المثقفين غيره، لم ينل أدني اهتمام من الدولة، فقد أشار هؤلاء في وضوح إلي خطر استمرار دولة الاستبداد في حال سيطرة دائمة علي المال والسلطة، برغم انتقالها الي الشكل الحديث لدولة المؤسسات، ويقول عصفور نفسه في كتابه (محنة التنوير) أن شرعية مثل هذه الأنظمة تقوم علي استعمال العنف والإرهاب أكثر من الاعتماد علي الشرعية التقليدية، ولذلك يقترن النظام السياسي للدولة التسلطية علي عدم وجود انتخابات لها معني، أو عدم وجود تنظيمات مستقلة عن الدولة، وكذلك عدم وجود دساتير فاعلة أو إلغاء الدساتير أو تعليقها أو تأجيل العمل بها وتجميد الحقوق المدنية وتحويل نسبة عالية من الدخل القومي الي الانفاق علي الاجهزة القمعية لهذه الدولة. هذا هو رأي جابر عصفور المنقول عن خلدون النقيب، وهو يمثل الصورة الحقيقية للدولة المصرية التي امتنعت عن تقديم قمة تنازلات لصالح النخب التي عملت إلي جوارها، بل أساءت فيما بعد إلي شروط العمل الثقافي، وتدني الوعي العام بصورة غير مسبوقة، وبعد أن انتهي الأمر بفقدان الدولة لمصداقيتها انصرف عدم المصداقية الي موقف المثقفين أنفسهم، فقد كنا نتمني أن يكون جابر عصفور ورفعت السعيد الآن في الموقع الذي حازه أحمد لطفي السيد عندما استقال من رئاسة الجامعة احتجاجا علي إحالة طه حسين إلي التوجيه الثانوي عقابا له علي عدم منح واحد من أنصار وزير التعليم درجة الدكتوراه الفخرية من كلــــــية الآداب التي كان عميدا لها، ثم عودته بعد ذلك وقد حمله طلابه بســـــيارته من أمام تمثال نهضة مصر الي داخل الجامعة، رغم ما يعترف به جابر عصفور من أن الهوة تعمقت بين المثقف والسلطة بسبب تعامل الأخيرة معه باعتباره فنيا تكنوقراطيا أو موظفا لديها ولا عمل له سوي أن يقوم بما تمليه عليه، وهي الصورة التي رسخت لها الدولة الشمولية التي ازدادت فظـــــاظة مع سقوط شرعيتها، لذلك كانت الكلمة الأكثر ذكاء تلك التي ألقاها ـ ارتجالا ـ النائب المثقف وزعيم حركة الكرامة حمدين صباحي الذي حضر باعتباره واحدا من تلاميذ جابر عصفور، فقد تحدث بأدب وتواضع بالغين عما أسماه محنة المثقف في السلطة ففي اللحظة التي يحلم فيها بالحرية والعدالة، يجد نفسه جالسا علي كرسي داخل سلطة لا تعبر عن طموحاته، وهي بالفعل كانت محنة جابر عصفور حيال سلطة وصفها صباحي بأنها سلطة الفساد والتبعية، ثم تساءل بذكاء مرددا قولا فلسفيا قديما: أنت لا تستطيع أن تخوض المستنقع دون أن تتلوث ثيابك بعطنه وطحالبه، ويبدو أن حمدين صباحي لم يكن أمامه إلا أن يختتم حديثه بالقول: إن جابر عصفور استطاع المرور وسط برزخ السلطة دون أن تتلوث ثيابه.

تحدثت في الاحتفالية الدكتورة هدي وصفي التي أثنت علي روح المبادرة الفردية لدي جابر عصفور، والمخرج توفيق صالح الذي امتدح إصدار ألف كتاب عن المشروع القومي للترجمة، كما بعث الشاعر زين العابدين فؤاد بكلمة قرأتها الناقدة شيرين أبو النجا، وتحدث في كلمة مطولة ومغرقة في رومانسيتها المترجم طلعت الشايب، وتحدث حول المنهج النقدي الدكتور مجدي توفيق، ثم نائب جابر عصفور وأحد رفاقه بالمجلس الأعلي للثقافة والمركز القومي للترجمة الدكتور عماد أبو غازي، كما تحدث الكاتب سعيد الكفراوي، ومن فلسطين تحدث توفيق فياض، ومن اليمن عبدالباري طاهر، ومن المغرب ميلودي حبيب، ثم المؤرخ الدكتور يونان لبيب رزق، وأخيرا تحدث جابر عصفور في كلمة مقتضبة ورفض ما يذهب إليه البعض ممن يعتبرون أن عمل المثقف مع الدولة نوع من الخيانة، لأنه ـ حسب قوله ـ يعمل في خدمة الشعب المصري لأن الدولة ليست ملكا للوزراء أو الخفراء لكنها ملك للشعب.

ولأن هذه الخاتمة هي اختيار عصفور الذي يؤكد أن ثمة عملا يمكننا أن نؤديه لصالح الشعب بتجليها السالب الذي نقر به جميعا، فلا بد أنه يتحدث عن دولة ذات مؤسسات، وأن السلطات فيها تتمتع بدرجة وفيرة من الاستقلالية، من حيث كونها ـ حسب عصفور ـ تسمح للمثقف النقيض بالعمل علي تقويض مشروعها، سوف نسلم معه بما يقول لكننا لا بد لنا أن نذكره بالأسباب التي كتبها قبل ولوجه إلي السلطة بقليل واعتبرها الأسباب الحقيقية الكامنة خلف محنة التنوير.

يقول عصفور: بدأت محنة التنوير، ودخل زمن انحساره، وبدا كما لو كان يتخذ مسارا هابطا، استجابة إلي ما وقع في محيطه الخارجي، حين استبدل الصوت الواحد بالأصوات المتعددة، ولغة الاتهام بلغة الحوار، وأهل الثقة بأهل الخبرة، والضابط بالعالم، والزعيم الأوحد بالمفكرين، والحزب الواحد بالأحزاب المتعددة، والأحكام العرفية بالأحكام الدستورية والقاضي العسكري بالقاضي الطبيعي. وأسأل الدكتور عصفور بعد ذلك وهل دولتنا تغيرت، ألم تصبح تلك الأوصاف الدقيقة شديدة التهذيب حيال ما تفعله المؤسسة الآن في الشعب المصري؟!

لقد كان علي جابر عصفور ورفعت السعيد وأمثالهما أن يطالبا الدولة التي يعملان معها بالكثير من أجل مصداقيتها أولا، ومن أجل شعبهما ثانيا، فلم يعد يكفي أن تكون المحنة التي تدفعنا إلي الارتماء في أحضان السلطة ـ في كل مرة ـ الخوف من الأصولية، وكأن تلك الأصولية ليست من بين ظهرانينا، وليس هؤلاء الذين يمثلونها من شيوخنا وإخوتنا وأبنائنا، انها ظاهرة مجتمعية من الإنصاف أن ندعوها للحوار ونسمح لها بتكوين هياكلها وجمعياتها وأحزابها في إطار من الشرعية وتحت طائلة القانون، فقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك الموقف المتعسف من السلطة ونخبها وأحزابها تجاه التيارات الأصولية لا سيما حركة الإخوان المسلمين أن اجتذبت كل يوم أنصارا جددا، وأرضا جديدة، وبات ترشح أحد أعضاء هذا التيار في أية انتخابات يعني سقوطا مخزيا لممثلي تيار السلطة سواء كان الحزب الوطني أو غيره، وللأسف حدث ذلك في دائرة الزعيم التاريخي لحزب التجمع وأحد فرسان ثورة يوليو خالد محيي الدين.

إذن ليعمل من يشاء الي جوار الدولة أو ليسكن قلبها، لكن علي رفعت السعيد أن يتأمل وضعه الحزبي، وكم سيحصل من المقاعد هو وحزبه في أية انتخابات مقبلة، بل كم مقعدا حصدها الحزب في أية انتخابات خلال اكثر من خمسة عشر عاما.

إن الاحتفال الموسع الذي عقده حزب التجمع ممثلا في رفعت السعيد وحلمي سالم للدكتور جابر عصــفور يدعونا لسؤال كبير حول الدور السياسي المستقبلي لأحزابنا من جانب، وللدور التثقيـفي الطليعي الذي ينهــض به المثقف من جانب آخر.

وقد كنت أتمني أن تكون الإجابة ضد جابر عصفور ولصالح الحزب الراديكالي الطليعي، لكن ـ وبكل أسف ـ يظل العكس هو الصحيح، فعصفور الذي يصنف الآن باعتباره رجل سلطة، كان أكثر اتساقا مع مشروعه واستطاع انتزاع العديد من المكاسب لصالح الثقافة المصرية، واعتقد أنه لا زال قادرا علي ذلك، بصرف النظر عن الدور الإشكالي الذي لعبه في تدجين أكبر المثقفين المصريين وإدخالهم دولاب المؤسسة، في المقابل انتهي الدور المنوط بالحزب السياسي الراديكالي إلي عدد من الامتيازات الشخصية التي نهنئ الدكتور رفعت السعيد عليها، بينما هو سائر في خيلاء الزعماء الكبار ويحوطه عدد من جنود الحراسة التعساء بملابسهم الميرية الكالحة، يحملون آلياتهم خوفا عليه، هنيئا له بذلك الموكب الذي تنفق عليه الدولة، فقد باتت رؤساء الأحزاب المعارضة في مصر يسيرون في ظل العساكر.

هل بعد ذلك يمكن لأحد أن يسأل لماذا لا يثور الشعب المصري ضد غاصبيه؟!!.QRE

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية