قرر الاتحاد الاوروبي اعتبار الجناح العسكري لـ’حزب الله’ منظمة ارهابية، فيما أبدى استعداده لمواصلة الحوار مع الجناح السياسي. ومعلوم انه لا فرق في ‘حزب الله’ بين جناحه العسكري وجناحه السياسي. فور اعلان القرار قطعت سفيرة الاتحاد الاوروبي في لبنان انجيلينا ايخهورست اجازتها وقامت بزيارات مكوكية شملت المسؤولين الرسميين اللبنانيين وقادة حزبيين من ضمنهم مسؤول العلاقات الدولية في ‘حزب الله’ عمار الموسوي والوزير محمد فنيش. وكانت تؤكد خلال هذه الجولة ان القرار يستهدف الجناح العسكري لـ’حزب الله’، وان التواصل مع الجناح السياسي يبقى قائماً، وأن الدول الأوروبية ستتواصل مع أي وزراء يمثلون ‘حزب الله’ في أي حكومة، وأن القرار لا يبرر أي تحرك أو أي هجوم لأي دولة أو حتى لاسرائيل ضد لبنان’.
وأشارت الى ان ‘هذا القرار وراءه رسالة سياسية للجناح العسكري لحزب الله’، وهو بسبب الهجوم الذي حصل على الاراضي الاوروبية في بلغاريا، والاتحاد يدين اي هجوم على ارضه’. من جهته شدد مجلس الوزراء الأوروبي AR والمفوضية الأوروبية في إعلان مشترك، على ‘أن القرار بإدراج الجناح العسكري لحزب الله في لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية بموجب الموقف المشترك ‘السياسة الخارجية والأمنية المشتركة/931/2001′ الخاص بتطبيق إجراءات تقييدية لمكافحة الإرهاب، لا يمنع مواصلة الحوار مع جميع الأطراف السياسية في لبنان، بالإضافة إلى ذلك، اتفق مجلس الوزراء الأوروبي والمفوضية الأوروبية على أن القرار لا يؤثر في التحويلات المالية المشروعة إلى لبنان وتقديم المساعدات، بما في ذلك المساعدات الإنسانية، من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إلى لبنان’.
وأشار الاعلان الى ان ‘الاتحاد الأوروبي يبقى ملتزما التزما كاملا باستقرار لبنان، وكما هي الحال بالنسبة إلى جميع ما تم إدراجه على لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية بموجب الموقف المشترك ‘السياسة الخارجية والأمنية المشتركة/931/2001’، ستتم مراجعة القرار كل ستة أشهر’.
من ناحية ثانية، لفت المجلس الى انه ‘أضاف اليوم الجناح العسكري لحزب الله إلى لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات والمجموعات والأشخاص المتورطين في أعمال إرهابية، وفق ما تم الاتفاق عليه في مجلس الشؤون الخارجية في 22 تموز/يوليو. وسوف يجري تجميد أصول من هو مدرج في اللائحة في الاتحاد الأوروبي. علاوة على ذلك، التزمت الدول الأعضاء بتعزيز التعاون الشرطي والقضائي في التحقيقات والإجراءات ذات الصلة. ويرفع قرار اليوم عدد المجموعات والمنظمات الخاضعة لهذه الإجراءات التقييدية إلى 26، مع بقاء 11 شخصا على اللائحة. وتم اعتماد التدابير القانونية بإجراء مكتوب، وتم نشرها في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي. وزير الخارجيّة الهولندي فرانس تيمرمانس اوضح نسبياً أهداف القرار أنّه ‘من الجيد ان يقرر الاتحاد الاوروبي تسمية ‘حزب الله’ بما هو فعلاً: منظمة ارهابية’. وقال: ‘اجتزنا مرحلة مهمة اليوم بمعاقبة الجناح العسكري، من خلال تجميد أرصدته وبلبلة تمويله وبالتالي الحد من قدرته على التحرك’. من جهته اعتبر مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله عمار الموسوي أن ‘قرار الاتحاد الاوروبي وضع الجناح العسكري لحزب الله على لائحة الارهاب ‘ستكون له تداعيات ولن يمر مرور الكرام’. وعن اتهام حزب الله بتفجير بورغاس، رأى فيه ‘كما ادراج الحزب على لائحة الارهاب تلاعبا ومصلحة تدخل بلعبة الضغوط السياسية’. وعليه رغم اعتبار السيد حسن نصر الله ان القرار لا يساوي شيئاً، الا ان القضية من الأهمية بحيث تودي بموقع مسؤول العلاقات الدولية في الحزب السيد الموسوي، الذي يعمل جاهداً للحد من تأثيرات هذا القرار الذي يعتبر الأخطر سياسياً ودبلوماسياً منذ تفاهم نيسان 1996، امكن التوصل إلى اتفاق ‘تفاهم نيسان، الذي أعلن عنه الرئيس رفيق الحريري في القصر الحكومي في بـــيروت بتاريخ 26 نيسان/ابريل 1996 بحضور وزيري خارجية فرنسا آنذاك هيرفيه دو شاريت ولبنان آنذاك فارس بويز، فيما كان يُعلن عن ذلك في الوقت نفسه في القدس رئيس وزراء العدو الإسرائيلي – آنذاك – شيمعون بيريز بحضور وزير الخارجية الأمريكي آنذاك – وارن كريستوفر.
وقد أوقف هذا الاتفاق الخطي الوحيد المعقود بين لبنان و’إسرائيل’ بمشاركة سورية وتوقيع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، بعد اتفاق الهدنة الموقّع في العام 1949، العدوان على لبنان، وشَرْعنَ المقاومة دولياً، حيث تمّ تشكيل ‘لجنة تفاهم نيسان 1996’ التي عقدت اجتماعات لها في مقر قيادة قوات الطوارئ الدولية في الناقورة، وعليه يمكن القول إذا كان تفاهم نيسان، كما اعتبر في حينه، انتصاراً وطنياً مهماً فمن المفيد الاعتراف بان قرار وضع حزب الله على لائحة الإرهاب الأوروبي هزيمة سياسية ودبلوماسية كبيرة لفريق وزير الخارجية عدنان منصور.
على المستوى الداخلي انقسم اللبنانيون الى 3 أفرقاء: فريق يمثل ‘حزب الله’ ومعه حلفاؤه من قوى 8 آذار، رفضوا القرار واعتبروه من صناعة امريكا واسرائيل. فريق قوى 14 آذار اعتبر أن القرار جاء رداً طبيعياً على ممارسات ‘حزب الله’، سواء في الداخل اللبناني أو في خارجه. فريق السلطة ممثلاً برئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة المكلف تمام سلام ورئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عدنان منصور، دعوا جميعهم الاتحاد الاوروبي الى إعادة النظر في قراره، لما له من انعكاسات سلبية على لبنان. ويبدو ان الاتحاد الاوروبي الذي تمكن بعد سنة من المناقشات من اصدار القرار قد يجد صعوبة في وضع آلياته التطبيقية، لأن هناك أسئلة بدأت تبرز بعد صدور القرار، ومن المبكر الاجابة عنها، وهي: كيف سيميز القرار الاوروبي بين من هو مسؤول عسكري في ‘حزب الله’ وبين من هو سياسي؟ ما هو مصير لقاءات التنسيق الامنية التي تجرى من حين الى آخر بين بعض سفراء دول الاتحاد الاوروبي في بيروت ومسؤولين أمنيين من ‘حزب الله’؟ ما هو مصير اللقاءات الأمنية التي تجرى في جنوب لبنان بين القوات الدولية التابعة لدول الاتحاد الاوروبي ومسؤولين في الجهاز العسكري لـ’حزب الله’.
هل يواصل ‘حزب الله’ تقديمه الضمانات التي سبق وقدمها لجنود اليونيفيل، من أجل الاشتراك في قوة حفظ السلام في الجنوب؟ كيف ستفصل القوات الدولية في الجنوب بين إسرائيل وقوات المقاومة، طالما أن الاتحاد الاوروبي يعتبر المقاومة منظمة ارهابية؟ كيف سيتم التعامل مع احد نواب ‘حزب الله’ في ما لو أراد زيارة دولة أوروبية؟ كيف سيتم التعامل مع وزير من ‘حزب الله’ في ما لو شارك في وفد رسمي لبناني في زيارة عمل لإحدى الدول الاوروبية؟ ما هو موقف الاتحاد الاوروبي في ما لو شنت اسرائيل عدواناً على المقاومة في لبنان باعتبارها منظمة ارهابية؟ ماذا لو بادر ‘حزب الله’ الى وقف كل انواع الاتصال بدول الاتحاد الاوروبي؟ ماذا لو بدأت قوات اليونيفيل تتعرض لمضايقات من الجنوبيين؟ هذه الأسئلة دفعت بعض المراقبين السياسيين الى أن يتوقعوا اكتفاء الاتحاد الاوروبي بإصدار القرار، من دون وضع آلياته التنفيذية لإدراكه ما سيكون لها من تداعيات خطرة في لبنان.. في كل الاحوال فإن لبنان دخل مرحلة جديدة من مسلسل التوتر السياسي، حيث سيزيد حجم الانقسام الداخلي بين الافرقاء اللبنانيين العاجزين عن عقد اجتماع لمجلس النواب، وعن تشكيل حكومة جديدة، وعن ضبط الوضع الامني، وعن كيفية إبعاد لبنان عن تداعيات الأزمة السورية، وعن كيفية التعامل مع أكثر من مليون نازح سوري.على اثر صدور هذا القرار ودخول العقوبات حيز التنــفيذ، عبّرت مصادر ديبلوماسية عن قلقها البالغ على الاستقرار ليس في جنوب لبنان والوحدات الأوروبية المشاركة بالقـــــوة الدولية ‘اليونيفيل’ فحسب، بل على كل لبنان. وتوضح المصادر ان اقدام الاتحاد الأوروبي بدوله الـ 28 على اتخاذ هذا القرار الحساس على الساحة اللبنانية لم يتم بشكل متسرع واعتباطي، بل ان الدوائر السياسية داخل الاتحاد الأوروبي وداخل وزارات خارجية هذه الدول أجرت دراسة معمقة لجهة النتائج السلبية التي يمكن ان تترتب عليه، والردود الممكنة لـ’حزب الله’ على القرار الذي اتخذته المفوضية الأوروبية، وكان العديد من الدول الأوروبية مترددا في اتخاذه خوفا على الاستقرار في لبنان. ويعود ذلك الى ان العديد من الدول الأوروبية يشارك في القوة الدولية المنتشرة في جنوب لبنان ‘اليونيفيل’ ومنها خمس دول تشارك فيها بقوات أرضية هي، فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا وإيرلندا.
وهذه المشاركة تمثل ثلث عدد القوة الدولية العاملة في لبنان. وتعتبر هذه المصادر انه ليس لـ’حزب الله’ في الظروف الحاضرة مصلحة في التعرض للقـــــوة الدولية، خصــوصا بعد اعلان مشاركتها العلنية والفعلية في القتال في سورية الى جانب النظام السوري.
وتقوم هذه القوة في شكل أو آخر بحماية لبنان من اي اعتداء إسرائيلي، وتحمي ‘حزب الله’ المنشغل في الصراع الدائر في سورية من هجوم إسرائيلي على مواقعه في جنوب لبنان. وتعتبر هذه المصادر ان الطرفين الإسرائيلي وحزب الله معنيان باستمرار دور ‘اليونيفيل’، وليست لديهما أي دوافع تؤدي الى عملية عسكرية لانسحاب القوة الدولية من جنوب الليطاني. فالصراع بين ‘حزب الله’ وإسرائيل انتقل الى الملعب السوري، حيث ان الطيران الإسرائيلي يمنع من خلال غاراته وصول اي سلاح متطور الى الجنوب اللبناني. وتحرص الديبلوماسية الأوروبية على القول ان وجود وحدات أوروبية مشاركة في ‘اليونيفيل’ هو بناء على القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، وان هذه القوة هي قوة سلام وتأتمر بأوامر صادرة من الامم المتحدة وليس من الدول المشاركة في هذه القوة. وبالتالي كونها أوروبية أو غير أوروبية لا يغير من طبيعة المهمة التي أوكلت إليها. لذلك لا تتوقع مراكز القرار في هذه الدول نتائج سلبية على امن القوة الأوروبية المشاركة في ‘اليونيفيل’ بعد القرار الأوروبي.
وتعتبر المصادر ان الصيغة النهائية التي تبناها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعهم نهار الاثنين الماضي في بروكسل خففت وطأة القرار، لانهم كانوا حريصين على عدم الموافقة على قطيعة تامة مع ‘حــــزب الله’، بل مع جناحه العسكري لانه يؤدي دورا أساسيا على الساحة اللبنانـــية، ولم يذهب الأوروبيون بعيدا الى اعتبار كل الحزب منظمة إرهابية، على غرار الولايات المتحدة التي لا تميز بين الجناحين العسكري والسياسي، رغم وجود أطراف داخل الاتحاد الأوروبي كانوا أكثر تشددا ودفعوا نحو اعتبار ‘حزب الله’ كيانا واحدا، لكن الاتحاد كان حريصا على الاستقرار اللبناني وعدم الوصـــول الى قطيعة تامة مع جزء من الشعب. ورغم تعدد الاعتبارات المطمئــــنة تعــترف المصادر بوجود تساؤلات لدى عواصم معنية في شأن امن القوات الأوروبية، وهي تعود الى الحوادث المتفرقة التي تعرضت لها وحدات في هذه القوات ومنها الفرنسية من أهالي بعض القرى في الجنوب.
وليس خافيا على احد ان هذه التحركات كانت بإيعاز من ‘حزب الله’. ويسجل إجماع اوروبي على ان أي عملية عدائية قد تستهدف ‘اليونيفيل’ في إلايام المقبلة ستشكل رسالة يبعث بها ‘حزب الله’ الى من يعنيهم الأمر. وقد دعت هذه الدول وحداتها التي تشارك عناصرها في ‘اليونيفيل’ الى اتخاذ التدابير اللازمة وتوخي الحيطة والحذر. وتوضح ان العامل الذي دفع الأطراف الأوروبيين الى اتخاذ القرار الأخير لم يكن الضغوط الامريكية والإسرائيلية العلنية منذ مدة طويلة على العواصم الاوروبية التي لا يمكنها ان تنفي هذه الضغوط، لكنه لم يكن في وسع أوروبا الموافقة على استهدافها إرهابيا، وانخراط ميليشيا ‘حزب الله’ علنا في المعارك داخل سورية الى جانب النظام. وفي هذا السياق، تعتبر الدول الأوروبية ان القرار الأوروبي يشكل رسالة الى قيادة الحزب لتقول له ان ارتكاب أعمال إرهابية على الأراضي الأوروبية (الاعتداء في مدينة بورغاس في بلغاريا على سياح إسرائيليين) أمر مرفوض، وان أي عملية إرهابية يقوم بها الحزب على أراضٍ أوروبية لن تبقى من دون عقاب.
وثانيا ان دول الاتحاد الأوروبي باجماعها لا تؤيد دور الحزب في الصراع القائم في سورية. من جهة اخرى ترى بعض اطراف قوى 14 آذار أن قرار الاتحاد الاوروبي بإدراج ‘حزب الله’، على لائحة الارهاب الدولي، كان متوقعا منذ أن جنح الحزب باتجاه الاعمال الارهابية داخل وخارج لبنان، التي لم يكن آخرها اتهام أربعة من كوادره البارزين باغتيال رئيس حكومة لبنان الرئيس رفيق الحريري وتفجير حافلة بورغاس في بلغاريا، ناهيك عن حمايته للمتهم بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب، اضافة الى ‘الخلية الارهابية’ التي ضبطتها السلطات المصرية، والخلايا الاستخباراتية والتجسسية التي كشفها العديد من الدول العربية الخليجية، معتبرين بالتالي أن قرار الاتحاد الاوروبي بوضع ‘حزب الله على لائحة المنظمات الارهابية نتيجة سلوكه الأمني في لبنان والعالم، أصبح يحظر على الدولة اللبنانية وتحديدا على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف إشراكه في التشكيلة الحكومية العتيدة، كما يحظر على كل الاحزاب والفعاليات السياسية اللبنانية مشاركته بأي عمل سياسي رسمي، بمعنى آخر يعتبرون أنه ليس أمام الدولة اللبنانية سوى أن تخضع للقرار الاوروبي لأنه سيرتب عليها لاحقا اتخاذ التدابير اللازمة بحق ‘حزب الله’، ترجمة للقرار المشار اليه.
وأن قوى 14 آذار كانت قد اتخذت قرارها بعدم إشراك أو مشاركة ‘حزب الله’ في الحكومة قبل أن يتخذ الاتحاد الاوروبي قرار وضعه على لائحة الارهاب الدولي، وذلك لاعتبار القوى المذكورة ان إشراك ‘حزب الله’ في الحكومة سيعتبر بمنزلة التغطية لعمليات القتل والارهاب التي ينفذها بأوامر إيرانية على الاراضي السورية، مشيرا بالتالي الى أن القرار الأوروبي أتى اليوم ليعطي 14 آذار الحجة القانونية والشرعية للتمسك بقرارها المعارض لمشاركة ‘حزب الله’ في الحكومة، الذي سيؤدي استطرادا الى عدم مشاركته بأي طاولة حوار أو تسوية أو اتفاق قبل تسليم سلاحه الى الدولة اللبنانية.
‘ كاتب وإعلامي لبناني