حسابات الحقل اختلفت عن حصاد البيدر لماذا تفشل حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية فلسطينيا؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
1

بروتوكول باريس جزء لا يتجزأ من اتفاق أوسلو، وبموجبه فرضت ربط الاقتصاد الفلسطيني بشكل مباشر بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي، وهو عائق لتحرر مناطق السلطة الفلسطينية من الاقتصاد الإسرائيلي.

رام الله-»القدس العربي»: توقفت أسابيع الاقتصاد الوطني الفلسطيني التي حملت شعار «اشترِ من بلدك» الهادفة لدعم المنتج الفلسطيني ومقاطعة المنتج الإسرائيلي، لكن نتائج هذه الأسابيع لم تحدث أي تحول كبير في مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

مقاطعة الفلسطيني للمنتجات الإسرائيلية يعتبر الموضوع الأثير الذي يطفو على السطح مع كل مواجهة ميدانية مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، لكنه موضوع ما يلبث أن يخبو من دون تحقيق أي اختراق رغم وجود الكثير من الجهود والمبادرات الشعبية.
وقبل أيام عاد هذا الموضوع للظهور على إيقاع نجاح النشطاء في جعل شركة المثلجات العالمية الشهيرة «بن أند جيري» تتوقف عن بيع منتجاتها في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، وذلك «لاعتبارات أخلاقية» بحسب بيان الشركة.
وكانت السلطة على لسان عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أحمد مجدلاني قد رحبت بقرار شركة «بن أند جيري» الأمريكية، بوقف تعاملها مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي دولة فلسطين انحيازا للعدالة والقانون الدولي والشرعية الدولية، معتبرة أن القرار يعبر عن موقف أخلاقي وسياسي في آن واحد، برفضهم للاستيطان باعتباره منافيا للقانون وأن المستوطنات غير شرعية.
هذا النجاح عمل على إعادة طرح سؤال: لماذا تفشل حملات المقاطعة للبضائع الإسرائيلية داخليا ولا تتحول إلى نهج عام وشامل؟ لماذا تأتي حسابات الحقل (المبادرات ومبررات المقاطعة الفلسطينية) مختلفة عن حصاد البيدر (النتائج)؟

هذا ردنا على المشككين

الأكاديمية، أمل نزال، المحاضرة في كلية إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة بيرزيت تسرد أسبابا كثيرة تؤكد من خلالها أن المقاطعة ممكنة، وناجحة، وترد من خلالها على المشككين، الذين يبدو أنهم كثر أمام حالة من الإحساس بانعدام القدرة على مواجهة السيطرة الاقتصادية الشاملة على الاقتصاد الفلسطيني وتبعيته المطلقة.
الناشطة نزال ردت في مقال نشر على «موقع متراس» على من يقول إن المنتج الإسرائيلي «طعمه أزكى، وجودته أحسن» مؤكدة أن هذه مسلمة ليست صائبة.
فبحسب تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فإنَّ إسرائيل سجّلت أعلى النسب عالمياً في استخدامها للمُبيدات السامة والمواد الكيميائية في إنتاجها الزراعيّ.
وتابعت قائلة: «في إسرائيل يُباع كلّ سنة ما يقارب 7 آلاف طن من بين 670 نوعاً مختلفاً من المبيدات، والتي تستخدم لإبادة الفطريات والجراثيم، أو حفظ وتخزين الفواكه بعد قطفها، وزيادة النمو، كما تستخدمُ إسرائيل ما معدله 3.5 كغم من المواد الفعالة السّامة للدونم الزراعي الواحد، أي أكثر بنحو 88 مرة من السويد مثلا».
وهو ما يجعل المُنتجات الزراعيّة الإسرائيليّة الأخطرُ من بين كل الدول الغربيّة جميعها.
وتؤكد نزال أنّ المُنتج الإسرائيلي سيء الجودة يرسل إلى الأسواق الفلسطينيّة. فهناك تمييز بين المنتج الذي يسوق في المناطق الفلسطينية وتلك التي تخصص للجمهور الإسرائيلي.
وترد نزال على من يستخف بجهود المقاطعة الفردية لتؤكد أن إحصاءات البنك الدولي أظهرت انخفاض الواردات الفلسطينيّة من الشركات الإسرائيلية بنسبة 24 في المئة ما بين عامي 2013-2014 وهو أمر ناتج عن حملات المقاطعة.
وتستشهد نزال بمعلومة مصدرها المنسق العام لحركة (BDS) محمود نواجعة بأنه وفي حال استمرارنا في مقاطعة السِلع الإسرائيلية بنسبة 10 في المئة من كلّ مُستهلك فلسطيني، فإننا بذلك نوفّر 70 ألف فرصة عمل للشباب والخريجين العاطلين عن العمل.
الأرقام تشير إلى أن السوقُ الفلسطيني يشكل ثاني أكبر سوق استهلاكي للمنتجات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يستورد الفلسطينيون من إسرائيل ما يزيد عن 4 مليارات و400 مليون دولار سنوياً. وهو ما يجعل كل عمل فردي َضار بالمصانع الإسرائيلية ويجبرُها على تقليص إنتاجها بحسب الباحثة نزال.
وترى أن «هناك الكثير من المبالغات التي تحيط بنا والتي تتمثل في أن كل ما يحيط بنا هو إسرائيلي، وهي مبالغات تخلق أوهاماً وأساطير نواتها إما الإعجاب بالعدو وإما الهوس بأنه متحكم في جميع مفاصل حياتنا، فتُضخم منه وتُحجم مّا» وتعتبر تلك المبالغات بمثابة معيق لأي جهود فلسطينية تستهدف الخلاص من الاحتلال.

لهذه الأسباب لن تنجح المقاطعة

نصر عبد الكريم، أستاذ العلوم المالية والاقتصادية في كلية الدراسات العليا في الجامعة العربية الأمريكية يرى أن أحد أهم أسباب فشل حملات مقاطعة بالضائع الإسرائيلية هو «غياب التغطية السياسية لهذه الحملات والمبادرات، فهي غير متبناة رسميا في ظل أن الاتفاقيات مع الكيان الإسرائيلي تمنع ذلك، وهو ما يجعل الحركات الشعبية بدون تنظيم رسمي أو حزبي وهو ما يجعلها عرضة للتراخي لكونها بدأت من الأساس من دون أن تحمل بذور الاستدامة».
ويعتبر عبد الكريم التجربة وخبرة السنوات الماضية مدللة للفلسطيني البسيط أن هذه الحملات لن تستمر، ولن يكتب لها النجاح، «فهي موسمية وهو ما يجعل الانخراط بها متواضعا لانعدام الثقة بالتجارب السابقة، وهو أمر ترافق مع انخفاض ثقة الناس بالأحزاب والتنظيمات والتشكيلات المختلفة».
وهو ما أنتج، بحسب عبد الكريم، أن يكون أغلب المواطنين غير مقتنعين بجدوى الحملات، فهم يقومون بوزن المكاسب والأضرار في ضوء خياراتهم الاستهلاكية، ويصلون لاستنتاج انعدام الجدوى وصعوبة إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي.
ويرى عبد الكريم أن ليس هناك ما يدفع لتغيير السلوك الاستهلاكي الفلسطيني في ظل تداخل كبير بالعلاقات الاقتصادية (مثلا 150 ألف عامل يعملون في الداخل المحتل) وهؤلاء يعيشون في دولة الكيان ويرتبطون باقتصاده، ويعززون العوامل الموضوعية التي تجعل من المقاطعة خيارا غير فعال.
ويشدد عبد الكريم أن هناك تداخلا كبيرا في أغلب البلدات والقرى الحدودية بين الضفة الغربية ومناطق فلسطين 48 حيث تقوم الحياة الاقتصادية لمن يسكن في تلك المناطق على العلاقة مع الاقتصاد الإسرائيلي.
ويضيف، «أن المنتج الفلسطيني غير مقتنع للمستهلك، فالمنتج الوطني لا يطرح نفسه بديلا جديا للمنتج الإسرائيلي، وإذا ما علمنا أن المنتج الفلسطيني هو مطبع أيضا (أي يعتمد على مواد أساسية/ خام قادمة من إسرائيل) تكون الصورة قد أصبحت سوداء أكثر.
ويؤكد أن المواطن يطرح سؤال لمن أقاطع؟ ومن سيستفيد؟ هنا علينا الاعتراف أن المصانع الفلسطينية ورجال الأعمال الفلسطينيين لا يقدمون نموذجا وطنيا فهم مثلا غير منصفين لعمالهم، كما أنهم يتهربون من الضرائب وغير ملتزمين بالقوانين ويبنون علاقات اقتصادية مع إسرائيل، وهذا أساسي في السياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاهنا، إنهم يدعمون مصالح تجار ورجال أعمال، ويعززون من ترابط المصالح بين الطرفين وخير مثال بطاقات الـ»BMC» والـ»VIP» التي تسهل من تحركاتهم وعلاقاتهم الاقتصادية.
وتمنح سلطات الاحتلال نوعين من البطاقات النوع الأول يسمى «بطاقة رجل أعمال» BMC وتوفر هذه البطاقة امتيازات لحامليها مثل الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والسفر عبر مطار اللد، وهو ما يعزز النشاط التجاري مع دولة الاحتلال، والثاني بطاقة الشخصيات السياسية المهمة VIP.
وبالتالي الصورة الشاملة التي يخبرنا بها الاقتصادي عبد الكريم تتمثل في أن هناك حالة فصام كاملة، حيث نرى مسؤولين وحزبيين وتجار ورجال أعمال مرتبطين بشبكة اقتصادية مع المحتل، أصبحت مصالحهم تتعارض مع شعار «تحرير فلسطين أو تحرير الاقتصاد الفلسطيني» وبالتالي يعملون على استمرار الوضع القائم أي «بقاء الاحتلال واستمرار اعتمادنا على اقتصاده».
ويختم عبد الكريم: «في ضوء ذلك أصبحت المبادرات وموجات المقاطعة جُمع مشمشية، تنتهي مثلما تنتهي الموجات والجمع السابقة» ويؤكد أنه «كي تنجح هذه الحملات فإنها بحاجة إلى نموذج من دون ذلك ستقول الغالبية وأنا مالي، فالناس لا مبالية، وتعاني من الإحباط الذي يولد المزيد من الاحباط».
ويعتبر «بروتوكول باريس» الموقع عام 1994 جزءاً لا يتجزأ من اتفاق أوسلو، وهي الاتفاقية التي وقعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي على أن تنتهي الاتفاقية عام 1999 وبموجبها فرضت قيود كثيرة على الاقتصاد الفلسطيني الذي ربط بشكل مباشر بعجلة الاقتصاد الإسرائيلي وبالمصالح المباشرة للاحتلال الإسرائيلي، وما زال معمولا به حتى الآن، وهو أكبر عائق لتحرر مناطق السلطة الفلسطينية من الاقتصاد الإسرائيلي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية