حسابات الربح والخسارة

حجم الخط
0

د. محيي الدين عميمور

بعد نحو اربعين سنة من وفاة الرئيس هواري بو مدين يُعطي التاريخ المعاصر للرئيس الجزائري الراحــــل حقه كاملا فيما يتعلق باوليات الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وهو ما تجاهله كثيرون ممن يعرفون الامر حق المعرفة لانهم راوا فيه خروجا عن منطـــق الرداءة السائدة.

كان بو مدين يؤمن بان مواجهة اسرائيل لا تتم بالاعتماد المطلق علي الجيوش النظامية، بكل ما تخلقه حولها من اساطير لا يؤمن بها غيرها، تكون وسيلتها للنفوذ والتحكم في مصائر الشعوب، وغالبا عبر قيادات مدنية يمكن تحييدها بسهولة بمجرد التلويح بالعدو الموجود علي الابواب، ينتظر ان تغمض مصالح الامن عينيها ليتسرب داخل البناء.

وكان الرئيس الجزائري، بحكم دراسته للتجربة الفيتنامية والجزائرية ثم باستيعابه لدروس معركة الكرامة علي ضفاف الاردن، ممن يؤمنون بان تدمير العدو الاسرائيلي لن يتم الا بالحرب الشعبية المنظمة التي تتكامل مع الجهد العسكري النظامي، ويتحقق فيها التناسق بين وحدة مركز القرار الاستراتيجي وحرية الحركة بالنسبة للمجال التنفيذي، وبصورة تبدو اقرب الي اللامركزية.

واذكر انه روي لي يوما حديثا دار بينه وبين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967، حيث قال له الرئيس المصري وهو يحاول اخفاء المه ان الطريق بين السويس والقاهرة مفتوح امام الغزاة، اذ ليس فيها جندي مصري واحد، فاجابه بو مدين قائلا بان الاسرائيليين لن يجرؤوا علي المجازفة بقواتهم ومجنزراتهم في اوحال الدلتا وطرق المدن المصرية، واذا فعلوا ذلك فان فيه نهاية اسطورة تفوقهم، ثم نهاية الدولة العنصرية نفسها.

ولست ادري مدي اقتناع الرئيس المصري، ابن المدرسة العسكرية النظامية البارز، بطروحات زميله الجزائري، مناضل الثورة الجزائرية المتميز، لكن تلك المرحلة شهدت، وابتداء من ضرب راس العش واغراق ايلات، سلسلة من العمليات البطولية التي قامت بها وحدات نظامية صغيرة استعملت اسلوبا اقرب الي اسلوب حرب العصابات، وهي عمليات اصطلح علي تسميتها حرب الاستنزاف وتستحق ان يطلق عليها عسكريا: الحرب العربية ـ الاسرائيلية الرابعة (الاولي في 1948 والثانية في 1956 والثالثة في 1967) وهو ما يجعل من العدوان الاسرائيلي الاخير علي لبنان الحرب العربية السابعة (بعد حرب اكتوبر التي عرفت اروع البطولات العسكرية واسوأ المناورات السياسية ثم الحرب السادسة بغزو لبنان في 1982 والتي انتهت بانتصار لبنان بفضل مقاومته الصلبة). الحرب السابعة كانت دليلا علي صحة وجهة النظر التي نادي بها الرئيس الجزائري، فقد استطاع حزب الله، بايمانه ووحدة قيادته وانضباط جنوده وكفاءتـــــهم ثم بالصبر والمصابرة والالتزام بالسرية، تحطيم آخر الاساطير المتعلقة بالجيش الاسرائيلي، واضطــــرته الي ان يبـــــدو علي حقيقته كجـــــيش همـــجي عنصري يمــــارس ابــــادة جمـــاعية Genocide لا يسلم من شرهــــا انسان او حيوان او جماد، وهو يختفي وراء الدروع ويفر من المواجهة المباشرة ويستعين بالقوي الدولية، حكومات وشعوبا وتنظيمات علي شكل لوبيات متناثرة، معتمدا علي عقدة الذنب التي زرعها في الغرب منذ عقود.

الحرب الشعبية اذن هي مقتل العدو الاسرائيلي، ولقد كان هذا من اهم عناصر السجال بين مصر والجزائر في الستينيات، فقد كان الاستاذ محمد حسنين هيكل يصر علي القول بان وضعية الطوبوغرافيا في المشرق العربي تختلف عنها في فيتنام او الجزائر، وهي بالتالي لا يمكن ان تكون مجالا صالحا للحروب الشعبية، وهو امر كذبته وقائع حرب الاستنزاف لان المقصود بالحرب الشعبية لم يكن دفع الحشود المتراصة لكي تواجه الدروع بصدرها ولكنه زيادة عدد المجموعات المقاتلة وانقاص عدد افرادها واعطائهم حرية الحركة طبقا لتصور القيادات الميدانية بمختلف مستوياتها، وذلك في اطار استراتيجية عامة تحددها القيادة العليا طبقا لمعطياتها ولمتطلباتها.

يومها اطلقتُ علي الاستاذ هيكل لقب فيلسوف الهزيمة، الذي كان الرئيس الراحل بو مدين يستعمله احيانا، وبدون ان يُقلل هذا من القيمة الذاتية والقدرة البلاغية للصحافي الكبير، ولهذا قلت في ايلول (سبتمبر) 1968 في مجلة الجيش بان الذين اخذوا حديثي علي انه موجه الي شخص الاستاذ هيكل مخطئون، لانني كنت اهاجم موقفا من مواقفه (..) ولا بد من الاعتراف بان هيكل صحافي ممتاز ادي الدور الذي طُلب منه اداؤه، وتحمل، وربما وحده، كل اللعنات.

لكن موقف الاستاذ هيكل كان عنيدا ولدرجة انني اضطررت، وفي عدد 13 ايلول (سبتمبر) 1970 من مجلة المجاهد، اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني، الي ان ارفض بكل صراحة قوله بان حرب الشرق الاوسط سوف يتقرر اتجاهها علي شريط من الارض يمتد بمحاذاة قناة السويس والي عمق ثلاثين كيلومترا منها لاننا كنا نري في الجزائر ان الحرب يجب ان تشمل كل الارض العربية من المحيط الي المحيط وكل الطاقات العربية بشرا ونفطا وتبادلا تجاريا، فرديا وجماعيا.

واعترف هنا انني سعيد اليوم بتراجع هيكل عن بعض ما كان يُسوّقه لنا آنذاك، وخصوصا بقوله ان احتلال اسرائيل لارضنا ليس مشكلة، وانه لو اعلنا انه لا يعنينا من الصراع الا ما يمس حدودنا الدولية لسارعت اسرائيل الي الانسحاب، لان الذي قاله حدث فعلا بعد كامب دافيد ولم يؤد لا الي انسحاب يعيد السيادة ولا الي سلام يضمن التنمية الوطنية.

واذكر انني قلت يومها في نفس المقال بان اسرائيل لن تنسحب من حدود مصر الدولية لان بقاءها هناك جزء من استراتيجيتها، والضمان الوحيد لانسحاب شامل وكامل هو قومية المعركة، اسما ومضمونا لا شعارا اجوف تخدع به الجماهير، وقومية المعركة، كما قلت، لا تتعارض مع اقليميتها، والمعارك البيزنطية التي تدور حول التسميات هي محاولة لتقديم المصالح الاقليمية علي انها ضرورات قومية، وهو ما نرفضه جملة وتفصيلا.

وقلت في 20 ايلول (سبتمبر) بان المناضل الجزائري لم يفقد ايمانه بوحدته العربية وبوحدة النضال العربي حتي في احلك اللحظات عندما انهارت الآمال والاحلام، ولم يكن ابدا من حملة الشعارات التي تريح اعصاب اصحابها ولكنها لا تؤثر في الاوضاع تاثيرا حقيقيا، علي حد قول ف.

هـ.

واذا كنت اجتر هذا كله فلكي اعبر عن ارتياحي لان الزمن اعطي الجزائر حقها، واثبت بان كل ما كنّا ننادي به كان تعبيرا عن دراسة عملية لمتطلبات الكفاح ضد العدو الصهيوني منبثقة عن تجربة ميدانية دفعنا فيها مئات الآلاف من الشهداء والمعطوبين والايتام والارامل.

ولعل هذا كله مما يُفسر خيبة الامل التي تجتاح الجزائر وهي تقارن بين موقف جزائر الحزب الواحد في الستينيات والسبعينيات وجزائر التعددية الساذجة التي انزلقنا اليها بعد احداث تشرين الاول (اكتوبر) 1988 المشبوهة، وان كنت اري ان ما تعرفه الجزائر اليوم هو صورة لما تعرفه كل البلدان العربية بدرجات متفاوتة من الحدة او العمق او الاتساع. ولن اكرر ما مللنا من سماعه ضد انظمة الحكم العربية، لانني احمل المسؤولية اولا وقبل كل شيء للطبقة السياسية العربية في مجملها، احزابا ولهيئات المجتمع المدني في معظم الاقطار العربية، لانها فشلت في استيعاب حركة الجماهير وتجنيدها والتعبير عنها بمصداقية حقيقية، ولانها فشلت في ان تتقدم للقيادات السياسية كشريك حقيقي في اتخاذ القرار، وتاكد اليوم انها لا تبحث عن السلطة بل عن المشاركة فيها والتمتع بمزاياها بدون تحمل اوزارها، والفرق واضح.

وهكذا رحنا نسمع المزايدات المضحكة والناس يموتون في كل لحظة، ومن بينها تصريح المرشد العام للاخوان المسلمين في مصر بانه سوف يرسل عشرة آلاف مقاتل لدعـــم المقاومة اللبنانية.

وانا ممن يقولون بان للاخوان المسلمين قاعدة شعبية رائعة ومؤمنة وعلي استعداد للتضحية، لكن ما قاله السيد عاكف يدخل في دائرة التهريج الخطابي، لان جمع هذا العدد يجب ان يتم في مكان معين ولمدة معينة تجري فيها دراسة الوضع والارض والمعطيات الميدانية، فاين يمكن ان يتم هذا في مصر التي لا تسمح بتجمعات اخوانية؟

ثم، من اين سيمر هؤلاء المتطوعون ونحن، مثلا، عاجزون عن ارسال طائرات المعونة الجزائرية الضخمة التي تجمعت في مطار بو فاريك، حسب ما سمعنا، تمــــاما كما ان ناقلات الوقود الجزائرية متوقفة في قبرص لانها، مثل الطائرات، لا تملك الضمانات الكافية للتوجه للموانئ اللبنانية.

ولا اعرف من اين كان السيد عاكف سيرسل جنوده، هل من البحر ام من سورية ام عبر انزال جوي من طائرات لا نعرف من اين يؤتي بها؟ لكن مسؤولية انظمة الحكم العربية تظل قائمة واساسية، فهي لم تضع استراتيجية عملية للمواجهة، يتكامل فيها جهد الجميع، واعتمدت علي خرافة الشعار الذي ينادي بان السلم هو خيار استراتيجي، في حين يعرف طفل المدارس الابتدائية بان ســــلاما لا تسنده قوة هو استسلام.

انطباعات عابرةـ احجام الدول العربية التي ترتبط بعلاقات مع اسرائيل عن استدعاء سفرائها للتشاور، وهو اضعف الايمان، يكاد يجعلني اظن ان الاتفاقيات التي وقعت تضم بنودا سرية عن عقوبات محتملة قد تشارك في اتخاذها واشنطن، راعية السلام المشبوه.

واتذكر هنا ما قاله لي وليم كواندت وعلي مسمع من العشرات من دبلوماسيينا بانه لو كان في مصر نظام ديمقراطي حقيقي لما امكن توقيع اتفاقيات كامب دافيد.

ـ اقترح ان يُمنح الرئيس الفنزويلي شافيز لقب المواطن العربي الاول. وزير سابق وكاتب جزائري8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية