حسام السراي: نسعى لإكمال مشوار الحداثة الشعريّة العراقية

حجم الخط
0

بغداد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسن علاء الدين: يسعى الشاعر العراقي حسام السراي إلى التفرد بصوته الشعري، على الرغم من إصداره مجموعة شعرية وحيدة حتى الآن بعنوان (وحده يقهقه التراب) إلا أنه قدَّم أكثر من نص جديد بعد هذه المجموعة يشي بلغة خاصة وأسلوب تميزت من خلاله شخصيته الشعرية، مقارنة بجيله الذي ظهر بعد العام 2003، أو حسب ما يعرف في الوسط العراقي ‘جيل ما بعد الحرب’.
السراي يترأس الآن بيت الشعر العراقي، ومن خلاله يحاول أن يقدم الشعرية العراقية داخل العراق وخارجه، فاحتفى بشعراء، واستضاف نقاداً، وأقام حفلات توقيع لعدد من المجموعات الشعرية، فضلاً عن إصداره مجلة (بيت) التي تهتم بالشعر، وتقدم كل ما هو جديد في هذا العالم الكبير.
عن الهوية الشعرية العراقية، والأجيال المتعددة، وبيت الشعر العراقي، كان لنا معه هذا الحوار:
* اخترت من بين أفضل عشرة شعراء في العالم في جائزة ‘كاستيلو دي دوينو’ عن قصيدتك ‘بلاد بظلّ أشيب’، لماذا اختيرت هذه القصيدة من وجهة نظرك؟ وماذا أضافت إليك هذه الجائزة؟
* هذه القصيدة تنتمي إلى الاشتغال الذي اتسمت به مجموعتي الأولى، حيث الثلاثية نفسها حاضرة (ذات ومكان واحتجاج)، وخصوصيتها كأنّك تقرأ معها سيرة إنسان لا يريد له ‘الخراب’ أن يذهب بعيداً، أما لِمَ فازت؟ فأعتقد أنّها اقتربت من العنوان العام لمسابقة العام 2009 الذي كان (دروب)، في إشارة إلى ‘تلك الدروب الحافلة بمعانٍ خافية على الجميع يظهرها الشعر، ومن أوطان شتّى وبأنامل تتوحّد في الانتماء لقيم العدالة والحريّة’، لذا حصدت عنها ميدالية مدينة تريستي الإيطالية، وبشأن ما أضافته إلي، مؤكّد للاحتفاء بك من لدن الآخر قيمته ولحظته التاريخيّة، ناهيك عن رؤية الطريقة التي يقدّم فيها الشاعر وكيف يصغي إليه الجمهور، حدث كبير أعطاني دفعة معنوية هائلة.
* إلى أي مدى استطعت أن تبرز آلياتِك الخاصة في النصّ الشعريّ في مجموعتك (وحده التراب يقهقه)؟ وهل هناك من اتجاهات جديدة في نصوصك المقبلة؟
* معظم قصائد المجموعة كانت نتاج مرحلة قلقة من العلاقة بالمكان، كتابتها أشبه بفعل احتجاجيّ طويل ومتنقل بين ساحات متباعدة؛ لأنّك تعيش في بيئة مضطربة تُشعرك بأنّه حتّى الرصيف الذي تمشي عليه يتهدّدك ويريد أن يقتصّ منك، وفجأة تقرّر مغادرة المكان، وتتوهم أنّك ستخفّف من سطوته عليك في الأقل للظفر بمنطق جديد للحياة والكتابة معاً، ومنذ الخطوات الأولى في شوارع حلب، وقبلها الشام، كمحطّة صوب عالم آخر وبيئة ثانية، تتشكّل ومع العنف الطائفيّ العام 2006، لحظة مفصليّة في حياتي الشخصيّة وفي مشواري ككاتب، هناك اختبرت نفسي واختبرت العيش في المدن الهادئة، حيث شرق أوروبا، وإنْ لم أطل المكوث هناك. لذا فإنّ كلّ هذه التبدلات السريعة في الأمكنة، أحدثت نقلة من صورة إلى أخرى ومن رمز إلى ثانٍ، من أجل البحث والإفصاح في أوانٍ واحد عن ذات تواجه احتدام ما حولها، وأنت تلاحق وجودك في عالم المحو.
أما أغلب قصائد المجموعة الجديدة، فإنّها ولدت نتيجة مراجعة لنتاج الأمس وللمشهد الذي ازدحم بكتابات تريد منا أن نقرّ بأنّ كلّ ما يُرصف من كلمات هو شعر حداثة. القصائد الجديدة، طويلة تحمل أبعاداً فكريّة تبحث عن متلقٍ يفكّر ويقدّم قراءته لنصّ مشحون بأسئلة، ومن قرأها يعرف أي مُتبنيات فكريّة أضمّها في النصّ؛ لأنّ الشعر عندي مواجهة ثقافيّة للخراب وانكسارات الحياة التي نريد منها أن تسمو إلى مصاف الحقيقة التي تزيّن القصيدة وترتقي بها، أليست ‘الحياة تُحاكي الفنّ أكثر ممّا يُحاكي الفنّ الحياة’، بحسب الشاعر والروائي أوسكار وايلد.
* اشتغل الشعر العراقيّ على عدة اتجاهات ما بعد العام 2003، كيف يمكن أن نفهم الجيل الشعريّ الذي برز وأنت من أوائل من مثّله؟
* يمكنُ القولُ إنّي من بين المجموعةِ التي مثّلت هذا الجيل بعد العام 2003، والموضوعُ الأهمّ الذي لا بدّ من الإشارةِ إليه، هو التأثيرُ ‘القديم’ و’الأزلي’ للسياسة والتحزّب في مجمل الفعاليّات الاجتماعيّة والثقافيّة في العراق، إذ ربّما يصحُ القول إنّ ما كُتب من شعر منذ الستينيات وحتّى لحظة الاجتياح الأمريكيّ للبلاد؛ يصلحُ ‘الشعر المؤدلج’ فيه إلى أنْ يكون مدوّنة ثقافيّة تشرحُ تبعات الرافعات الحزبيّة على المشهد آنذاك، ولعلّ مرحلة السبعينيات حملت أقصى درجات التمثّل لهذا الواقع الذي تقدّم فيه السياسيّ على الثقافيّ وتأكّدت فيه تبعية الثاني للأوّل، إذ إنّ الشاعر في هذه المعادلة مصان بترسانته الحزبيّة التي توافر له الكثير، بدءاً من الترويج ومروراً بالنشر، ووصولاً إلى تقديمه حتّى على حساب من هم أكثر موهبة من غيرهم.
إنّ كتابي كلٍّ من الشاعرين فاضل العزاوي وفوزي كريم، ‘الروح الحية’ و’تهافت الستينيين’، يُفصحان بصورة أو بأخرى عن هذا الأثر في المشهد الشعريّ والصناعة الثقافيّة، وبالتحديد في جيل الستينيات. لذا لم يعد قاموس الحياة العراقيّة بعد العام 2003 متصالحاً مع من يبحثُ عن منبر أو جمهور يصفق؛ لأن العالم بات يكرّس الفردية اليوم، وصوت الشاعر لا بدّ من أن يكون متفرداً بعيداً عن أية جماعة تقضم بعضاً من حريّته إن لم تكن كلّها، كي يقول ما لم يقله غيره أو يثب إلى تخوم جديدة يتغلّب فيها على نفسه ويصبح معها بمنأى عن معادلة ‘التابع’ و’المتبوع’.
اليوم، الشعراء الذين ظهروا بعد العام 2003، محظوظون، برغم الإصرار السائد على إدامة الخراب وابتلاع الحريّة، فهم بدأوا من نقطة الصفر التي بدأت منها البلاد العام 2003، تعلّموا من الماضي وصارت تجاربهم ككتاب مفتوح ومتنافر، إذ توجّه هؤلاء إلى تبنّي عقيدة جديدة، كلّ منهم يسعى إلى توثيق صلته بها في يومياته وكتاباته، وهي الحريّة، التي أسعى مثل غيري إلى أن تتجسّد كمعنى في النصّ ورد فعل واعٍ يسري في عروق اللغة. هم أفراد تجمعهم المرحلة التي نعيشها والموقف الواحد في أن تكون حرّاً ومستقلاً في أوانٍ. لهم إسهاماتهم الأخرى التي تعبّر بحقّ عن فهمهم لجذور مشكلة العراق، إذ تكمن في عدم تعزيز مكانة الفرد مقابل تكريس حضور جماعات وأصوليات ماضية في تحديث نفسها وخطابها.
* وماذا عن الاشتغال الشعريّ لهؤلاء الشعراء؟
* لست بناقدٍ لأتحدثَ عنهم، تصوّري أنّ تجاربهم لا تتشابه في ما بينها، بل تتقاطع في الغالب، كلّ منهم له فهمه الخاصّ للكتابة الشعريّة، منهم من يعدّ القصيدة ‘شكلاً معاصراً للكتابات الصوفية الإشراقية’، أو يرى غيره في النصّ الشعريّ مجالاً لأن تكون سؤالاً كبيراً ومتجدّداً عن الوجود وتاريخ البلاد وخيباتها المتلاحقة، في حين يجد آخرون في الشعر فسحة للانهماك بالذات بوصفها محوراً لمغادرة اليومي والمعاش وربّما الهرب منهما، صوب الانشغال بخصوصيات عوالم يخلقها الشاعر لنفسه، ضمن تصوّر يخشى صاحبه أنْ يكرّر نفسه في الاهتمام بالراهن، ويترك المهمّش والمقصي من حياتنا، ولعلّ الاستغراق في كتابة تنتصر للإنسان بمواجهة واقع قاسٍ لهي أصعب من التقاط مشاهد مغيّبة ومنسية تحتاج إلى من يضيئها شعراً.
* ما زلت المحرك الرئيس في بيت الشعر، هناك فعاليّات ونشاطات، لكنّها حتّى الآن لم تعبر عن الوجه الحقيقي لهذا البيت، أين تضع بيت الشعر في خارطة المؤسّسات الثقافية؟ وكيف تقرأ الواقع الشعريّ العراقيّ عبر هذه التجربة، ومجلّة بيت؟
* يشاركني في مهمة إدارة البيت مجموعة طيبة من شعراء العراق. ربّما تضاعفت اليوم، الواجبات التي كنت أؤدّيها في الدورة السابقة، بعد الفوز برئاسة البيت، إذ إنّ هناك ثوابت عامّة اتفقنا عليها في أثناء الترشح وبعد الفوز، منها تعهد أعضاء الهيئة الإداريّة بعدم تقديم أنفسهم بواسطة البيت. إما وجه البيت أو لنقل رسالته أو خطابه الثقافيّ، فلعلّها تتمحور في أمرين، مغادرة النمط المعتاد في تقديم الشعر (شاعر يقرأ ثمّ تصفيق فنهاية الجلسة)، بل خلق هذا التقارب وترسيخ العلاقة بين الشعر والفنون الأخرى، إلى الآن لم ينظّم البيت منذ مطلع 2013، فعاليّة خالصة للشعر وحده، سوى حفل التوقيع في القشلة، كلّها نشاطات تزواج بين الشعر والمسرح والملصق الفنيّ والكتابة السرديّة، ونقد تجارب الدوريات الثقافيّة (أمسية البصرة)، من هنا كان الاهتمام بشكل الفعاليّة وباسمها بل حتّى ببطاقة الدعوة، جزءاً مهماً للارتقاء بالمضمون ولفت الانتباه لما نقدّمه.
الأمر الثاني الذي نهدف إليه منذ التأسيس، هو إكمال مشوار الحداثة الشعريّة، وتحويل هذا الهدف إلى توجه ثقافيّ في المشهد العام، وأعتقد أنّ للبيت مكانة لا يحقّ لنا الحديث عنها من باب ألا نقتنع بالمتحقق فحسب، وله من يتابعه في أكثر من عاصمة عربيّة، ولا بدّ من الاجتهاد في تعزيز اسمه ومكانة الشعر العراقيّ بابتكارات وبمزيد من الجهد والمثابرة.
وبسبب التجاور في الأشكال الشعريّة العراقيّة، المختلفة فنيّاً، فمن حقّ جماعة ما، البيت مثلاً، أن تعلن قناعتها وفهمها لآليات الكتابة الشعريّة في هذه الألفية، شرط ألا تسمح لنفسها بإلغاء الآخرين، والعكس صحيح أيضاً، وتبقى جماليات القصيدة هي الفيصل. ومجلّة ‘بيت’، تمثّل حاضنة لكلّ هذه التوجهات، واليوم عقب اختيار هيئة تحرير جديدة، سنكون أمام مهمة صعبة في تخطي ذواتنا، والتغلّب على إشكالات انتظام الصدور من عدمه، وتقديم مطبوع يستجيب لكلّ التطلّعات التي نسمعها أو نتبناها لتطوير المشروع.
* تحدثت في أكثر من مكان عن عدة مشاريع ثقافيّة تشتغل عليها أو تفكّر في إنجازها في المستقبل القريب. ما هذه المشاريع؟
* أهمّ مشروع أشتغل عليه الآن، هو كتاب ‘سيرة الثقافة العراقيّة 2003- 2013’، تبنّت دعمه مشكورة إدارة مشروع ‘بغداد عاصمة الثقافة العربيّة’. وهو مشروع يوثّق في نحو 20 فصلاً، أهمّ محطّات الثقافة العراقيّة في غضون عشرة أعوام مضت وحتّى هذه اللحظة، نعم وصلت إلى مرحلة متقدّمة فيه، إلى الآن هناك بعض النواقص التي لو تجاهلتها لربّما يسأل بعضهم: ‘طيب وأين فلان وفلان من الأحبّة؟’ لكن بعض أحبّتنا للأسف تغيب عنهم أهمية أن يكون له إسهامة في مشروع لصالح الذاكرة العراقيّة، ونحن أكثر ما نعاني منه في أنّنا ننسى كثيراً وسرعان ما تغيب عن ذاكرتنا بعض الحقائق.
* المشهد الثقافيّ العراقيّ، مشهد متعدّد الأوجه والمسارات، كيف تجد درجة تأثّر المجتمع بحراكه ومستوى التفاعل مع نشاطاته؟
* الواضح أنّ بلادنا تحتاج إلى أن ننقل فيها النشاط الثقافيّ إلى الشارع، ليكون مثمراً، بالاقتراب من الناس وجعلهم الجمهور المعني. القاعات المغلقة وجمهورها المحدود والمكرّر لم يعودا يلائمان الحال الثقافيّة والاجتماعيّة العراقيّتين. نعم نزل بيت الشعر العراقيّ العام 2009 إلى الفضاءات المفتوحة وشارع المتنبي والمقاهي الشعبيّة، وبادر بعدها اتحاد أدباء النجف العام 2010 بـ’منضدة ومائة كرسي’ وسط الشارع، ثمّ أتت فعاليّة ‘أنا عراقيّ أنا أقرأ’ العام 2012 لتحوّل فعل القراءة إلى ممارسة اجتماعيّة وإن لساعات، فضلاً عن الفعاليات الأخيرة، مثل (رسائل إلى باب توما)، و(وردة الصحايا) وغيرها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية