حسنات التكنولوجيا وسيئات الشعر

من حسنات التكنولوجيا أنها حرّرت الجمهور بالثورة الرقمية من قيد القراءة الالزامية الواحدة للتوجه الإلزاميّ الواحد في الوسيلة الإعلامية الإلزامية الواحدة، وأطلقته إلى فضاءات إبداعية جديدة طلعَتْ على الناس بعدما توافر لها المنبر الافتراضي بشكله الواسع .
ومن حسناتها انكشاف أمر الكثير من مسؤولي المنصات الثقافية ما قبل الثورة الرقمية، ممن توافر لهم حظ الانتشار والنشر فشكّلوا أمراً واقعاً في تكريس شاعر وتنكيس آخر، وفي زرع أفكار أصبحت شائعة تحكم المنطق الأدبي العام.
أغلبهم أيضاً أصبحوا أو فلنقل جعلوا من حالاتهم الكتابية ظواهر شعرية، رسخت بالتراكم الزمني في ذاكرة الناس من خلال منابرهم الإعلامية: مقروء، مسموع، ومرئي، لم يتوافر للقارئ أيّ خيارات سوى متابعة تلك «التّرويكا» ومحاولة اكتناه جودة البذرة الجديدة للشعراء الجدد فيها. بغير حق، تلبّثَ البعض من أولئك الشعراء، سنوات طوال وهو يكتب ما يشاء وينشر ما يريد في الصفحات والزوايا الثقافية لبعض الورقيات من جرائد ومجلات، لتي لا تزال في أرشيفنا وبين أيدينا حتى اليوم، مستميتاً في إقناعنا بشاعريته، كما لم يتأخر البعض الآخر عن تعويم من أراد من صديق أو مُريد أو حبيب في عاموده الدائم، أما البعض الثالث فقد استثمر في حواريات مصورة مع شعراء كِبار، علّه يكبرُ معهم.
في زمن ما قبل الرقمنة عرفت الساحة العربية من محرري الأبواب الثقافية الكثير ممن انتشر بقوة الوسيلة الإعلامية وحضورها، مستندين إلى الأساليب التي يصبح فيها المرء شاعرا، فجندوا أقلامهم في استعراض نتاجاتهم صباح مساء، ووظفوها في تجميل صورهم، وفاق شروطهم الخاصة وأهواءهم المطلقة، فلم يكن المعيار بالضرورة موضوعياً أو أكاديمياً او إبداعياً بحتاً، رافضين اعتبار أنّ ما كُتب ونُشِر إنما هو مقتربات شاعرية، أو خواطر نثرية، وناهضين على وهْمِهِم السُّلْطوي القابض على فِعْلِ الكتابة في منابرهم، ومُصرّين على أنهم شعراء ولا شيء غير ذلك.
لم نعد نسمع ولا نقرأ إلا القليل وبالصدفة عن أولئك الشعراء الذين تحكموا بالصيغة الإبداعية للشعر ردحا من الزمن، أين هم؟ هل فعلا كانوا مبدعين؟ أم أنّ الحظّ خدمهم بإخلاص؟ محمود درويش ونزار قباني وأبو ريشة وأدونيس والبياتي والسياب وغيرهم، كل هؤلاء عرفناهم بدواوينهم ومنجزاتهم الشعرية المُبدِعة، التي نحفظها ونرددها حتى اليوم، وكل هؤلاء لم يكونوا إعلاميين، ولا مديري صفحات ثقافية، ولا مقدمي برامج إعلامية أو إذاعية، ومع ذلك كان الجمهور يتهافت في البحث عن إصداراتهم الجديدة، مهما كانت مشقة الوصول إليها.
وسائل النشر السّابقة تلك، لم تكن تتوافر على روابط أو مواقع إلكترونية كما يحصل اليوم، فكان الاتصال بمسؤوليها أمراً صعباً، بل مستحيلا في الغالب، وخاضعاً للحيرة والحياء والخوف والمهابة، ولطائلة الرفض ومزاجية الانطباع الأول في تواصل شخص بآخر، وهو ما قولبَ حركةَ الإبداع الفني والأدبي تحت سقف تجاربهم الخاصّة وأَحكامِها بإيديولوجيا حادّة الأبعاد على مستويات ثلاث: التراكم، السلطة، الفكرة الشائعة: زرعوا فكرة الشاعر (اللَّقب) بسلطة الوظيفة وتراكم النشر.
إحدى المجلات الأدبية المعروفة، التي توقفت العام 1995 حكَمَت الصيغة الكتابية لجيل أدبي بمعظمه، تسابقَ في ما يشبه الماراثون في ملء صفحاتها بأفكار التهميش والتنكر، بل التشويه لكل ما في التراث العربي في الشّعر والنّثر والدين أيضاً، وهو أمر أكد لاحقاً أنّ منع العديد من الدول العربية لدخول مجلات كهذه إلى أراضيها وإلى قرائها كان صائباً في أحيان كثيرة.
ولم تكن الوسيلة الورقية متفردة بتلك الظاهرة، بل المرئية أيضا: بعض الشعراء عُرِفوا ببرامجهم الثقافية، التي كرستهم شعراء بقوة الظهور المتواصل على الشاشة، وجوعِهم العبثي للانتشار في عهد ما قبل الثورة الرقمية، لا بمؤلفاتهم ولا قصائدهم التي لا يعرفها الناس في الأعم الأغلب. لا يظلم هذا الكلام بالطبع فئة أصحاب المواهب، التي لم تأخذ قسطها من القراءة والانتشار بين الجمهور، والتي بدأ التعرف إليها بعد الثورة الرقمية التي انكشف فيها المشهد الشعري بوضوح أكثر وصفاء أوسع، بحيث انكفأ الحرس القديم للشّعر واستبان الناس حالات وإمكانات شعرية حقيقية جديدة، أظهرتها المواقع والمنصات الإلكترونية على امتداد الوطن العربي. فمع الوسائط الرقمية الحديثة تلاشت ممكنات تلك السلطة السابقة، فلم تصمد كتابات أصحابها بعدما أصبحوا أناساً عاديين، وقد اضمحلت رؤاهم الشعرية، وتفصّدتْ قصائدهم التي كانوا يزينون بها صفحاتهم، وانفلتت منهم القوة الناعمة التي كانت تمنحهم نعمة القبول والرفض لأي نص يرد إليهم، وبعدما انجلى الواقع الشعري عن أسماء كثيرة مهمة بَزَّتْ أولئك «المعروفين» وأحرجتهم بنتاجات محلِّقة في التجديد والابتكار، أهابت بالشِّعر إلى أنْ يُبدّلَ الرّؤى والآراء بجدته وجودته، وهو يطلق فكرته التي يُراد لها الولادة من النص شكلاً ومعاني، بعفوية صرفة وصدق فطري، من دون الإصرار أولاً على اسم شاعر مع ما يفتحه لهم هذا اللقب من أبواب الشهرة والعلاقات العامة على المستويين الوطني والعربي.
لقد أطلقت الثورة الرقمية حرية الشاعر في إنشاء موقعه الإلكتروني المتعدد الخيارات بين الخاص أو العام، والذي يحفظ له كرامته بعيداً من الخضوع لرغبات ذلك الحرس القديم – ما قبل الرقمنة – مع ما يوفره له ذلك من آفاق للتثاقف والتفاعل مع الآخر محلياً وعالمياً، والتي تبدأ بتلاوين الكتابة وأشكال التدوين الزاهية ولا تنتهي بالصوت والصورة وجمالية المؤثرات .

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية