ماهر منزلجي’والنبي يا عمر شفلك تصريف مع العيال دول بتاع الميدان المهبب. دنا فاض بي خلاص. الحالة بئت زفت والوضع، يا جميل بيشي بيش’.’مفهوم يا ريس. أديني يومين، وانا حإحلقهوم لك على الصفر إن شاء الله’. كان عمر يحدق بعينيه الواسعتين إلى وجهه الطويل في المرآة، يمر بالشفرة الحادة على لحيته القاسية، فجاء رده قاطعاً من نوع ما كان يمارسه. لقد أخذ علماً مرة أخرى بشكوى الريس المكررة من الشباب، الذين كانوا يحتلون ميدان التحرير وسط القاهرة، ويتظاهرون ليلاً نهاراً، غير أنه لم يرتح لسماع البيشي بيش الغريبة، قلبها في رأسه، ظلَّ معناها منمغلقاً عليه. أوشك على تحريك لسانه مستوضحاً، لكنه بدلاً عن ذلك عض على شفتيه والتزم الصمت. عليه أن يغير عادته، ويقلع عن دور المحقق والمدقق الدائم. إن حال زميله الكبير لا يسمح بالتباسط، وطرح الأسئلة. ومن يستطيع تقدير ذلك خيراً منه؟
كان الريس ممدداً على كرسي طويل متجهم الوجه، متوتراً بشكل سافر. لكن ذهنه كان حاضراً على ما يبدو، ليته لا يستسلم لهجمات ضعف الذاكرة بتلك السهولة المخجلة. عندما ‘تدور’ مع الريس ويبدأ بخلط الكلام، يصاب عمر بالخيبة، ويشعر بحجم المسؤولية، التي وقعت عليه مؤخراً، بشكل رسمي، ورضي بها طمعاً بما بعدها، وليس فرحاً بها. هل يصدق توقعه ويؤول”الملك’ إليه يوماً قبل فوات الأوان؟ لقد اختاره لصد الضربات وتصفية الحسابات، ولتلميع واجهة الرئاسة، التي ينادي الشباب الغاضب بدحرها، ليس في ذلك من سر عظيم!
انتهى المدلّك نوري من الدورة الأولى في جلسة الصباح، رغم اعتراض سيده وقلة تجاوبه. أخذ مكانه الأسطة لبن، الذي بدأ حياته معروفاً باسم ‘قشطة’، لكن ليس في حضرة الرئيس. كان قشطة واقفاً وراء رأس الزبون الخاص جداً، محني الظهر احتراماً، مستعيناً بنظارة سميكة فوق أنفه، يطارد، بمقص معقم، عدة شعرات خرجت عن الدرب، ويتعقب أخرى بفرشاة مغموسة بصباغ جديد وصله من باريس.
غسل عمر وجهه ثم جففه، رفع بنطلون البيجاما الرياضية المريحة التي يرتديها أغلب الأوقات. يخلعها بالطبع للاجتماعات المتلفزة، والاستقبالات الرسمية. تلمس بإبهامه كتلة صغيرة عند طرف ذقنه، قرر أنها لا تضيف شيئاً إلى جاذبيته، على عكس ما يشهد أكثر من متملق وكاذب. وقرر أيضاً أنه لن يجرؤ على إزالتها جراحياً، ولن يحاول إخفاءها تحت لحية أو سكسوكة،’ ليس في موقعه الحالي. لكن إن انتهى به الأمر إلى الإقامة في جدّة، تصديقاً لما حلم به البارحة، فلن تكون تقليعة غريبة في مملكة الرمال والبترول، حيث تكثر اللحى وتتعدد أشكالها! كان ذلك كابوساً، وليس حلماً، أن يختصر حاضره ومستقبله في حقيبة، يحملها على ظهره، ويتبع خطوات سيده، وخطا من سبقوهما، من عيدي أمين إلى زين العابدين، مستجيرين بأرض النبي ومجاورين! لن يذكر شيئاً مما ينهش ذهنه للسي حسني، كفى النسر العجوز ما يحيق به من نتف الريش وقص الجناح، ورفع الشعارات المعادية! ‘ترى بأي شيء حلم سيادته؟’، استطراد من مقام الحلم فرض نفسه. كان الريس الجبار أيام الخير، يشرك صديقه عمرو، كما يدلعه أحياناً، بأحلامه وأسراره، وكانت جميعها مطمئنة ومفرحة، أو’ يمكن أخذها بمنتهى البساطة على هذا المحمل. هل نام المسكين، وهل حلم، أم كانت أصوات الهتاف المعادي، إرحل، إرحل، تسد طريقه وأنفاسه؟ تساءل المساعد الحرّيف في سره وأكمل ‘يصعب عليَّ حالك يا حسني، بس برضو تستاهل’!. لكنه مباشرة أخذ يلوم نفسه ويقرّعها، مدفوعاً باللياقة، وبحسه الأمني الذي أصبح على مرور السنين جزءاً طبيعياً منه، فهو لم يعط بعد لأفكاره الخاصة حرية المرور، ولا لصفحة وجهه إذناً بعرض الصور!
كانت شاشة التلفزيون العريضة إلى الجهة اليسرى، تشتعل بنار قناة الجزيرة، وتلك التي تغطي الجدار إلى الجهة اليمنى، تسفح ريحاً باردة من ميدان التحرير عن طريق لندن، والبي بي سي، وفي ركن جانبي كانت قناة التلفزيون المحلي تنفث في جو القاعة كلاماً لا صوت له ولا قيمة. يتنقل حسني بين القناتين الرئيسيتين وقنوات العالم، التي لا تعد، بواسطة ‘ريموت كونتروله’ الخاص، يصرخ بين الحين والحين ‘إضبط يمين، صلّح شمال، غير.. بلاش قرف، إضرب تاني يا حيوان’، فيستجيب للأوامر الصارمة، نوبي نحيل، طويل الأذنين عظيم الشفتين، يفهم بالألغاز، نسي الريس اسمه في زحمة الأسماء.
في غمرة ذلك، تابع اللواء المتمرس، نائب الرئيس الذي لم يعتد لقبه الجديد بعد، محاولاته اليائسة لإيجاد تفسير للـ ‘بشي بيشي’، أو لصرفها عن ذهنه، أو لوضعها وراء القضبان. فجأة تحركت سبابة الرئاسة تستدعيه، فترك كل شيء، وامتثل. جاءه صوت الريس كسيراً متعبا ‘سوزان خلاص ما بتحبنيش، والوَد جيمي ما فيش، وبنت الجمال ما بتجيش. هم كده كلهم حتة واحدة سابوني هنا وراحو ميدان التحرير!
؟’. حضّر عمر حنجرته، باحثاً عن شيء مطمئن يقوله، بلع لعابه مرتين، ثم توقف. تذكر شيئاً مفيداً ‘الصمت في حرم الحسن حسن’ سمع ذلك يتردد أمامه، من أحد الشيوخ الكبار بالذات في أيام خلت، جملة تخلص من الإحراج، كانت تثلج قلب الريس وتضحكه، سيطبقها من دون إعلان! ما الذي يثلج قلبه الساعة، أو ينجح في انتزاع ابتسامة باهتة منه؟ لا شيء. لن يحاول.’آخ، خد بالك يا لبن يا ابن الإيه. وجعتني أوي، برضو دا بيشي بيش’، صرخ حسني فجأة. لقد تغير الموضوع بشكل طبيعي. ‘خلاص إنسا يا عمر’، هتف هاتف في صدره. تحرك صوت لبن هزيلاً متعثراً، والملقط اللعين، الذي اقتلع به شعرة طائشة من طرف أذن الريس، يرتجف بين أصابعه، ‘سوري، أوي، أوي ياريس، مش قصدي والله’، تابع الريس الجريح الذي لم يسمع اعتذار قشطة ‘الله، كلهم عليّ.. ولاَّ إيه؟!’، مد’ الـ ‘إيه” بقدر ما يستطيع تأكيداً على استيائه. لا لوم عليه، المصائب تحيق به من كل جانب ‘ألف لا بأس عليك يا ريس. يا بطل’ رفع عمر صوته مواسياً، وأضمر ما يناقض ما قال!
فجأة عاد الريس يتكلم بشيء من الهدوء موصياً وشاكياً، ‘مش عايز الطنطاوي يلعب بديلو، الله منك يا برادعي، يا بتاع الذرات والحركات، ربنا ياخدك يا أيمن يالي مش منور،’ …’،’تركزت نظرات عمر على وجه حسني المرهق. تابع حسني يصدر تعليماته المكررة ‘خود بالك يا عمر، وقول كمان لحمادة شفشق، وإنسى همومك، وصفصف، والعادلي الجديد، أنا عايز الجزيرة تغور، ونا عايز اتفسح بدمنهور، آآ… مش عاجبكم. والا مش عاجبكم يا حكومة يا حرامية!! ؟ تحولت نظرات عمر الغاضبة إلى الأسطة لبن، كان هو المسؤول عن تردي حال الريس فجأة. حرك سبابته محذراً من غير صوت ‘خود بالك قوي، قوي من الريس بتاعنا كلنا، وإلا على بيتكم طوالي’، ثم سأل ‘إنتا سامعني كويس يا ولد؟’ كانت حماية الريس وتأمين الجو المناسب له، والتلمظ بهما على رؤوس الأشهاد، من أولى واجبات النائب الأول، و’ الأخير’، كما يفهمها رجل المهمات الصعبة. كان يقوم بكل ذلك على أي حال منذ مدة طويلة، سنوات قبل أن ينعم عليه باللقب الكبير، متأخراً جداً.’كل دا من جوز الست بتاع تونس الصفرا، ولاّ الخضرا.. ما نا عارف! ربنا يجازيه يا شيخ، هو أصل البلا’، التقط عمر نص الريس، احتار به لثانية واحدة ليس أكثر، ثم فهم ما كان يرمي إليه. بالفعل كانت استقالة زين العابدين سريعة وجبانة، ومن طرف واحد، ولم يستشر فيها من يكاد يتبعه! انحنى لضغط الشارع بمنتهى الضعف والخسة، أخذ ما خف حمله وغلا ثمنه، وغادر تحت جناح الليل متجهاً جنوباً، هل يكرر’حسني هذا السناريو الممتاز جداً، يسلمني ويغادر؟ هذا ما يطلبه الشباب الغاضب، أو على الأقل بعض ما يبتغيه، والتتمة تأتي… أم يصر على العناد والمكابرة، فنرحل سوياً، ونغرق معا؟! بالطبع اغلق النائب المتشائم الباب على ما جال في ذهنه وأبقاه لنفسه. من ناحية أخرى لم يشأ أن يمرر ما سمع’ دون إظهار معلوماته في التاريخ والسياسة، فبادر قائلاً ‘كلامك صحيح يا ريس، بس برضو تسمحلي. سيادتك فاكر الخواجا ديغول مش كده؟ هو دا بربنا اللي ابتداها يا ريس، حرك الطلاب الفرنساويين، فهاجوا، واعتصموا، وتظاهروا، فلجأ لصناديق الإقتراع، فهزموه في التصويت، فزعل وراح عزبتو، دا برضو يتلام، ولاّ إيه سيادتك؟
؟’. اقترب عمر من أذن الريس اليمنى، وأعاد جملته الأخيرة بصوت مرتفع. ‘ثقل السمع حاجة تجنن’ لم يخف شعوره كما يجب! أما حسني فقد فرح بمقارنته مع زميله المتقدم عليه ديغول، وإن شعر بشيء من الامتعاض لتجرؤ نائبه على مخالفته وتصحيح كلامه! أهمل ما سمع، وتابع’ ‘وحاجة تانية يا عمر، جرى إيه للتلفون ابن الكلب، دا مفهوش حرارة، ولاّ مفهوش دم؟ إيه ما فيش حد بيضرب؟ فين الريسين والملوك والأمرا؟ ما فيش حد بيسأل عامل إيه يا حسني؟ ما فيش شهم فيهم بقول سيب الهم يا حسني، وتعال عندنا يا خويا؟’. أغلق عينين شبه دامعتين وتابع هامسا: ‘بص شوف حسني بيعمل إيه!!’، غير أن همسه كان واضحاً ومسموعاً.
رغم كل شيء، كاد قلب النائب المتحفز للانقضاض على المنصب الشاغر في أية لحظة، كاد ينفطر لوعة وتعاطفاً، لكن ما العمل، لم يعد يستطيع حشد الفريق اللازم من الموظفين، الذين يجيدون لهجات الزعماء العرب، ويتقنون لغات الأجانب. لقد نجح في ذلك إلى عهد قريب، لكن عدداً ممن يعتمد عليه خان الأمانة، والتحق بالمتظاهرين. الذي ما زال قادراً عليه، هو تنظيم المسيرات الداخلية، في حديقة القصر وممراته، والتي يطرب لها الريس، وينتشي. ينفذها طاقم السفرجية والسواقين، ومن تواجد من وزراء الدرجة الثانية. سمع النائب أصواتناً تقترب من النافذة، سيسمعها الريس عندما تقترب أكثر، كانت تنادي ‘إبقى، إبقى النهاردة وبكرا، وبعد، بعد بكرا’، ستهدأ الاصوات قليلاً، لتنطلق من جديد بلحن بكائي من مقام آخر ‘ما تتركناش، ما تسيبناش، والنبي يا ريس ما تيتمناش!!’. ينقل الريس عينيه الحمراوين بين شاشتي التلفزيون إلى اليمين وإلى الشمال، تقع عيناه على كلمة قصيرة مكررة لا معنى لها عنده، لكنها تكدر نفسه، وتهز بدنه، ‘إرحل إرحل’، يصر على جهله بمعناها، ولا يجرؤ أحد ممن حوله على ترجمتها. الوزير الجديد جابر المعروف بسلامة لغته، ووسع اضطلاعه، رفض القدوم إلى القصر، وأصر على ‘الحرَد’ تهرباً من الإحراج، ولأسباب أخرى ايضا، ثم تمرد بشكل كامل، وأعلن استقالته.’ليه بس يا عصفور تعمل كده؟’، يتساءل النائب باحثاً عمَّن يمكن أن يقوم بدور الترجمان المحلف، ويترجم لسيده كلمة واحدة شديدة الصعوبة!
يصرخ الرئيس فجأة موجها كلامه إلى من يلتقطه، من دون تحديد ‘عايز اخطب يا ناس، خود بالك مش عايز أتجوز! نفسي أتنفس، شوفولي مناسبة، شوفولي منصة، حا اختنق، حا موت خلاص!!’، يرد عمر بود ومكر متداخلين ‘حاضر يا ريس، أيوه يا حبيبي، ما تزعلش والنبي يا ضناي، كلو في وقتو حلو، وتمام’، لم يسمع الريس ما تفضل به خادمه ونائبه. كره نفسه ولامها، إنه لا يحب كلمة منصة، وإن كانت صاحبة الفضل عليه وعلى عائلته، فحادثة المنصة التي أودت بحياة ‘الله يرحمه’، منذ أكثر من ثلاثين سنة، هي التي شفعت له عند ملائكة الحظ، وأوصلته إلى سدة الحكم. لكنه لا يحب تلك الكلمة، بل هي ممنوعة من الصرف، والاستعمال بأمره، في حضوره وغيابه، وهو كرجل نظام منضم وطيران ليلي نهاري، أيام كان يطير، أولى به التقيد بتعليماته التي لم يجبره أحد عليها! ‘حاسب بلاش يتكرر التاريخ يا حسني’، هذا في الحقيقة ما يقلقه. من دون أية مناسبة معلومة لأي من الموجودين، يعلو صوت الريس معلناً ‘يكون بعلمكم، مش حاكل النهارده، وبرضو مش حاصوم! شوفولكم حل بين الإتنين، إنتو صاحيين ولاّ انتو نايمين؟
؟’، لا ينتظر جواباً، أو تعليقاً. يستأنف ما بدأ ‘جيبو الكفيار لبابا حسني يا كفار، جيبولو النصر وأكاليل الغار، وانا عايز أتصور كمان!’ ثم يسأل بابتسامة محتارة، تدفع من طريقها دمعة ساخنة ‘الشوكولا السويسري راحت فين يا لصوص يا حرامية؟ يا عمر يا بتاع السين والجيم! اعمل تحقيق، وجيب كلاب البوليس، واكشف لنا السر، وطعميها على حسابي شوكولا سويسرية’، يكاد عمر يضحك، لكنه ينجح في ضبط ملامحه ولجم لسانه. يتحسس طرف ذقنه، عادة قديمة كانت تساعده على التركيز، يفشل اليوم في تحقيق ذلك. مشتت، مضطرب من الداخل، يتصور وجهه منتهياً بلحية قصيرة، ويستكمل الصورة بعباءة حريرية تتدلى من كتفيه، تتطاوح وراءه في ممرات بيت كبير مسدل الستائر، انتهى إليه لاجئاً فوق العادة، تاركاً وراءه في أم الدنيا القصور والبيوت والألقاب. هو يشغل الطابق الأرضي، ويشغل الطابق الأعلى الريس حسني، هذا الذي عاد يحدق إليه بحنو غير عادي، لا يعرف من أين هجم عليه تلك اللحظة، غير أنه أخذ يدمدم لحناً ما، هارباً مما هو فيه.’بتقول إيه يا عمر؟’، لاحظ الريس حركة شفتيه. ‘لا سيادتك، أصلي بدندن حاجة جت في مخي، لا مواخذة’. ‘طب ما تيجي جنبي، خلينا ندندن سوا’. كان عمر يغني بصوت مخنوق مقطعاً من أغنية لنجاة الصغيرة، مطربته المفضلة..’ ماذا أقول له لو جاء يسألني إن كنت أكرهه أو كنت أهواه؟’، وكأنما قد تناهى إلى سمعه صوت سيده،’ يسأل، كما يفعل أحياناً ‘بتحبني يا عمر؟’. حمل عمر كرسياً صغيراً، وضعه قرب كرسي الريس، من الناحية اليمنى، وبسرعة البديهة المعروفة عنه، ترك أغنية نجاة ورفع صوته الدافئ، وشرع يشدو بأغنية محمد عبد المطلب، مغيراً فيها بما يناسب مقام السيادة ‘بتسألني بحبك ليه؟ كلام غريب ما جاوبش عليه’. أعاد المقدمة مرتين، مركزاً نظرات عينيه الساهمة، في عيني الرئيس الحالمتين. كان تأثر حسني بما سمع يفوق الوصف والتقدير، وكان صوت النائب شديد العذوبة والرقة. سعل الريس مرتين ثم أعطى إشارة خاصة فهمها الحضور من دون صعوبة، سدّوا’ آذانهم جميعاً، ما خلا عمر، فليس للخدم سماع الريس إلاّ آمراً ناهياً، أو خطيباً مفوهاً، ولم يكن الرئيس ينوي شيئاً من ذلك، كان فقط يتحضر للرد على لطف عمر وكرمه بكرم من عين النوع، بل أحسن، وانطلق دافئاً رائعاً: ‘ساكن قصادي وبحبه…’، عاد عمر إلى التفكير بنجاة الصغيرة، رفع صوته حاراً مضمخاً بالحب والوجد…’إني ألف أهواه’، ساكباً في أذن الريس اليمنى من صوته وكيانه وهيامه. ثم قام عن كرسيه، وقبّل الريس على جبهته، كاد لشدة انفعاله، يقبله في فمه! من فتحة الباب الموارب، وصلت أصوات الهتافة في دورتها الثانية تردد، ‘ما تسيبناش، ما تتركناش والنبي يا ريس، ما تيتمناش!!’، كان كل ذلك مرضياً جداً.
في هذا الوقت، تنحل المعضلة التي كان الريس يراوح عندها بكل بساطة، فقد قدر الشباب في ميدان التحرير أبعاد المشكلة، فكتب أحدهم بأكبر الأحرف الممكنة، ‘إرحل، يعني إمشي، يا لي ما بتفهمشي’. وظهرت اليافطة مباشرة على شاشتي التلفزيون الكبيرتين. بالطبع لا يمكن الجزم بأن الريس المحاصر قد قرأ التفسير الكامل، وفهمه من دون خطأ ما، وبالتالي فلعل أمامه عدة أيام أخرى، يهضم فيها المعنى، ويتمعن به. كل هذا لم يقدم أو يؤخر في حل المعضلة الأخرى، التي تؤرق ذهن سيدنا عمر، الذي لم يتقدم خطوة واحدة باتجاه فهم ‘البيشي بيشي’ اللعينة، التي لا هي عربية ولا عجمية على حد علمه.
بيشي بيشي: باللغة المنغولية، تعني مؤلم جداً.
في اليوم التالي، أذاع الرئيس خطاباً آخر من القصر الجمهوري، أكد فيه أنه باق في سدة الرئاسة، ولن يستقيل أو يتنحى.
في اليوم الذي يليه، سافر حسني مبارك إلى شرم الشيخ خفية، وأعلن نائبه عمر سليمان تنحي الرئيس وتسليم صلاحياته إلى المجلس العسكري الأعلى بقيادة حسين الطنطاوي، وزير الدفاع.
حمادة شفشق: هو أحمد شفيق رئيس الوزراء الجديد الذي خلف أحمد نظيف. إنسى همومك: هو أنس الفقي وزير الإعلام. صفصف: صفوت الشريف. العادلي الجديد: محمود وجدي وزير الداخلية الجديد. قاص من سورية