حسن بوس وشرف المنفي لا ذل المكان

حجم الخط
0

يحيي بن الوليد

أجمل شيء نومة سكرانة علي رمال الشاطئ / رامبو.

علي هذا الايقاع تلقيت نبأ رحيل صديقنا حسن باقر عبد الرب، أو حسن بوس كما دأب الأصدقاء علي نعته، في الفاتح من شهر ايلول (سبتمبر) الأخير. وفي الحق لم أستغرب لهذا النبأ الفاجع، لأن الغريب هو أن تنهض وألا تسمع أي خبر كما يقول المثل الانكليزي. ولم أستغرب أن يكتب عنه العديد من الأصدقاء، وفي مقدم هؤلاء الشاعر العربي الكبير سعدي يوسف الذي أطل علينا، وعبر جريدة “القدس العربي” ذاتها، بمقال قصير يعبر، ومن خلال القليل من الكلمات، عن كميات المحبة، محبتنا، لـ ابن عمان وأميرها، سعدي يوسف المنخرط، بدوره، في حلقة ما ينعته فالتر بنيامين بـ التسكع الأبدي.

ولم يكن بوس يكتب علي شاكلة أغلب أصدقائه… كان الشخص الذي يتكلم اذا جازت عبارة الفيلسوف نيتشه التي قالها عن سقراط. كان شفويا علي مستوي الانتماء الي دوائر الابداع، وكان رحالة علي مستوي الانتماء للمكان. ورغم ذلك استطاع أن ينسج علاقات لم يتمكن من نسجها العديد من المتفرغين، وبالكلية، للكتابة. وهو ما جعل أحاديثه لا تفارق، وفي الأغلب الأعم، استحضار الوجوه التي جالسها سواء في عمان أو خارجها بالنظر الي بقاع الأرض التي جالها وبدءا من أضواء أمريكا الي أدغال الفقر والتخلف في الهند مرورا بصحاري الجزيرة العربية وأحواش الأطلس المغربية وعلي مدار عمر يقل بسنوات معدودة عن الستين. علي أن هذا الترحال الأبدي هو ما كان يواصله حتي داخل أصيلة الصغيرة التي دأب علي العيش فيها علي مدار زمني يقرب من ثلاثة عقود. كان كل مساء حريصا علي الذهاب الي خارج المدينة حيث استطاع أن ينسج، وبفضل عفويته، علاقات مودة مع الرعاة والفلاحين والبسطاء.

وللشهادة لا يمكن لي القول بأن بوس كان صديقا حميما لي، ولا يمكنني أن أنافس الشاعر ادريس علوش في صداقته له. غير أن هذا لا يحول دون القول بأني جالسته مرات عديدة رفقة أصدقاء مشتركين من المغرب وخارجه، وخصوصا من العمانيين الذين كان سفيرا لهم بالمغرب. واللقاءات معه تأخذ بعدا آخر في شهور فصل الخريف والشتاء التي تبدو فيها المدينة عارية الا من ذاتها حيث البحر في هياجه المتفاوت وصوت القطار البعيد ورياح الشرقي التي تباغت المدينة من حين لآخر والجنون في أقصي درجات تصاعده. تلك هي أصيلة التي لا علاقة بها بلغط الصيف الذي يجلب وجوها عديدة للمدينة في تزامن مع مهرجانها الذي ينظم ــ وتلك قصة ــ في عز صيفها.

وخلال العام الماضي، وقبل مفتتح العام الميلادي، كنت قد ظفرت بأكثر من جلسة ببيته الصغير بالمدينة العتيقة. وكنت حريصا، في جميع هذه اللقاءات، وبحضور صديقنا المشترك والمفرنس سمير شوقي، علي أن أجره الي الحديث عن اقامته بالهند وزيارته لمعابدها المحاطة بالثعابين التي لا تصيب الا الأشرار. كان يتحدث عن الفقر وزواجه العابر… وكل ذلك علي ايقاع الموسيقي الهندية التي كان يتوفر علي أشرطة نادرة منها. أشرطة تفرض، بأصواتها، طقسا روحيا يضاعف من رهبة المكان. هذا بالاضافة الي وجبة العشاء التي كان يعدها بالتوابل الهندية التي لا تخطر علي البال والتي تلهب شهية الأكل علي الرغم من بعض التخوف من التصدع المحتمل الذي قد تتسبب فيه هذه التوابل بالنسبة لذوي الأعطاب في بطارية القلب أو جهاز الهضم. واللافت للنظر أنه لم يكن يأكل من الوجبات التي كان يعدها لأصدقائه. العملية أشبه بـما ينعته الرطان النقدي المعاصر بـ موت المؤلف لفائدة المتلقي. وفي هذا السياق يمكننا فهم اليوغا التي كان يزاولها الرجل في خلواته التي كان يوفرها لنفسه وسواء في الليل الذي كان لا يغمض له جفن فيه أو ما بعد منتصف النهار الذي ينتشر فيه.

كان حريصا علي استضافة جميع الكتاب والمبدعين والرسامين… ولا استطيع، وفي هذا الحيز الضيق، استحضار جميع الذين زاروا البيت في نطاق السهرات الهادئة التي غالبا ما كانت تعقب لقاء أو ندوة أو مهرجانا ينظمه فرع اتحاد كتاب المغرب بأصيلة أو جمعية قدماء تلاميذ ثانوية الامام الأصيلي. سهرات يتفاوت فيها الكرم تبعا لتفاوت المحتفي به، وأشهد أن الكاتب المغربي الشهير ادريس الخوري، أو ب (بالفتحة المشددة) ادريس كما يلقبه محبوه، واحد من هؤلاء الذين حظوا بشرف هذا التفاوت. وعلي مستوي آخر كان أمير عمان حريصا علي الحضور في جميع الأنشطة الثقافية التي تشهدها المحروسة ودون أي نوع من التردد عكس البعض منا ممن يتحفظون علي مواكبة بعض هذه الأنشطة في نطاق ما يمكن نعته بـ العداء الايديولوجي المتبادل.

وعلي مدار عطلة الصيف الأخير جمعتني به ثلاث جلسات الأولي ببيتي حين استضفته صحبة عراقيَيْن مقيمين بالمغرب خالد وأبو فراس. وقد أمضينا ليلة نادرة وعلي ايقاع وجبة مغايرة حرصت علي اعدادها بنفسي، وما كان لي الا أن كشفت لهم عن سر السائل الذي أكسبها مذاقها المتفرد. وفي هذه الجلسة أسر لي، وفي اشارة الي الموت الذي سيباغته، بأنه تعب في هذا الصيف من كثرة السهر والأقداح. وأما اللقاء الثاني والثالث فقد كانا ببيته. الأول رفقة الشاعر والمترجم عزيز الحاكم والفنان التشكيلي حسن العلوي والروائي عبد النبي كوارة، وذلك بعد أن اقتلعنا من الشاطئ لكي نواصل السهرة ببيته الذي لا يحتمل الفراغ. وأشهد أنني انسحبت قبل الأوان، لأن السهر معه لا معني له ما لم يتربع الصباح علي عرشه السليب.

أما اللقاء الثالث فكان هو اللافت، وتميز بحضور صديقنا الشاعر المتصوف والمحامي محمد الصابر. وكالعادة أصر حسن بوس علي اقتلاعنا هذه المرة من مطعم القصبة المجاور لمرسي المدينة. وقد سهرنا الي لحظة متأخرة من الليل، وأهم ما ميز السهرة تصالحي مع الفنان الفوتوغرافي أحمد غبلان بعد قطيعة دامت لما يقرب من أربع سنوات. وقد صاغ نص المعاهدة الشاعر ادريس علوش وعلي الشكل التالي: توقيع معاهدة المحبة والسلامبين أحمد غيلان (فوتوغرافي رائع) ويحيي بن الوليد (ناقد مدهش) بحضور الأستاذ محمد الصابر شاعرا وانسانا ومحاميا وادريس علوش شاعر متخلف/ حضاري تحت الرعاية السامية لحسن بوس في المدينة القديمة علي الساعة 24.17يوم 30/08/20006توقيع أحمد غيلان ويحيي بن الوليد.

لم يكن حسن بوس سائحا بالمعني المبتذل ولا عابرا كالعديد من الذين عبروا أصيلة. لقد كان متجذرا في المدينة القديمة وعارفا ببسطائها وأطفالها وجيوبها… ولذلك بكته هذه الأخيرة، وخصته، وعلي الطريقة المغربية، بـ جنازة الغائب وبدءا من تنظيف عتبة بيته واقدام فقيهين للترحم عليه. لقد كان صديقا مفتوحا، وكان يمثل الوجه الآخر لنا في هذه المدينة المتسامحة. المدينة العتيقة التي هجرها أغلب سكانها وبعد أن باعوا بيوتهم وبأثمان مغرية لسياح عابرين لهم فيها مآرب أخري.

ولم نتخلف في اتحاد كتاب المغرب بأصيلة في احياء ذكراه بصالون فندق زيليس. لقاء حضره جميع أصدقائه وبعضهم من خارج المدينة. وهناك من قرأ قصيدة، وهناك من ارتجل شهادة، وهناك من اكتفي بالصمت. وكما أعقب اللقاء زيارة لبيته الذي لا يزال علي حاله لولا بعض التغييرات التي اقتضتها الضرورة الدبلوماسية. بيت لا يزال بكراسيه وموسيقاه وأعداد مجلة نزوي العمانية. وكان اللقاء بحضور مالك البيت الصديق نور الدين الذي سيكشف لنا سر تسمية العراقي التي لازمت الراحل علي مدار المدة التي قضاها بالمحروسة. فهذا الأخير هو الذي كان قد أطلقها وسط المدينة العتيقة خوفا عليه من بنات آوي بالنظر الي تسمية الخليجي التي تغري بالاقتحام. ذلك هو حسن بوسفي شرف المنفي لا ذل المكان.

ناقد وباحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية