حسن طلب بعد ديوانيه الجديدين يتخلي عن مطلع السبعينيات: جماعة إضاءة مجرد مرحلة لكنها لا يجب ان تتحول الي جمعية تعاونية!

حجم الخط
0

حسن طلب بعد ديوانيه الجديدين يتخلي عن مطلع السبعينيات: جماعة إضاءة مجرد مرحلة لكنها لا يجب ان تتحول الي جمعية تعاونية!

محمود قرنيالقاهرة ـ القدس العربي الشاعر حسن طلب واحد من ابرز شعراء جيل السبعينيات في مصر، ويكاد ـ علي التقريب ـ يكون الاكبر سنا بينهم. لكنه ـ بكل المقاييس شاعر يحمل فرادته ويمضي منذ ديوانه الاول (وشم علي نهدي فتاة) الذي صدر في نهاية السبعينيات وكتب مقدمته الناقد الكبير رجاء النقاش. كان صوت الشعر الخالص او شعر التجربة هو القناعة الجمالية التي يتكئ عليها الشاعر، لذلك بدا الدنيا محملا بالاجواء الرومانسية الفضفاضة، غير ان حسن طلب سرعان ما انتقل بمهارة ورشاقة الي نوع آخر من اللعب، حسبما يصفه في هذا الحوار، فأصدر (سيرة البنفسج) و(أزل النار في أبد النور)، وكذلك (آية جيم) ليدخل بهذه الاعمال مضمارا تلعب فيه القدرة اللغوية والمعرفة العميقة بالتراث دورا اساسيا، لكنه في المقابل كان حريصا علي ان يظل وعيه بالعالم وعيا حداثيا وطليعيا متقدما، وقد اصدر حسن طلب قبل ايام ديوانين جديدين عن مركز المحروسة للدراسات والنشر اولهما هو (عاش النشيد) ويضم خمسة اناشيد تتناول الاوضاع السياسية بمعناها المباشر والديوان الثاني (حجر الفلاسفة) الذي يبتعد خطوات عن هذا الطريق. وكانت الاجواء المشحونة في الديوانين باعثا مباشرا لاسئلة هذا الحوار. وبدوره يدهشنا حسن طلب باجاباته في الحوار، وأول مصادر هذه الدهشة التساؤل الاستنكاري لمقولة ثابتة وجامدة هي ان حسن طلب واحد من شعراء السبعينيات، انه هنا يطرح السؤال بغية حتمية يراها لاعادة النظر في مفهوم العمل الجماعي والجبهوي الذي بدأ به السبعينيون مشروعهم ووجودهم الشعري. باختصار يري طلب ان استمرار الجماعات التي بدأت بها الحركة وجودها حتي الآن يعني تحولها الي جمعيات تعاونية حسب تعبيره، ويري ان الشاعر الذي لم يتميز حتي الآن من هذا الجيل عليه ان يذهب الي الجحيم، انه يعلن تخليه الواضح عن الخندقة، وبذلك يعود الشعر داخله الي طبيعته الاولي باعتباره نشاطا فرديا محضا.وحول عديد من الاشكاليات الاخري نتحدث هنا مع الشاعر حسن طلب:وهنا نص الحوار: حدثني عن البدايات كواحد من الرعيل الذي انتسب لهذا الجيل الملتبس، جيل السبعينيات؟ في البداية هناك لحظة منسية اود ان اتوقف عندها، فربما تكون هذه اللحظة سابقة علي جيل السبعينيات نفسه، وظلت مكتومة داخلي لا يعرف احد عنها شيئا وأود الآن الوقوف عندها، فتبدو لي الآن جزءا مهما في الوقوف امام النفس، فهل أنا حقا من جيل السبعينيات؟! لقد ظللت اكتب الشعر التقليدي بشكله العمودي المعروف منذ نهايات الستينيات لسنوات عدة، ويا للمفارقة كنت عدوا لدودا لشعر التفعيلة واتهم شعراءه بما يتهمهم به الآن محمد التهامي مثلا، كان ذلك اثناء وجودي في طنطا قبل ان آتي الي مصر وأتعرف علي الحياة الثقافية فيها من خلال دراستي بكلية الآداب، وارتيادي لأماكن الندوات، كانت في ذلك الوقت دار الادباء حية ومتوهجة بالامسيات الشعرية التي تقام فيها ومقهي ريش كان ملتقي للشعراء، واندمجت في هذا الوسط ووجدت نفسي اتخلي شيئا فشيئا عن قناعاتي القديمة والجأ الي المثقفين الكبار والنقاد الكبار من المتحمسين لشعر التفعيلة وأخص منهم بالذكر عبدالقادر القط ورجاء النقاش الذي كتب لي مقدمة لاول ديوان نشرته عام 1972 علي حسابي الخاص، وكان هو ديوان (وشم علي نهدي فتاة) وقد استبعدت فيه ـ عامدا ـ كل الشعر العمودي الذي كتبته في أواخر الستينيات وكأنني اعترف انني غيرت طريقي مرة والي الابد. وعندما تعرفت بعد ذلك علي شعراء السبعينيات ومنهم علي قنديل وحلمي سالم، ثم مجموعة اضاءة، كانوا يبدأون من الصفر، اما انا فكان ورائي ما يصل الي مجموعتين شعريتين كاملتين من الشعر العمودي قد تم اعدامهما تماما، فبدأت معهم ومع اضاءة وكأنني ابدأ من جديد، وكنت اشعر بالندم علي انني بدأت حياتي بهذا الشعر القديم فأضعت فيه الوقت الكثير، ولكنني الآن لا احس بأي ندم، بل أندم علي انني اضعت هذا الشعر، لأن لدي اقتناعا عميقا بأن هذا الاساس كان ضروريا لكي يعلو البناء، ومعظم شعراء السبعينيات تفاجئنا يتثاقفون الآن او يتوقفون يرجع ذلك لديهم لأن الاساس لم يكن موجودا لديهم. ولماذا الآن تشعر بهذا التغير الذي تفاجئنا به، ما احدث هذا الخلط هو العمل السبعيني المتخندق خلف جماعات ومقولات؟ التغيير له اكثر من جانب فأنا اكبر منهم بحوالي ست سنوات ولكن ليس هذا هو المهم، المهم هو ان تجد نفسك مسؤولا في اطار جيل محدد فيصبح لك ما له وعليك ما عليه، وهذا نوع من التعميم السخيف الذي يقع فيه النقاد ويستسهلون الوقوع فيه، فأنا اريد ببساطة ان يكون لي ما لي وعلي ما علي، فالشاعر مثله مثل كل فنان كيان مفرد اذا الحقته بجيل او جماعة او امة فأنت تصادر فردانيته وخصوصيته. فانت تقول (شعراء السبعينيات) وتجمعني معهم وأنا اشعر ان عددا لا بأس به منهم يصنف ضمن الادعياء والمتطفلين علي الشعر، ان اصنف ضمن هذا التصنيف ثم اصمت وأضلل موافقا، فهذا تفريط وتواطؤ لا أحب ان اشارك فيه. وكيف تري الآن جماعة اضاءة والجماعات السبعينية علي عمومها، وهل افادت في هذا الحراك.. أم اضرت؟ هناك مرحلة كان الانضمام الي الجماعة فيها مهما ومفيدا لي ولغيري خاصة في المراحل الاولي التي يكون هدفك فيها ان تقاتل، فأنت لا تستطيع ان تقاتل وحدك، وكانت الساحة في منتصف السبعينيات امام عدو يسيطر علي الساحة الثقافية والمجلات الأدبية مثل مجلة الثقافة والجديد وغيرهما، فهناك طوفان من الأدب المتخلف يحاصرك، ويحاول ان يبدد محاولة حقيقية للتجديد. في هذه المرحلة كان التكاتف امرا حتميا، ومجلات الماستر لا تستطيع ان تصدر الا بروح التعاون ونكران الذات ونسيان الفروق الفردية، بعد ذلك تأتي مرحلة يكون الشعر فيها هو الاساس، واذا لم تصل المرحلة الاولي بك الي المرحلة الثانية فلا قيمة لها، ستتحول الي جمعية تعاونية يتعصب افرادها بعضهم لبعض وينسون الشعر. المرحلة الثانية المهم فيها ليس هو الاتفاق، وانما الاختلاف والتميز، ومن لا يريد ان يتطور او يتميز فأنت لا حاجة لك به، من الممكن ان يضلل صديقك وانما انا هنا اتحدث عن السفر، فانا لا انكر فضل اضاءة عليّ، وعلي كل المجموعة ولكن اريد ان اقول انها مجرد مرحلة تظل قيمتها مرهونة بالمرحلة التي تليها.ومن الشعراء من لا يزال واقفا عند مرحلة اضاءة في منتصف السبعينيات. ندخل الآن الي الشعر، ليأخذنا اول ما يأخذنا، هذا اللعب في الشكل، الذي شهدته تجربتك علي نطاق واسع، وقد انشغلت دائما بمحاولة للمواءمة بين القديم والجديد في اطار مشروعك الشعري؟ اريد ان اتوقف عند فكرة اللعب، فأنا اعرف ان هناك أناساً كثيرين اذا سمعوا كلمة اللعب في حديث عن الفن يتأبطون مسدساتهم، فالأمر ببساطة يحتاج الي توضيح، فأول خطوة في هذا التوضيح ان نفرق بين اللعب واللهو فالفنان عندما يلعب، فليس مجرد عبارة يقولها ويعبر عليها، فاللعب هنا فكرة فلسفية عميقة جدا نريد ان نتحدث عنها لنلم بابعادها، فكبار الفلاسفة افردوا صفحات طويلة لتناول مفهوم اللعب. وٍفريدريك شيللرِ قال (ان الانسان لا يكون كذلك الا عندما يلعب)، لأن اللعب هو فعل التحرر من الوجه العبوسي للجدية الصارمة التي تمليها قواعد اجتماعية وأعراف متداولة بين الناس، فاللعب تحرر، وهو ليس خروجا عن القواعد بل هو انشاء لقواعد جديدة ربما تكون اكثر صرامة ولكنها من صنعك انت، فأنت لا تستطيع ان تلعب الشطرنج بقواعد الدومينو، فلكل لعبة قواعدها التي لا بد أن تقيد نفسك بها، وهذا هو وجه الجدية الخفي في اللعب، فاذا استطعت ان تبتكر قواعد لعبتك الخاصة بشرط ان تتقيد بها وبشرط ان تسمح لغيرك ان يستخدمها او يطالعها فأنت تمضي في لعبتك وفق قواعد هي جديدة لكنها مرسومة فاذا استطعت ذلك فانت في حقيقة الامر تصل الي قمة الجد وانت تلعب وكذلك الاتقان، لذلك كل شاعر عظيم هو في حقيقة الامر لاعب عظيم. انظر مثلا الي البهاء زهير وهو يقول (انا بالعالم العب) وهذه احدي شطراته، اضف الي ما قاله كانط من (ان الفن لعب حر بملكات الخيال) وهنا يمكنك ان تصل الي النتيجة التي تريدها وهي اللعب بمعناه الفلسفي العميق، فهل تستطيع ان تنكر ان المصري كان لاعبا من الطراز الاول في لزومياته، حين كان يطابق ويرد الصدور علي الاعجاز والاعجاز علي الصدور، والامثلة كثيرة. وكيف تري تأثير دراستك للفلسفة علي الشعر، انني ألحظ شقة في اعمالك بين ما هو مباشر متعين وما هو مركب ومرجعي؟ دراستي للفلسفة ربما تكون احدي المشكلات الكبيرة في حياتي او هي من التحديات التي اعانيها واحس كثيرا برحلة المعاناة الطويلة هذه، التي تشعرني انني بين شقي رحي، وتجعلني اوشك ان اكون خادم سيدين، فأنا في الحقيقة لا اريد ولا استطيع ان اكون خادما الا لسيد واحد هو السفر، فماذا افعل اذن بالفلسفة بعد ان امتهنتها واصبحت معلما لفلسفة الجمال بالجامعة، واصبحت مطالبا ببحوث دورية فيها تقتضيها طبيعة المهنة؟ هذا سؤال طرحته علي نفسي كثيرا وهو يؤرقني حتي هذه اللحظة ولم اعثر له علي اجابة شافية بعد واغلب القلق ان هذا الارق يعود الي ان الفلسفة والشعر ليسا متعارضين أو ليسا عدوين وانما هما يقفان علي ارض واحدة وكل منهما يريد ان يمتلك هذه الارض ويسيطر عليها ويكون الآمر الناهي فيها فأحيانا تسيطر الفلسفة علي الشعر فنجد قصائد مثل (عينية ابن سينا) التي يتحدث فيها عن النفس ويقول في مطلعها (هبطت اليك من المحل الارفع، ورقاء ذات تدلل وتمنع) ولكن هل هذا شعر ام فلسفة منظومة؟ كما بسط افلاطون نظرياته الفلسفية علي هيئة حوار مقتبس من المسرح فهناك من يبسط نظرياته في قالب الشعر وأنا لم أرد ان اكون من هذا الفيلق، انما اردت ان يكون الشعر هو الذي يخلف الفلسفة، لماذا؟ لأن كل شعر عظيم تعود سر عظمته الي بعد العمق الموجود فيه دون سائر الابعاد الاخري دعك من جمال اللغة ومتانة السبك وحلاوة الالفاظ. هو هذا العمق الذي يرغمك علي التأمل في طبيعة الحياة وشتي مظاهرها، ولكن بشرط ان يظل هذا التأمل ابنا للحظة الشعرية، فهو ليس تأملا بالعقل وحده ولا من خلال المنطق فحسب، ولكن من خلال الحواس والوجدان من خلال الكيان الانساني كله، أليس هذا هو احد الاسرار التي رفعت شكسبير الي هذه المكانة؟ ألسنا أي الآن نتأمل في المعاني والدلالات العميقة التي تضمنتها المقطوعات الحوارية في هاملت والملك لير وغيرهما؟ كيف تكون الفلسفة معجونة بماء الشعر، هذا هو السؤال والي أي حد ينجح الشاعر في هذه المحاولة، ان نجاحه يتوقف علي الاجابة علي هذا السؤال. اما عن نفسي فأظن انني حاولت ان اكون مخلصا للشعر في هذه المعادلة الصعبة واعتقد ان ديوان (شيء عبر لا شيء) يمثل عندي هذه الاشكالية وهي اشكالية الشعر والفلسفة وأراه من المحاولات التي تصلح شاهدا علي التمزق الذي يعانيه الشاعر المشغول بهذه القضية مثل شعراء كبار انشغلوا به، شيللر نفسه كان يعاني من ذلك ويقول ان الفلسفة افسدت شعري، المعري ايضا عاني من ذلك، وقدم لنا اول تجربة في الشعر العربي كله وهو ديوان اللزوميات، وهو ديوان لا نظير له علي الاطلاق الا اذا تذكرنا محمد اقبال في النصف الاول من القرن العشرين. ونحن نتحدث الآن بصدد صدور ديوانين جديدين لك اولهما (عاش النشيد) وثانيهما (حجر الفلاسفة)، حيث ينحوان الي جهد واسع في الالتزام بمفهومه العام. كيف تري هذا الشعر في اطار هذه القضية؟ مشكلة الشعر السياسي عموما، او شعر القضايا، اذا وسعنا المصطلح، مشكلة مركبة شأنها شأن قضية الشعر والفلسفة، ولكن الامر يتعلق هذه المرة بخليفة الشعر، فاذا كنت ممن يعتقدون بأن الشعر له وظيفة اجتماعية وسياسية لا مفر امامه من ان يؤديها فلا توجد مشكلة. تستطيع ان تكتب مثل هذه الهجائيات وتنتقد هذه الاوضاع المتردية وأنت مخلص لقناعاتك النظرية، انما تبدأ المشكلة عندما تكون من الذين يظنون ان الشعر والفن عامة اكبر من مفهوم الوظيفة، وأن وظيفته تكمن في بنيته الجمالية ثم تجد نفسك بعد ذلك متورطا في كتابة مثل هذا الشعر الذي يعلو فيه صوت الالتزام السياسي والاجتماعي وقضايا الوطن وقضايا الأمة، يبدو انك كما لو كنت تحس بالتناقض، فكيف تحل هذا التناقض بكتابة قصائد (عاش النشيد) وقد نشرت القدس بعضا منها واحيانا يجد المرء نفسه في موقف الدفاع اذا وقف في ورطة من هذا النوع. هل تغيير رأيه مجرد حالة عارضة او صرخة مدوية ستذهب الي حال سبيلها ويمكن للمرء ان يتنكر لها فيما بعد، هذه اسئلة تجول بخاطري وأقرب الاجابات التي اطمئن اليها هي انني اقول لنفسي: ان الفن لا بد ان يكون سياسيا بطبعه بغض النظر عن مفهوم الوظيفة فبمجرد ان تمسك بالقلم لتكتب بيتا في قضية، فهذا فعل سياسي حتي لو كانت القصيدة خارج الفن السياسي المباشر، ومجرد ان نؤمن بذلك يزول التناقض او تخف حدته علي الأقل، فأنت سياسي شئت ام أبيت، كتبت شعرا في البنفسج او في مبارك او أيا كان العرض الشعري، هي درجات او تنويعات علي نغمة واحدة، وأنا اظن انه بهذا المنظور يمكننا ان نعتبر جميل بثينة ومجنون ليلي عملان سياسيان، لأن جميل بثينة يقول مثلا:يقولون جاهد ياجميل بغزوة، وأي جهاد غيرهن اريد؟ لكل حديث بينهن بشاشة، وكل قتيل عندهن شهيد، ومجنون ليلي عندما يقول (أراني اذا صليت يممت نحوها بوجهي وان كان المصلي ورائيا، اصلي فما ادري اذا جاء ذكرها اثنتين صليت الضحي أم ثمانيا. اذن الشاعر هنا يغير الايديولوجيا كلها وهو يتغزل، ويقول الحب هو الاولي بعبادتنا وجميل يقول الجهاد ليس في الفتوح وانما هو جهاد الحب، اذن نستطيع ان نتجاوز هذه الثنائية أي قضية سياسية مهما كبرت. بعد هذا السجال الطويل مع الشعر والرفاق بصراعاتهم كيف تري المشهد السبعيني الآن وكيف تري ما اسفر عنه؟ انا اظن ـ وأنت تسألني عن تجربة جيلي ـ فأنا مضطر الآن الي ان اتحدث كواحد من شعراء السبعينيات فاستطيع ان اقول لك ان هذا قد قدم للشعر انجازاً كيفيا مهما الي اقصي درجة لأن هذا الجيل كان نقطة تحول كبيرة في تاريخ القصيدة العربية، وذلك بالقياس الي ما سبق من شعر الرواد، ثم من شعر الجيل التالي علي الرواد، كان شعر التفعيلة قد أوشك ان يسقط في الرتابة والتكرار وأن يستسلم للطبيعة الجاهزة التي ابتكرها الرواد وكررها كثيرون ممن جاؤوا بعدهم، اوشكت قصيدة التفعيلة أن تتكلس وأن تموت وهنا أتي شعراء السبعينيات فألقوا بحجر في البحيرة الراكدة لكي تتدافع امواجها وتضطرب مياهها الآسنة، وهذا لم يفد شعراء السبعينات وحدهم وانما افاد بعض الشعراء السابقين عليهم واثر فيهم عندما وجدوا انفسهم امام تحد جديد يمثله انجاز شعراء السبعينيات وانهم اذا لم يقبلوا التجديد سيكونون خارج حركة الابداع الشعري الجديد، فطوروا من انفسهم وبذلوا قصاري جهدهم وأنا اقصد جماعة قليلة منهم واستطاعوا ان يكتبوا شيئا جديدا عما كتبوه من قبل، فما كتبوه من شعر خلال الثمانينيات والتسعينيات جاء افضل بكثير مما كتبوه قبله، وبدا احتفاء بالشكل والمعمار، اما شعراء السبعينيات انفسهم فقد سري عليهم ما يسري علي أي جيل، انه قانون الزمن الذي يغربل الاجيال كلها وان كان من بقي منهم واحتفظ بحضوره الشعري هو عدد قليل بالقياس الي عدد الشعراء الكبير الذي يمكن ان يضمه جيل السبعينيات سواء في مجموعة اضاءة او مجموعة اصوات او عشرات الشعراء من خارج المجموعتين. بقي من هؤلاء جميعا عدد قليل لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة مثل حلمي سالم، عبد المنعم رمضان، محمد سليمان، وهناك اسماء اخري تصارع وتحاول ولكنني لست معنيا بتقديم احصاء. وهناك اسماء اتمني ان تقدم الكثير مثل وليد منير وجمال القصاص وغيرهما. اذن انت تري ان المسألة في هذا الجيل ليست بالكم ولا عدد الشعراء بقدر ما هي ماثلة وكامنة في نقطة التحول التي يمثلها جيل السبعينيات، باعتباره الجيل الذي غير خارطة الشعر وفتح آفاق التجريب امام الاجيال اللاحقة، فخذ مثلا قصيدة النثر التي شاعت في الثمانينيات والتسعينيات وحتي هذه اللحظة تجعلني اتساءل: هل كان من الممكن ان تشيع لولا محاولة رائدة لحلمي سالم بعنوان (دهاليزي والصيف ذو الوطء) في وقت لم تكن فيه قصيدة النثر ممثلة خاصة في مصر. مثل ذلك المحاولات الاخري التي قدمها عبد المنعم رمضان في العديد من الدواوين وفتح الخيال امام مناطق محرمة لم يكن لأحد ان يتجرأ علي اقتحامها.وأود اخيرا ألا يتحول جيل السبعينيات الي وثن او أيقونة يكال لها المديح بالحق أو بالباطل فيصدق شعراء السبعينيات ذلك ويمتدحون انفسهم، واذا ما حدث ذلك فستكون هذه نهاية غير سارة، وأنا اري ومازلت ان الجيل يستطيع ان يقدم افضل مما قدم، فليصم آذانه عن المديح وايضا عن الهجاء وليعمل. بمناسبة ذكرك قصيدة النثر، كيف تري الموقف السبعيني منها، ولماذا لم تكتبها، وكيف تري المشهد الشعري الراهن الذي تغطي الجانب الاكبر منه قصيدة النثر خاصة عند الاجيال الجديدة، الأمر يحتاج هنا الي وقفة تتذرع بالموضوعية قدر الامكان، فأنا شاعر من شعراء التفعيلة يتحدث عن قصيدة النثر، ويحاول ان يكون موضوعيا، وأول حجر في هذه الموضوعية ان الشعر متعدد المنابع والاشكال والمدارس والتيارات وليس بوسع مدرسة او اتجاه ان يحتكره لنفسه وينفي ما عداه من اتجاهات اخري. فهذا الاتفاق يجعلنا بالضرورة نسلم بأن هناك شعرا جيدا، قد تجده في قصيدة التفعيلة وقد تجده في قصيدة النثر، وان كان هذا بدرجة اقل في رأيي بسبب كثرة الادعياء الذين استسهلوا كتابة قصيدة النثر وانضموا الي القلة من شعرائها المبدعين المخلصين، بل انني أزعم ايضا أنك قد تجد في احيان نادرة شيئا من الشعر الحقيقي حتي لو كان مكتوبا في الشكل العمودي. اذن الشعر متعدد واذا قال شعراء النثر ان الشعر هو النثر فقط فهم بالضبط يقفون مع الشاعر التقليدي المحافظ الذي يقول ان الشعر هو البحور الخليلية فقط فهم بذلك يقفون مع محمد التهامي في خندق واحد، واذا أتي أحد شعراء التفعيلة لكي ينكر قصيدة النثر من ألفها الي يائها بجرة قلم فهذا أيضا موقف مستبد يريد ان يضيق مفهوم الشعر ويفصله علي مقاسه. أنا في كل الاحوال اقاوم هذا الاحتكار لأني احتكم الي تجربتي الشخصية فأجد نفسي قادرا علي تذوق قصائد النثر ذات المستوي الرفيع التي تفيض شاعريتها علي النص كله فتعوض غياب الايقاع التفعيلي، بل وتنسيني ان هناك شيئا ما غائبا اسمه الايقاع التفعيلي، يتم ذلك مع أعمال قليلة فالمشكلة هي ان معظم الشباب يكتبون قصيدة النثر كما يكتبون الخواطر والمذكرات الشخصية أو احيانا الاعترافات الفاضحة فكيف تسمي ذلك شعرا، لا بد اذن ان نفرق بين قصيدة النثر وبين الادعياء الذين غطوا المشهد الشعري الراهن من انصارها، وهناك ـ في رأيي ـ فيصل او معيار. الشاعر الذي كتب شعر التفعيلة وتمرس بتشكيلاته الايقاعية حد التمكن هو المؤهل لأن يكتب قصيدة نثر جيدة وهو المؤهل لأن يثور علي ما يعرفه او علي ما يتقنه، عندما يجد ان هذه الثورة ضرورية، وعندما يجد هذه الثورة لمجرد المسايرة وركوب الموجة، عندئذ هذا الشاعر يستطيع ان يقدم شيئا مهما في قصيدة النثر، وأنا اتصور ان تجارب أدونيس وسعدي وغيرهما من الشعراء الذين تمرسوا علي شعر التفعيلة، ثم ثاروا عليها خير شاهد علي ذلك، اما لماذا لم اكتب انا قصيدة النثر، فلأن هذا النداء الباطني لم يأتِ بعد، فما زلت مسكونا بايقاعات تلح عليّ وتؤرقني وتشكل فضاء العالم الشعري لدي. فكيف اتجاهله، وليست لدي حساسية اتهامي بالمحافظة لأن شعري يستطيع ان يرد علي هذه التهمة، انا فقط صادق مع نفسي وخاصة انني حاولت ان اكتب بعض المقاطع النثرية داخل قصائدي. أخيرا اسألك عن تعاونك مع المؤسسة وكيف تري دورها.. وكيف تقيم فكرة التعامل معها وهل هي فعلا تعمل في خدمة الثقافة؟ باختصار انا اري أن العمل مع المؤسسة الثقافية يدخل تحت بند الشر الذي لا بد منه، لماذا؟ لأني اري ان العمل الثقافي بمفهومه العام يلتبس بالعمل السياسي لذلك يجد المعارضون للنظام السياسي للدولة الثقافية، فكيف يعملون مع سياسات يعارضونها، هذا سؤال حقيقي، وهناك اجابتان علي هذا السؤال احداهما تتلخص في مقاطعة هذه المؤسسات اخلاصا لفكرة المعارضة السياسية فستكون النتيجة ان تنفرد المؤسسات الثقافية بكل شيء وتدير العملية الثقافية علي هواها في غيبة متعمدة من المثقفين المعارضين وأصحاب وجهة النظر المستقلة. الخسارة هنا اكيدة فسياسة المقاطعة لا تجدي علي الاطلاق الا بشروط اهمها ان تكون هناك مؤسسات أهلية بديلة قادرة علي ان تدير النشاط الثقافي المستقل ولكن في غيبة هذه المؤسسات وهذه التجمعات الاهلية لا يوجد هناك غير الاحتمال الثاني او الاجابة الثانية وهي ان تعمل مع المؤسسة الثقافية الرسمية ولكن بشروطك ودون تنازل عن أي من قناعاتك الفكرية والسياسية، لكي تنتزع بعض المكاسب الممكنة للعمل الثقافي حتي لو كانت هذه المكاسب مجرد طباعة بعض الكتب الجيدة او حتي لو كانت اصدار مجلة طليعية مستنيرة او عقد بعض المهرجانات والمؤتمرات ذات الطبيعة الخاصة بحيث يتعذر عقدها خارج المؤسسة، وأنا من هذا الفريق الاخير، مثلا عملت في مجلة ابداع لمدة 21 سنة مع الشاعر احمد عبد المعطي حجازي وأنا اظن انها مجلة لا تستطيع اصدارها جماعة أهلية وانما تستطيع الدولة ان تصدرها فاذا تركتنا الدولة نحررها، سنفعل ذك وفق قناعاتنا ورؤانا الخاصة وهذا مكسب، فأنا اريد ان اقول اننا قدمنا ملفات تحوي نظرة مستنيرة الي الدين والفن والارهاب وقضية المصادرة وقضايا الفكر السلفي، واعداد خاصة عن ماسينيون والخبز الحافي، فعندما تضيق بنا الدولة ذرعا لا نتنازل ولا نترك لها المجلة، وكذلك اعمل الآن في لجنة الشعر بالمجلس الاعلي للثقافة، وأحاول ايضا ان انتزع ما أراه ممكنا من المكاسب التي تخص الشعر فمثلا احاول الآن انشاء مجلة للشعر لا تكون لمجلس وصاية عليها وانما تكون الوصاية للجنة الشعر، وايضا انشأت انا شخصيا بمبادرة مني سلسلة للشعر المترجم واصدرنا اول كتاب عن الشعر الافريقي ونعمل الآن علي اصدار العدد الثاني عن الشعر الاسباني في امريكا الجنوبية، وأنا اظن ان هذه الاعمال يمكن ان تكون مكسبا وتستحق عناء العمل مع المؤسسة، كذلك تقديم الشعراء الجدد في ندوات المجلس. هذا ايضا شيء مهم، والمهم ان تعمل مع المؤسسة متسلحا بأكبر قدر من المكر لكي تنتزع منها اكبر قدر من المكاسب، فالمؤسسة لا تتصدق علينا لأنها تعمل بموازنة منتزعة من اقواتنا ومن ثرواتنا التي نهبوها، فعلينا ان نتزاحم ونقاتل في سبيل استرداد ما نستطيع ان نسترده.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية