حسن طلب في ديوانه ‘إنجيل الثورة وقرآنها’: الرمز شاهداً واللغة واقعاً

حجم الخط
0

حمزة قناوي في ديوانه ( إنجيل الثورة وقرآنها) الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب مؤخراً (2011) يواصل حسن طلب، نحت أيقوناته / قصائده عبر اللغة الخاصة به المعتمدة على الرمزية، والمعجم المستمد من الفلسفة في المقام الأول، وهو وإن كان يعمد دوماً إلى اعتماد الانزياح في تناول المفردات التي يفرد لها مواضع توحي بظلالٍ مختلفةٍ من المعنى، فإنه في هذا الديوان لا يركِّز على فكرة الانزياح بمفهومها السائد أو عبر استخدامه لها بالشكل المتواتر نفسه الذي استخدمه في كثيرٍ من دواوينه، مثل (أزل النار في أبد النور)، و(سيرة البنفسج) و(آية جيم) وغيرها من الدواوين. فاللغة هنا لا تعتمد الرمزية قدر ما تدلف مباشرةً إلى المعنى من خلال التصوير، وعبر تفعيل وظيفتها الأساسية في إيصال الفكرة عبر المباشرة، وهي مباشرةٌ غير مستهجنة، ولكنها مردودةٌ إلى التعريف الأول للبلاغة (موافقة القول مقتضى الحال). فالديوان الذي يتناول فيه الشاعر مشاهد من الثورة، حتى إنه كتبه في ميدان التحرير أثناء اندلاع الثورة المصرية مؤرخاً ومُسجِّلاً القصائد يومياً أثناء اعتصامه، عُدَّ العمل الأول الذي رأيناه يتناول الثورة بصورتها المشهدية العريضة، وبهذا المستوى الفني الراقي، صحيحٌ أن الشاعر لم يحاول اعتماد الاستخدام المُكثَّف لكافة عناصر الشِعرية من مجاز وتشبيه واستعارة.. إلخ، وأن استعماله لهذه الأدوات الفنية التي تقوم بتوليد الصورة كان مقيَّداً بحدود عدم الخروج عن التسجيلية ومعايشة اللحظة، إلا أنه استخدمها بما يخدم النص فقط، في الديوان الذي وسمته خاصية أسلوبية واضحة على امتداده وهي اعتماد ضمير المتكلم، ما يوحي بمعايشة النص، واقتراب الشاعر من المُتلقي، كما أن استخدامه يدل على التصاق التجربة بصاحبها وشعوره بحميميتها حتى إنه يتحدث عنها بهذا الصوت/ الضمير المنسوب إلى الذات.عتبات القصائد.. توثيق المشهد من الثابت أن عنوان العمل/ القصيدة ليس جزءاً منفصلاً عنها أو خلية زائدة غير عاملة في جسد النص، من هنا فإن مطالعةً أولى لعناوين قصائد الديوان- أو بعضها- توضح لنا أن هذه القصائد تتناول بتوثيق دقيق للغاية مشهد الثورة المصرية، ليس من حيث اعتماد النص على التصوير والرؤية والتسجيل، وإنما أيضاً من خلال التوثيق ‘الفعلي’ لتفاصيل هامةٍ كانت تُمهَّد للثورة، قبل أن تلتحم بها في الميدان. من هنا وجدنا قصائد بعناوين: (الثلاثاء 25 يناير)، (كفاية)، (السادس من أبريل)، (الجمعية الوطنية)، (كلنا خالد سعيد)، (إسقاط النظام) كلها استُمدَّت من واقعٍ فعليٍّ حي، كأنما يقترب الشعر من التاريخ، ويلتحم الشاعر بالمؤرِّخ لدى حسن طِلب.بل إن القصيدة الأولى، بعنوان (الثلاثاء 25 يناير) لن تأتِ من فراغ في سُلَّم ترتيب القصائد، فالقصيدة الأولى- المفتتح- تجاوزت وظيفتها الفنية إلى القيام بوظيفةٍ أخرى عضوية فاعلة، وقد عُدَّت تأريخاً حيَّاً لوقائع الثورة وعتبة حقيقية لديوانٍ تأريخي ستتتالى مشاهده المثبتة أحداثها متناولةً غالبية رموز مشهدها، من أحداث وشخصيات، وحِراك ومواقف، في صورةٍ حية، تُشعر المُتلقي بأنه يُطالع لوحةً بصرية متسقة الإيقاع وإن عبر القصيد. يقول الشاعر في القصيدة- المفتتح: (تبارك الحُلُم الذي لو لم نكن باليدِ أمسكناهُ.. .. راغْ تقدَّسَ اليوم الذي فيه تنادينا إلى الميدانِ لكن نحنُ لم نأتِ من الفراغْ نحنُ تسلَّمنا من الذين ثاروا قبلنا الرايةَ منقوشاً على قماشها البلاغ’ فالكلمات الأولى الممُهِّدة للإبحار في متنِ النص، جاءت قويةً في البيتينِ المتتاليين (تبارك) و(تقدَّس) بما فيهما من شحنات دلالية ملتصقة بالعقيدة، ما يسبغ ما يشبه التقديس على ذلك اليوم الذي اندلعت فيه الثورة. ولفظة (راغ) وهي لها حضور قرآني كما في سورة الذاريات تعني (الذهاب خفيةً على سبيل الاحتيال والهرب)، فعناصر الصورة التقليدية هنا حاضرة من تشبيه واستعارة وجزالة لفظية، كوَّنت كلها المشهد الحي الذي صوَّر أجيالاً تناول غيرها بيرق الثورة، والقافية التي اعتمدها الشاعر لنصِّه ليست سهلة- قافية الغين- ولكن هذا دأب حسن طِلب عادةً، حيث لا ‘ينسج’ قصائده من حرير اللغة بقدر ما ‘ينحتها’ من صخرها مستعملاً غريب الألفاظ والقوافي، وإن كان بصورةٍ سلسة تبعث على الإعجاب.يواصل الشاعر رصد المشهد كأنما بعدسة كاميرا حساسة، لا تُغفل لقطةً ولا صوتاً، وهذا التكامل الحسي في تصوير المشهد إنما ديدنه إثباته، وقد يكون ذلك على حساب عنصر التخييل بعض الشيء وتعطيل هذه السمة- الخيال- غير أن هذا مُبرَّر موضوعياً كما ذكرنا. يقول الشاعر: (أما الهتافات فجاءت حُلوةً مسجوعةً كالوحي من تلقاء نفسها تُصاغ)وهو تقريرٌ لا تصوير، عمد إلى الإفهام عوضاً عن الإيهام، ورغم ذلك فقد استطاع تحقيق شروط الشعرية من مناسبة القول المقام.المشهدية.. اللغة مفتاح الصورة إن النص الجيد هو الذي يستطيع مبدعه أن يخلق من تراسل الحواس في جنباته عبر التلقي سمعاً ورؤيةً وحساً، صورةً متكاملة حية، وهذه الصورة تجسِّد مشهدية الحدث والموقف، وهذه هي السمة الفنية الأبرز لهذا العمل، الذي يستعين باللغة المستمدة من التراث أكثر من اللغة القريبة للعصر، وتراكيب الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، أو حتى الحِكمة القديمة، ليرسم لوحةً حيةً ومعاصرة بها، مستخدماً مفرداتٍ تدفع المتلقي إلى التفاعل الحي مع النص من خلال تحفيز التصور لديه ومدِّه بعناصر الصورة. يقول الشاعر في قصيدته (اللهم حوالينا):(نحنُ قصدنا بابك يا ميدان وشطركَ ولَّينا الوجهَ وصلَّينا نحنُ توالينا أفراداً وزرافات وإليكَ سعينا فعساكَ توالي من والينا يا ميدانُ.. .. تُعادي من عادينا نحنُ هتفنا للحرية في ساحتكَ الغرَّاء .. .. وغنَّينا ودعونا: كُن يا ميدان لنا لا تكُ يا ميدانُ علينا! )في الأبيات الماضية يُحمَّل النص بمفرداتٍ بها الكثير من الاستلهام العقائدي، ما بين القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، كأنما يحاول الشاعر أن يشحن الكلمات بطاقةٍ هائلة، تتماس مع العقيدة، في رصده للفعل الثوري، مستلهماً من منابع هذه العقيدة القداسة والرسوخ والإيمان بما يحدث. ففي قوله (.. وشطركَ ولّينا الوجهَ وصلينا) استلهامٌ من الآية القرآنية: (فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره).وفي قول الشاعر (نحنُ توالينا أفراداً وجماعاتٍ.. وإليكَ سعينا) .. استلهامٌ من الآية القرآنية (وأذن في الناسِ بالحج يأتوكَ رجالاً وعلى كلِ ضامرٍ يأتين من كُلِّ فجٍّ عميق). فالحج هنا، كان لهُ معادلٌ رمزي في النص هو الثورة، وميدانها- ميدان التحرير، وما عزَّزَ هذه الفكرة نهاية البيت (.. وإليك سعينا). فالسعي مقترنٌ بالحج، وبالشعائر المُقدَّسة. أما الشاهد الثالث على هذا النموذج فقول الشاعر (لا تكُ يا ميدان علينا.. واللهم حوالينا.. يا غيم الحرية)، حيث التأثُّر اللغوي الواضح بدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام عند هطول المطر (اللهم حوالينا لا علينا). فاللغة في انشدادها إلى النصين القرآني والنبوي، واستيحائها منهما، إنما تقوم بتمرير الرمز المقصود بكل ما فيه من ثِقل ودلالة لتسبغهما على أبعاد المعنى ومطابقته للصورة التي يرصدها الشاعر. بين المعنى والمبنى.. جدلية الغرض والتكوين الفني في بعض الأحيان قد يُقصد إنتاج العمل الأدبي لذاته، لخلق حالةٍ فنية وإبداعيةٍ لا ترمي إلا إلى حشد عناصر الإبداع في عملٍ لا يرمي إلى هدف. وقد كرَّس اتجاه ‘الفن للفن’ لذلك. وهناك اتجاهات أخرى اعتمدت الواقعية المحضة عند بناء العمل الفني ليُعبِّر عن الواقع بشكلٍ شبه تقريري، يكاد يخفي ذلك الخيط الرفيع بين الأدب والتسجيل. والمتتبع لنص حسن طلب في هذا الديوان، يجد أنه استطاع بحرفيةٍ عالية ومهارة واضحة أن يجمع بين ‘روحي’ هذين الاتجاهين دون أن يصل إلى طيفهما الأقصى، بما يحمله من تشدُّد لفكرة واحدة، فلم يشأ أن يصل إلى هذه النقطة. أقول إن القارئ الديوان، بقصائده الثلاثة والثلاثين، سيستطيع التقاط هذين الملمحين بسهولة: اعتماد فنيات الصياغة الجمالية العالية، والانتخاب الرفيع للمفردات بما يُحقَّق البلاغة والتكوين الاسطاطيقي، وثانياً اعتماد التوثيق والتأريخ من خلال اعتماد رصد المواقف ومشهدية الحدث.فمعظم قصائد الديوان التي انتهجت ذلك المسار الموضوعي لم تغفل الفنية الرفيعة في التكوين، واعتماد اللغة على الجزالة، والجِناس والطِباق وغير ذلك من فنيات استخدام المفردات، ليخرج العمل بهذه الصورة المتوازنة من الجمع بين تحقيق الغرض الشعري، وتحقُّق البنية الفنية. يقول الشاعر في قصيدة (زامر الميدان): (كأننا أبناؤه وهو الذي أنجبنا ما أعجبَ الميدانُ إذ نحنُ بهِ ونحنُ في الميدانِ ما أعجبنا ! فلا تقولوا ما الذي حبَّبهُ دون الميادينِ إلينا ما الذي إليهِ قد حبَّبنا؟ لا تسألونا الآن عن سرِّ اختيارنا لهُ هل حجمُهُ هل رسمُهُ هل اسمُهُ؟ هل كلمة (التحرير) فيها ذلك السحر الذي أوشك أن يخلبنا؟)! فالموسيقى واضحةٌ في النصِّ وحية، والبناء الفني المتوازن، الذي غلَّف الأسئلة التي طرحها الشاعر من قلب الثورة، عن سر اختيار هذا المكان لتندلع منه، تماماً كالكثير من الأسئلة التي يطرحها في قصائد الديوان، وهي ليست أسئلةً بقدر ما هي حيلة فنية يتبعها ليجترح الإجابات في متون القصائد مكاشفاً الواقع، كثيمةٍ ضمن ثيماتٍ أخرى، بينها تسمية الأماكن والشخصيات، ورصد المواقف، وبعث الرمز، وغير ذلك.وأياً كان الاختلاف حول القيمة الفنية لديوان (إنجيل الثورة وقرآنها) لحسن طلب، والمكانة التي سيوضع فيها بين دواوينه، فإنه سيُحسب له أنه العمل الشعري التوثيقي الأول للثورة في مصر الذي كُتب من داخل الميدان، وهذه سمة لا يُستهان بها عند رصد عملٍ فني، فقد بُنيت عليها مدارس كاملة واتجاهات أدبية نوعية في تاريخ الأدب، كالواقعية، والواقعية الاشتراكية، والحداثة (بمقدار) حداثة الواقع حين تُستمد الشعرية منه، لا من الفنيات الجاهزة للأشكال التقليدية من الأدب. وهو ما تحقق في هذا الديوان بامتياز.*شاعر وناقد مصري مقيم في الخارج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية