أبو ظبي ـ “القدس العربي” ـ من محمد يوسف ديوب: طوال سنوات الاغتراب في هولندا وبين تجوال دائم عبر العالم تبقي ملامح المدن العراقية بما تحمله من وهج ناسها في ذاكرة حسن يحملها معه في حلِّه وترحاله ولا يستطيع التخلص من ملامحها التي تطارده مع كل لمسة فرشاة ومع كل زاوية من زوايا اللوحة بما تحمله من تقاسيم شكلية ونبض لوني يتناثر عبر فضاء اللوحة إنها تلك الأسرار الخفية التي تكمن خلف ذاكرة الفنان تلاحقه بأضواء خفية لا تظهر إلا مع ولادة العمل لتكوِّن ملامح مبطنة.
لا شك بأن الفنان عندما يبدأ مع اللوحة تختلج الأفكار وأحياناً تحمل هذه الأفكار نمطاً نصياً قبل البدء بالتعامل مع القماش أو سطح اللوحة أياً كانت مادَّته وخاصة عندما يكون الفكر مجرداً أو عندما تكون الحلول أمام الفنان تجريدية بحتة هنا سيكون أمام بداية الولادة الصعبة وسيكون في نفس الوقت أمام مسؤولية كبري ربما سيجد نفسه في آخرها أمام متاهة شكلية. حسن قدم في معرضه مجموعة متكاملة من تجربة موحدة الشكل وبنفس روح اللون. تخللت الأعمال بنائية واضحة الملامح خرجت من إطار المجرد إلي نوع من الملحمية وأتي الفكر إلي داخل اللوحة من خلال إرادة الفنان نفسه وخارجا ًعن نطاق العفوية. افتُتح المعرض بحضور دبلوماسي عربي وأوروبي وأيضاً إعلامي وبالإضافة للفنانين والمهتمين بالثقافة والفن التشكيلي، ولم يكتف حسن بأن تتكلم اللوحة فقط بل أوضح وبشكل مفصل عن تجربته وعن قصة كل لوحة علي حدة. التقيت معه قبل شهر في مهرجان المحرس الدولي في تونس ووقتها أخبرني عن معرضه هذا وكنت قبل أن أتعرف إليه هناك قد مررت بصورة عامة علي الورشات أقوم بتصوير الأعمال ليشدني عمل بين زحمة هذه اللوحات. سألت بعض الفنانين المتواجدين في تلك القاعة فأخبروني بأنها لفنان عراقي وبعد لقائنا عرَض علي عملاً آخر فعرفت أن العمل الذي شاهدته سابقاً كان له واستنتجت الأسلوب الواضح له والذي يميز أعماله ككل، ربما لأنه هنا الآن في صدد الخوض في تجربة موحدة فلكل مرحلة خصوصيتها، إذاً هو يحمل نوعاً من التوحيد في الأسلوب أو ربما الوضع المنطقي لخصوصية التجربة التي يخوضها في هذه المرحلة. المهم في الأعمال وإن كانت تحمل الهوية الموحدة من خلال الأسلوب ولكن هناك الاختلاف بين كل لوحة والأخري في الموضوع ضمن وحدة الهدف وبتفسير أوضح: كأننا أمام مسرحية تحمل الفكرة الموحدة ولكن تحتوي الفصول والمشاهِد، فكل عمل علي حدة يحتوي المشهد تحت عباءة المسرحية ككل، ويساهم في بناء حبكتها، وفي النهاية ستكتمل الفصول لتكون فكرة العمل بشكل عام، إذاً ربما إن غابت لوحة كأننا اختصرنا مشهداً فسنصل بالنتيجة إلي نوع من التشتت وفي هذا المعرض بالذات تؤلف الأعمال ككل مجموعة مترابطة فلا يمكن حذف أي عمل وكأن هذه المجموعة انتقاها بدقة وحذر شديد. ولكن إذا أردنا الخوض في تفاصيل أي لوحة علي حدة كان التميز بالمساحة والبنائية المتعمدة لهذه المساحات بشكل مجرد، ثم تتداخل بزوايا محددة بعض التعبيرية باللون وبضربات تتخللها بعض الخطوط، وفي أغلب الأحيان سطوح بارزة وبانفعالية واضحة وهنا أراد حسن التعبير عن حالات إنسانية مستحضراً إيحاء بغداد أحياناً والنجف أحياناً أخري ليخوض في غمار المدن والأحياء العراقية بتفاعل ملحمي يحمل ملامح الشعرية البصرية. ولا شك في أن هناك وضوحاً بتعمده استخدام تقنيات ومواد مختلفة يصيغها بخصوصية وهذا كان واضحاً من خلال المعالجة التقنية للوحاته، وقد أخبرني عن شغفه في البحث الدائم في غمار المادة وتقنياتها ولا يحبذ الاعتماد علي المواد الجاهزة وخاصة بالنسبة للمعاجين المستخدمة في تأثيرات السطوح النافرة، وهذا ما أخبرني به في تونس عندما لم تتوفر المواد التي يريد صياغتها واعتماده المواد الجاهزة، وهنا يؤكد حرصه من خلال ذلك علي ديمومة العمل فالمادة هي الأساس في ديمومة العمل الفني وهذا هاجس للفنان بشكل عام. أما اعتماده الألوان المركبة والدخول في حالات الإضاءة بالتسلسل من البني الداكن إلي أقصي الأبيض المصفر وإن كان يعتمد نوعاً من التدرج في انتقالاته هذه ولكن يشدّك بنوع من سلب البصر إلي نقطة محددة من خلال مساحة الأحمر أو من خلال نقطة مركزة بهذا الأحمر ليخرجك من الخمول البصري إلي نوع من الحركة هذا إذا أردت الخروج من القيمة الفكرية للعمل والتعامل مع اللون والمساحة بشكل مجرد، ولكن إذا دخلنا إلي ما يحب الفنان أن يقدمه من خلال هذه النقلة اللونية فهو نوع من التعبيرية أكثر عن حالة إنسانية تحمل ملامح الكارثة. لا شك في أن حسن يحمل معه قيماً فكرية مهمة ربما لا يمكن أن تستوعبها حالة عرض واحدة بل تحتاج إلي متوالية في العرض وإلي عدة عروض وأيضاً لا تكفي المشاهدة الواحدة للعرض بل يجب أن تتكرر المشاهدة لاستيعاب ما يريد أن يوصله للمشاهد، وهذه تحتاج لعدة زيارات للمعرض وعدة عروض لأعمال أخري. الواضح لديه هذا المخزون الإنساني الذي يحمله عن بلده العراق وإن كان يقيم منذ فترة طويلة في هولندا ولكنه أحضر معه في هذا العرض من الأعمال ألوان المدن العراقية وخصوصية بنائيتها ولو عبّر بأسلوب تجريدي خاص ولكن تجد هذه الملامح واضحة وقد هرب من فخ تأثر الفنانين المغتربين بألوان البلد المضيف وهولندا بالتحديد، هذا التأثير المخيـــــف بألوانها القوية، ولكنه يحمل موروثـــــاً قوياً لم يستطع ذلك الإبهار اللوني أن يأخذه إليه وكأن سحر بغداد يلفه فلا يستطيع الفكاك منه مع كل المغريات اللونية الأخري، إنه سحر الشرق الذي يبهر الغرب قبل أن يأسر الشرقي نفسه.