حسن مسعود: العمل امام الجمهور يختلف عن العمل في المنزل

حجم الخط
0

يستوحي خطوطه من حركات فناني الرقص والموسيقىابو ظبي ـ من فاطمة عطفة: أقيم في صالة الغاف للفنون التشكيلية في أبو ظبي معرض للفنان التشكيلي العراقي حسن المسعود بعنوان ‘خطوط النور’، ويجمع المعرض بين الدمج الفني بين الأصالة والحداثة بلمسات جمالية امتاز بها هذا الفنان الذي انطلق من تراث الخط العربي الأصيل ليرتقي بجمال لوحاته الفنية إلى مبتكرات الفن الحديث بالتشكيل. وقد ضم المعرض مجموعة مختارة من اللوحات الفنية بالخط والتشكيل. والفنان من مواليد النجف وقد أتقن فن الخط العربي التقليدي في بغداد، ثم التحق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس. وعلى هامش المعرض أقام الفنان ورشة عمل ضمت عددا من محبي هذا الفن إضافة إلى بعض الإعلاميين، قدم فيها شرحا لطريقته بالرسم، قائلا: ‘ سأقوم بصنع ست خطوط كل خط يأخذ دقيقتين’. بدأ الفنان بتخطيط كلمات العناصر الأربعة: الأرض، النار، الهواء، والماء. ولكل واحدة من هذه الكلمات دلالاتها الفنية والجمالية المرتبطة برموز وشواهد من تراث الشعر العربي العالمي حيث ضرب أمثلة من الشاعر الألماني شيلر حين يقول: (الأرض تتسع للجميع) ومن الفارس والشاعر العربي أسامة بن منقذ اقتبس قوله: (انظر إلى حسن صبر الشمع يظهر للـــرَّائين نورا وفيه النار تستعرُ)، وأعطى للكلمة الثالثة شكلا يوحي بالهواء، أما كلمة الماء فقد رسمها بشكل أفقي وزينها ببيت من شعر ابن قلاقس: (والماء يكسب ما جرى طيبا ويخبث ما استقرا). ثم أخذ الفنان كلمة غليان من شاعر إسباني يقول: (في قلبي غليان وعذاب ) وخططتها وكتب في قلب حرف النون باقي البيت، مشيرا إلى أن هذه اللوحة توحي بما في قلب الشاعر من هموم وأحاسيس ثقيلة. وكانت السعادة هي الكلمة السادسة التي اقتبسها من شاعر فرنسي يقول: ( لو تنساك السعادة مؤقتا لا تنسَها أبدا)، حيث خط كلمة السعادة بألوان خفيفة زاهية.وبعد انتهاء الفنان حسن مسعود من رسم مجموعة من اللوحات كان لـ ‘القدس العربي’ معه هذا اللقاء: ـ معرفتك بالخطوط واسعة وتجربتك العملية غنية، فلبدأ بتعريف ما هو خط التعليق؟ * ‘خط يوحي بالسمو ويعبر عن التسامي، وعندما ابتكروا خط التعليق كان يبدو وكأنه يصعد للفضاء لكن عندما أرادوا خط الكتب بنفس التعليق وجدوا صعوبة بسبب ضيق الحيز، ففي الصفحة الواحدة يكتب فقط أربعة أسطر، ولذلك حاولوا ضبط التعليق وعملوه مثل النسخ وسموه نسخ تعليق’.ـ ثقافتك التراثية وخاصة الشعر، إلى جانب اطلاعك على الثقافة العربية والأوروبية بشكل عام، ماذا أضافت لك؟ وما هي تأثيراتها على عملك الفني وتطويره؟ * ‘أعتقد أننا لو ندرس تاريخ الخط لوجدنا أن الخطاطين في كل قرن يوجد بينهم خطاط كبير أو أكثر يهتم بالثقافة وقراءة الكتب والوضع الثقافي في المدن. كان الانفتاح الثقافي في الدول الإسلامية مركزه بغداد وكانت الحضارة ما بين الصين والأندلس. في القرن الثامن المأمون طلب أن تجمع الكتب من جميع أنحاء العالم وتنشط الترجمة، لهذا أصبحت هناك مكتبات كثيرة موجودة في عدد كبير من المدن، وكان الخطاطون هم من يكتبون الكتب المترجمة. ولهذا برز لدينا عدد من الخطاطين المثقفين مثل ابن مقلة والمستعصمي وابن البواب.. وأسماء كثيرة كانوا يدرسون الفن والعمارة، لأن ضرورة التعرف على التاريخ والانفتاح على العالم تساعد الخطاط للتطور والإبداع في وقتنا الحالي’.ـ كيف يتم اختيار اللون المناسب لنوع الخط؟ * ‘منذ عشر سنوات كنت أذهب وأعطي دروس خط في الصحراء، فعندما أعود أستخدم الألوان الترابية والصفراء فقط، وعندما يكون الجو لطيفا وباردا والسماء تمطر فتؤثر هذه الأوضاع فأستخدم الألوان بحسب الحالة التي أعيشها. الألوان هي قضية نفسية للشخص الذي يستعمل هذه الألوان، وبالنسبة لي لا أستطيع أن أصفها بالكلمات ولكني أتنقل من لون إلى لون بطريقة عفوية وهي تلبي ذائقتي الفنية’.ـ هل فكرة لوحة الخط تبنع من حالة يعيشها الخطاط كما هو حال الشاعر والرسام أم من قرار مسبق؟ * ‘هناك عدة أشياء تتشابك مع بعضها، أحيانا تأثير الضوء أو السفر أو قراءة شعر.. وأشياء أخرى كثيرة، مثلا: شعر ابن منقذ عن الشمعِ والنارُ، هذا أرسمه باللون الأحمر ولا يعمل باللون الأزرق، وأعطي الشعر إيحاءات بالارتفاع نحو الأعلى. إذاً، الفن ليس فكرة ثابتة، خاصة الفن التشكيلي. كل خطاط أو فنان تشكيلي يعمل لوحة يجب أن يعمل شيئا مختلفا، وإلا أصيب بضيق نفس’.ـ ذكرت في سيرتك الذاتية أنك عملت مع مجموعة من الفنانيين الذين يقومون بعروض فنية، كيف كانت تجربتك هذه؟ وماذا أضافت لك؟ * ‘تجربة العمل مع فنانين آخرين ولدت قبل 400 سنة وهي ليست جديدة. وأنا في البداية كنت أبحث عن نفسي لأني كنت أريد أن أعمل في باريس، فعرضوا علي أن أخط أمام الجمهور. في البداية شعرت بصعوبة، لكن تدريجيا حاولت أن أقنع نفسي بأن في هذه العملية جانبا فنيا، واكتشفت مع الوقت أن العمل أمام الجمهور يختلف عن العمل في المنزل. فعندما تكونيين أمام الجمهور، لا يجوز أن ترتكبي أي خطأ، بل يجب أن تكوني متهيئة لعمل خط جيد منذ البداية. بعد ذلك عرض علي العمل مع مجموعة من فنانيين آخرين من موسيقيين ومغنيين. في السنوات الأخيرة عملت مع مجموعة من الفرق الراقصة، وأخذت أستوحي من حركتهم على المسرح كلمات تقترب أحيانا من الشعر العربي، وأحيانا تقترب من العمل نفسه، فكان الحاضرون في القاعة من الجمهور ينظرون لظلال الراقصين وللخط فيجدونه متناسبا مع بعضه’.ـ الخط فن، الآن تحدي الخط العربي مع الطباعة، نحن ندخل الكمبيوتر ونستخدم الخطوط الموجودة للكتابة، ألم تفكر بإدخال أحد هذه الخطوط التي تخطها في الكمبيوتر؟ * ‘الآلة الحديثة ضرورية للثقافة والعلم لأنها تسهل إيصال المعلومة، لكن الخط العربي الذي أتكلم عنه اليوم هو التيار الفني حيث كان لدينا في السابق تياران: تيار لكتابة الكتب وتيار آخر يعمل خطوط فنية كي تنقش على البناء مثلا.. أو منحوتة تنحت على الخشب والصخر، فأنا أخذت هذا التيار الفني الذي يعيش. أما تيار كتابة الكتب فقد وظيفته اليوم، العمل الذي أقوم به لا يمكن إدخاله في الكمبيوتر إلا بواسطة الصور. إذاً، الآلة الحديثة يمكن توظيفها لنقل الفن وليس للثقافة والعلوم فقط’.ـ بالنسبة للخطوط، هل الحروف الإنكليزية والفرنسية طيعة ومن الممكن استخدامها في لوحاتك؟ أم أن اللغة العربية لها خصوصيتها بين اللغات في الخط؟ * ‘الحرف اللاتيني هو من نفس العائلة: الحرف العربي واللاتيني يدرجان في منطقة البحر المتوسط، لكن الحرف اللاتيني عندما صعد إلى اليونان وأوروبا كان يجاور الصورة فاستخدم فقط في الكتابة، وقليلا ما استخدم في الصورة، لأن الفن في اليونان وأوروبا كان يقوم فقط بعمل لوحات وتماثيل وجداريات، بينما الحرف العربي دخل في مجال الفن لأن الصور لم تكن محببة أو مقبولة في الفن، لكن من الممكن استخدام الحرف اللاتيني في لوحات الخط’.ـ لو تحدثنا عن كتابك حول فن الخط العربي؟ * ‘لقد ألفت كتابا قبل ثلاثين سنة عن وجود الخط كتقنية ووجود اجتماعي وعن بعض الخطاطين، وحاولت الاطلاع على كل الأشياء التي تتعلق بالخط في جميع الدول التي زرتها وقمت بتصوير كل ما وجدت، إن كان في المكتبات أو في الكتب، وحاولت أن أدرس الخط بهذه الطريقة، أن أجد أجمل الخطوط التي اتجهت نحو الفن، فاخترت هذه الخطوط واعتبرتها كمسار لي لمعرفة تاريخ الخط العربي وألفت كتابي من هذا المنطلق’.ـ أي الرسومات كانت الأصعب؟ وأي الأعمال كانت محببة بالنسبة لك ولماذا؟’كل الرسومات محببة بالنسبة لي، لكن في هذا المعرض ولأول مرة أعرض لوحات على القماش. منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا أعمل معارض، كانت جميع لوحاتي على الورق. أما اليوم فقد عملت لوحات على القماش، لأني أردت أن أخرج عن المعتاد كما أن القماش يعطيني إمكانية الخروج عن الإطار، بينما العمل على الورق يكون الخط دوما في الوسط محاطا باللون الأبيض، بينما في اللوحات أحيانا تخرج الحروف.ـ ما هي الألوان التي تستخدمها؟ * ‘أنا أحضر المسحوق (الباودر) من جميع الألوان وأضعه أولا في الماء، ثم أضيف مادة صمغية لذلك تجدينها مختلفة عن ألوان الطباعة في الأسواق وتجدين عبوات صغيرة، وأنا أحتاج لكميات كبيرة من الألوان. ولهذا السبب تعلمت صناعة الألوان’.ـ ما مشروعك المستقبلي بعد هذا المعرض؟* ‘بالنسبة للعمل الفني دوما لدينا رغبات لكن تحقيقها صعب جدا، ولدي أفكار عديدة ولكني أتكلم عن الشيء الذي قمت به وأحيانا نجد الشيء الجديد وأحيانا لا نجده، وذلك حسب الوضع النفسي’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية