حسن نجمي: فن ‘العيطة’ في حاجة ماسة إلى تدخل الدولة لصيانته!

حجم الخط
0

من الموسيقى التقليدية المعرضة للخطرحاوره: سعيد فرديقال حسن نجمي المهتم والباحث في فن العيطة، لا يمكننا أن نصادر حق الأجيال الجديدة في التعامل مع المدخرات التراثية الموسيقية والشعرية والشفوية، لكن هناك مستويات وأنواعا من هؤلاء الموسيقيين والفنانين الشباب. وأضاف في حوار مهم أجريناه معه، أن هناك خلطا كثيرا في غناء العيطة، عندما يتم تشويهه من بعض الأفراد الجدد، الذين لا يستوعبون المغزى، فيغيرون في المخزون الشعري لغناء العيطة، فيصبح هناك نوع من الخلط لدى المستمعين، وشدد في ختام لقائنا به، على أن العيطة في حاجة ماسة إلى تدخل الدولة لصيانتها وتدوينها وإعادة الاعتبار لشيوخها وشيخاتها، اجتماعيا وماديا وأدبيا. تابعوا معنا التفاصيل في نص الحوار التالي:* حسن نجمي انت الأستاذ الباحث والمهتم بفن العيطة.. إجمالا لو طلبنا منك رؤيتك للعطية من وجهة نظر الباحث؟* أعتبر أن غناء العيطة، كموسيقى تقليدية، وكتعبير شعري غنائي فني، متأصل في التربة الثقافية والاجتماعية المغربية، أصبح فنا مكتملا باعتباره معطى تاريخيا أنتجته أجيال مغربية عبر أزمنة متلاحقة.. وبالتالي أصبح، إن صح التعبير، فنا نمطيا، له حدوده ومحدداته، وهويته النصية، أي كنص موسيقي ونص شعري، ومن حيث الأداء أيضا، وبالتالي فإن هذا التعبير الغنائي الشعري الموسيقي المغربي العريق، أصبح تراثا ثقافيا وفنيا يمتلكه المغاربة، ولهم الحق أيضا في أن يعيدوا امتلاكه باستمرار.* من مظاهر المساس بالقيمة الفنية لغناء العيطة اليوم، هو تنامي المجموعات الغنائية الشعبية التي تتمثل غناء العيطة وتدخل على عزفه الآلات الموسيقية العصرية.. ما هو تعليقكم؟ * شخصيا، ليس لدي أي اعتراض على الأجيال الجديدة في أن تعيد تملك هذا التراث، وتعيد تمثله وتقيم معه نوعا من الحوار والتخاطب، قائما إما على تقديمه كما هو، وإما الاستفادة منه في نظم شعر يعبر عن العصر الجديد أو تمثل مخزوناته اللحنية والإيقاعية في استيلاد تعبيرات غنائية تقليدية أو شعبية جديدة، وبهذا المعنى لا يمكننا أن نصادر حق الأجيال الجديدة في التعامل مع المدخرات التراثية الموسيقية والشعرية والشفوية، لها الحق في أن تحاوره بالطريقة التي تريد، لكن هناك مستويات وأنواعا، من هؤلاء الموسيقيين والفنانين الشباب، الذين ينجحون أو يخفقون في التعامل مع تراثهم الثقافي والفني الأصيل، فهناك تجارب موفقة لدى الجيل الجديد في التعامل مع غناء العيطة، في استحضاره كخلفية أو كمرجعية، لتقديم تعبيرات غنائية جديدة، وهناك من حاول أن يطور على مستوى الأداء واستعمال الآلات الموسيقية الحديثة في تقديم هذا التراث، مثل الفنان الشعبي حجيب فرحان، على سبيل المثال، نلاحظ أنه يحتفظ بقصيدة العيطة كما هي موسيقيا وإيقاعيا وشعريا، ويحافظ على استمراريتها كنص تراثي رمزي له قيمة وحمولة تاريخية معينة، وهناك أنواع أخرى من الشباب، يستلون بعض الجمل من هنا وهناك، فيخلطونها بأشياء من عندهم، ويقدمون ما يسمى بغناء شعبي، وأنا شخصيا، لا أعتبر هذا الغناء الذي يؤديه هؤلاء الشباب غناء عيطيا، بل هو غناء شعبي، يندرج ضمن فضاء العيطة المغربية، ضمن فضائها وليس ضمن نصوصها أو ضمن متنها، الذي نعرفه وأصبح محدودا، من حيث عدد القصائد ومن حيث النسيج الموسيقي والشعري.

التراث الموسيقي والغنائي المغربي هو تراث حي، لا يعني أنه جزء من الماضي وأصبح في ذمة الماضي، بل هو تراث قادم من أزمنة بعيدة، ويمتلك كل عناصر الاستمرار لأنه مرتبط بوجدان المغاربة، وقريب من أفقهم ومن متخيلهم، ويعبر عن وجودهم الاجتماعي والثقافي، في فضاء معين فوق خريطة معينة.* هل المشكل، يكمن في تحريف الكلام والمساس بالنص الشعري الأصلي للعيطة؟ * لا أرى أي مشكل يطرحه الكلام الشعري في غناء العيطة، كثير من المغنين الشباب الذين يجهلون هذا المخزون الشعري، يحاولون أن يبدلوا فيه ويغيروا…)أقاطعه): إذن، هذا هو الإشكال المطروح، يا أستاذ.. وكثيرا ما يخطئون، مثلا عندما لا يفهمون كلمة مغربية عامية قديمة، يعمدون الى تغييرها بكلمة أخرى، لا تؤدي نفس المعنى ولا تحافظ على جمالية الصورة كما كانت في أصلها.. مثلا، عندما نجد في إحدى قصائد العيطة بيتا شعريا جميلا، مثلا تقول الشيخة: ‘بايت سهرانة.. والبوج عند راسي’، و’البوج’ كلمة مغربية قديمة، تشير إلى القنديل، فمن خلال هذين البيتين الشعرين، الأمر يتعلق إما بأم تنتظر ابنها الغائب حتى يعود، وتعيش لحظة قلق وأرق، لم تستطع أن تنام لأنها تضع يدها على قلبها خوفا من أن لا يعود.. وقد يتعلق الأمر بحبيبة تنتظر حبيبها حتى يعود، لم تستطع أن تنام طالما حبيبها لم يعد، فنجد في بعض الأغاني الشعبية الرائجة اليوم: ‘بيتا سكرانة.. والكاس عد راسها’ حتى الصورة الشعرية غير مستقيمة، فإذا كانت ‘سكرانة’ ينبغي أن يكون الكأس على الطاولة وليس على رأسها، بمعنى أن هذا الخلط كثير في غناء العيطة، عندما يتم تشويهه من بعض الأفراد الجدد الذين لا يستوعبون المغزى، خصوصا من شباب ترعرعوا في الحواضر الكبرى ولم تعد لهم علاقة بجذورهم الاجتماعية واللغوية الأصلية، فيغيرون مثل هذه العبارات وهذه الجمل والكلمات في المخزون الشعري لغناء العيطة، فيصبح هناك نوع من الخلط لدى المستمعين، عندما يعتقدون أن هذا الغناء هو العيطة ذاته، فهو لا علاقة له بالعيطة لا من قريب ولا من بعيد.

فمثل هذه التشويهات على المستوى الشعري، نجدها أيضا على مستوى الأداء الموسيقي، بحيث لا نجد لدى هؤلاء الشباب إلماما دقيقا بالمعطيات الموسيقية، بالنسيج الموسيقي لغناء العيطة، ولا يعرفون حتى أن العيطة لها مقاماتها مضبوطة، مثلا إذا أخذنا ‘ساكن العلوة’ وهي عيطة شهيرة، ذات نفس صوفي روحي ديني، يندرج ضمن أدب المناقب المغربية، لا يعرف، هؤلاء الشباب، أنها عيطة تؤدى على مقام البياتي في الغالب، وهناك اجتهادات لدى الشيخ الصاحب بلمعطي، رحمه الله، مثلا، أو لدى الثنائي الطاهر والمكي رحمهما الله، على مستوى التغييرات المقامية، وأحيانا حتى في الانتقالات الموسيقية داخل نفس المقام، فهناك خلط على المستوى الموسيقي في أداء ‘العلوة’، وأحيانا حتى على مستوى الكلام في هذه القصيدة الصوفية الشهيرة، نجد مثلا أن عددا من المغنين الشباب أو المغنين الجدد الذين يؤدون فن العيطة أو يتمثلونه، عندما يغنون قصيدة العلوة، يسمعون ‘سيدي بلكاسم’ وهو ولي صالح قريب من قبيلة ولاد فارس وقريب من سيدي حجاج في دائرة ابن أحمد، يعتقدون أن الأمر يتعلق بسيدي قاسم بوعسرية في الغرب، ثم يخلطون بين ‘العلوة’ وأغنية ‘الزاوية’ للمرحومة فاطمة الزحافة، مثلا يبدأون العلوة: ‘ الزاويا ما انا ساخي بيك اربي.. ا سخاك الزمان عليا..’ هذه ليست العلوة، بل هي قصيدة ‘الزاويا’ التي أدتها المرحومة فاطمة الزحافة في سطات، فيخلطون ثم يضيفون إلى قصيدة العلوة اسم برشيد، وولاد حريز. ‘ أنتما ولاد حريز جدكم شريف عزيز’ لا علاقة لهذا الكلام بعيطة العلوة، ‘العلوة’ هي أغنية دينية ‘ساكن’ من ‘السواكن’ كما نسميه، جاء من تراث العيطة، ويتغنى بالأولياء الصالحين بمنطقة العلوة، أي بابن أحمد أمزاب.

ومثل هذا الخلط كثير، لكن ينبغي التنبيه إلى أن العلوة أو غيرها من القصائد الصوفية، ومجموع القصائد العيطية، محدود ومحسوب على رؤوس الأصابع، معروفة لا يمكن أن نضيف إليها أو أن ننقص منها، يمكن أن نتصرف على مستوى الاجتهادات الموسيقية، أن نتصرف على مستوى الأداء أو اللحن… الخ. ولكن العيطة هي العيطة، وما يتداوله بعض المغنين الذين يجهلون قيمتها وتاريخها ورصيدها لا صلة له بالعيطة في قيمتها الفنية المتعارف عليها. * هل نطمئن على العيطة رغم ما يحدق بها من مظاهر التحريف، مادامت في ايد أمينة وأعني روادها الذين لا زالوا على قيد الحياة، ويحرسها باحثون ومهتمون ودارسون؟* لا، على العكس العيطة، من التعبيرات الموسيقية المغربية المهددة بالانقراض، وقلت في أكثر من مناسبة، بأن العيطة باعتبارها موسيقى تقليدية مغربية، هي من الموسيقى المعرضة للخطر،les musiques en danger وهو التعبير الذي تستعمله اليونسكو في صيانة وحفظ هذه التعبيرات الموسيقية، ولذلك فمن الواضح جدا، أن العيطة مثلما تعبيرات موسيقية تقليدية مغربية أخرى، في حاجة ماسة إلى تدخل الأوساط الجامعية والأكاديمية والعلمية، وتدخل منظمة اليونسكو، من خلال دائرتها المكلفة بحماية الموسيقى التقليدية في العالم، والمجلس العالمي للموسيقى التقليدية، وفي حاجة ماسة إلى تدخل الدولة لصيانتها وتدوينها وإعادة الاعتبار لشيوخها وشيخاتها، اجتماعيا وماديا وأدبيا، لا يحق ولا يصح أن تظل مقصية على مستوى التداول والاهتمام الرسمي الثقافي، واظن أن السنوات القليلة الأخيرة، أكدت أن هناك إرادة حقيقية لحماية التراث الثقافي المغربي بتعابيره وأبعاده الجهوية المختلفة وبكل مكوناته، وهذا يعطي بارقة أمل للمستقبل إن شاء الله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية