حسيبة رسالة حب إلي نساء دمشق وأهلها وعودة السينما السورية إلي حاضنتها الأدبية

حجم الخط
0

دمشق ـ “القدس العربي” ـ من أنور بدر: عندما قرأت رواية حسيبة للأديب خيري الذهبي منذ عقدين أو أكثر بقليل، أحسست أنني لأول مرة أتعرف علي مدينة دمشق التي أعيش فيها، فإشكالية هذه المدينة مع مثقفي وكتاب الريف الذين نزحوا إليها، أنهم أحالوها إلي نسق أيديولوجي، وحده خيري الذهبي استطاع أن يفتح بوابات هذه المدينة ومشربياتها علي حياة حقيقية تمور بين حاراتها وفي أزقتها الضيقة. ولأول مرة أشعر أن المكان سيدا في الرواية السورية، ليس مكاناً فانتازياً أو متخيلاً، أنه مكان حقيقي بكل عناصره ومكوناته، وقد استطاع الذهبي أن يبني عمران روايته المتخيل علي خلفية الأحداث السياسية التي عرفتها سورية ما بين عام 1927 وحتي العام 1950، والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة. فجأة وبعد كل هذه السنوات يعود الاهتمام مجدداً بهذه الرواية، في مستوي بنائها الدرامي، وفي مستوي التشكيل البصري فيها، وفي أهمية المكان المشغول بشحنة عالية من الحب، ونعرف أنهم قرروا إعادة إنتاجها فيلماً سينمائياً ودراما تلفزيونية في ذات الوقت، مع أن ذلك سيتيح مساحة للمقارنة مستقبلاً. ہہہبمناسبة انتهاء التصوير في فيلم حسيبة الذي يخرجه ريمون بطرس وتنتجه المؤسسة العامة للسينما، استقبلتنا أسرة الفيلم في مكتب عنبر ضمن أسوار الشام القديمة، حيث تناولنا بعض الفطائر مع الشاي الساخن، ونحن نتابع تصوير بعض اللقطات المتأخرة، ثم جلسنا نستمع إلي المخرج ريمون بطرس الذي حقق منذ أنهي دراسته في الإخراج السينمائي من أوكرانيا عام 1976 حوالي عشرة أفلام تسجيلية، وفيلم روائي قصير، اما في مجال الأفلام الروائية الطويلة فقد حقق عام 1986 فيلم المؤامرة مستمرة وهو إنتاج مشترك سورية ـ سوفييتي، ثم فيلمي الطحالب عام 1991، و الترحال عام 1997، مع ملاحظة أن أغلب أعماله تنتمي لموجة سينما المؤلف، أي تحمل توقيعه مؤلفاً ومخرجاً. وضمن هذا الإطار ظهر اهتمامه واضحاً بتفاصيل المكان وبيئته المحلية ـ محافظة حماة ـ في وسط سورية. لكنه الآن ـ وبعد عشر سنوات من الانتظار تقريباً ـ يعود إلينا بفيلمه الجديد حسيبة، عن نص روائي معروف ومهم، صحيح أنه أعاد كتابة السيناريو بنفسه، لكنها خطوة مهمة في تاريخ السينما السورية، وتميل توجهاً جديداً للمؤسسة العامة للسينما في سورية، بعد عقدين ونيّف من سينما المؤلف، كما تحدث إلينا السيد محمد الأحمد المدير العام للمؤسسة. مع أن ريمون بطرس لا يري في المسألة إعادة عقد القران مجدداً مع الأدب الروائي أو القصصيّ، فتاريخ السينما برأيه لم يقدم قاعدة بهذا الخصوص، المهم والأساسي بالنسبة له أن يشتغل السينمائي علي موضوع يستطيع توليد شرارة داخلية له، يستطيع أن يولد حالة حب، ويعلن في هذه المناسبة: لديّ مشروع فيلم كتبته أنا باسم مريم والبشير هو قصة قريبة إلي قلبي، كما تحولت حسيبة الروائية إلي جزء من قلبي وروحي سينمائياً.

هذه الشرارة من الحب يبدو أنها دفعت بالمخرج ليس باتجاه الرواية فحسب، وإنما باتجاه البيئة الدمشقية أيضاً، ويقول حول ذلك: هذه أول مرة انتقل للعمل علي البيئة الدمشقية، حباً بالرواية وحباً بالموضوع الذي طرحه الروائي خيري الذهبي، ومنذ بداية التفكير في هذا العمل اعتبرت أنني أقدم رسالة حب إلي نساء دمشق، إلي الشام وأهلها وحجارتها وعماراتها وتاريخها باعتبارها اختزالاً عبر خمسة آلاف عام لكل الحضارات المتعاقبة في بلاد الشام الكبري. ويضيف ريمون بطرس ـ علي طريقته الجازمة باستمرارـ أن رسالة الحب تلك إلي الشام وأهلها لم يحملها هو فقط كمخرج، وإنما حملها جميع العاملين في الفيلم من فنانين وفنيين، بل هي انعكست علي جو العمل ككل، فخلال أشهر من العمل المتواصل لم تحدث مشكلة واحدة، لم يحصل إزعاجاً لأي شخص، اشتغلنا داخل التصوير كأسرة واحدة بحب ومودة. وقد أكدت الفنانة الكبيرة سلاف فواخرجي، أن هذه المسألة مهمة جداً للفنان، رغم أن بعضهم قد لا يهتم بها، علي الفنان أو الممثل أن يعمل بحرفته، إن صح التعبير، ومهما كانت الظروف، لكن الفرق كبير عندما يعمل وهو مسكون بحالة من الطمأنينة، عندما يأتي إلي التصوير وهو مرتاح، عندما يشعر بأن الجميع يبادلونه الحب الذي يكنه لهم.

هناك مسألة أثارها المخرج منذ البداية، حين أكد علي خياره التقني وطنياً، لا ادري إذا كان يقصد الغمز من قناة بعض المخرجين الذين يفضلون التعاون مع (استاف) تقني أجنبي أو من بعض الدول العربية بحجة الخبرة الأعلي، لكنه يوضح: بعد دراسة مستفيضة لما أنجز سينمائياً مع مدراء تصوير ومهندسي صوت وتقنيين، وجدت بخبرتي المتواضعة أنه لم يظهر شيء عميق ومبهر وغني سينمائياً علي الدرجة التي تدفعني للاستعانة بخبرة أجنبية.

لذلك وبعد مشاورات عديدة مع المخرج الصديق ماهر كدو وجدنا ضرورة استعادة السينما الوطنية إلي محرابها الوطني، اخترت أن يكون شركائي في صناعة الفيلم من فناني سورية وفنييها، دون الاستعانة بأي خبرات أجنبية.

مشيراً بهذا الصدد لأهمية مدير التصوير جورج لطفي الخوري، وأهمية خبرته وعينه الساحرة التي اكتشفها في فيلميه السابقين الطحالب و الترحال. النقطة الأهم تقنياً يقول بطرس: أننا لأول مرة في سورية نلجأ إلي صيغة جديدة في التصوير، عبر استخدام كاميرا H.D أو الهاي ديفينشن، وهي كاميرا متخصصة لنقل المادة الفيلمية إلي سينما 30/20 للعرض في صالة سينمائية، ونحن أقدمنا علي هذه التجربة بعد دراسة مستفيضة لإمكانيات الكاميرا. هذه الدراسة تمت مع مدير التصوير السيد جورج الخوري ومع مدير إنتاج الفيلم السيد فايز أحمد، والصديق المونتير مروان عكاوي، وقد عملنا دراسات مستفيضة للكاميرا وإمكانياتها المادة الفنية التي نصور عليها، ولم نكتف بذلك، بل أرسلنا نماذج اختباراتنا إلي إيطاليا والهند، عبر شريط مدته خمس دقائق لنقله إلي السينما، وكانت النتائج الفنية مطمئنة وجيدة، لن نقول أنها مبهرة، لأن هذا الحكم النهائي سيكون من حقكم أنتم عندما ترون الفيلم علي الشاشة مباشرة. مدير التصوير أوضح من جانبه أنه سبق واستخدم هذه الكاميرا في تصوير مسلسل الظاهر بيبرس لكنها المرة الأولي التي نشتغل فيها سينمائياً بهذه الكاميرا، والنتائج التقنية من حيث الألوان والجودة (الكوالتي)… كانت مشجعة للغاية، لم تصل بعد لمرحلة السينما المطلقة، لكنها ستصل بكل تأكيد، وأنا اعتقد أن المستقبل سيسير بسرعة باتجاه تقنية H.D، فهي أفضل من (الديجيتال) وتكاليفها أقل من التصوير العادي، لذلك أري ضرورة أن نبدأ هذه التجربة مبكراً، رغم أن التعامل معها يحتاج إلي الكثير من الدقة والحساسية، ويحتاج إلي مراعاة عالية للظل والنور، لكنها بكل تأكيد تمثل مستقبل العمل السينمائي. الممثلة سلاف فواخرجي أوضحت أن التعامل مع هذه الكاميرا مختلف من حيث السرعة والتقنيات، إلا أننا كنا نتعامل بإحساس أن كل لقطة هي مشهد سينمائي من حيث الدقة، لم نتعامل بـ(الأوردر 15) كما يصورون في التلفزيون، كان الإحساس لدينا قويا بأننا نصنع سينما. أوضح المخرج من جهته بعض التفاصيل الأخري، فقال: كان لدينا 30 موقع تصوير (لوكيشن) ضمن مدينة دمشق، شكلت فسيفساء للحياة الدمشقية وتلاوينها البشرية، والعمرانية، وبعض هذه (اللوكيشنات) كان يضم أكثر من موقع للتصوير، حاولنا فقط إعادة صياغة المكان بما ينسجم مع الأحداث التي صورناها والتي تعود إلي ثلاثينات أو أربعينيات القرن الماضي. أما حول ميزانية العمل، فقد رفض المخرج الدخول في التفاصيل والأرقام، مكتفياً بالتأكيد أن المؤسسة العامة للسينما قدمت في هذا الفيلم كل ما تم الاتفاق عليه، ولم تبخل أو تقصّر في أي يوم معنا. المسألة الأهم التي توقف المخرج معها هي العمل مع الممثل، مضيفاً: اعتقد أنني استطعت في هذا الفيلم الاتفاق مع عدد من الممثلين والممثلات المهمين وعلي رأسهم الفنانة الخلوقة سلاف فواخرجي، فهي خلوقة في حياتها وفي مهنتها أيضاً، وأضفت علي الفيلم روحاً جميلة، وكان لدينا 24 دورا رئيسيا وثانيا ومثلهم أيضاً في أدوار ثانوية. أما حول الوجهين الجديدين علي الشاشة: كندة حنا وريم بطرس ـ وهي ابنته ـ فقد أوضح أن الاختيار تم بناء علي اختبارات كثيرة طالت 12 فتاة بهذا العمر، مضيفاً أنا أحب التعب مع الممثل. وأخيراً تمني أن يصل هذا الفيلم إلي الجمهور ـ بعد انتهاء العمليات الفنيةـ كما يريد وبشــــكل بهي، وفي غلالة من الحب التي تم العمل ضمنها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية