حصاد معرض الدوحة

وأنا أتجول في معرض الدوحة للكتاب في نسخته الجديدة هذا العام، لفت نظري ذلك التحديث المتقن في شكل المعرض، وأيضا التنظيم المدهش، الذي يضع بين يديك شتى ضروب المعرفة دون أن تتعثر في طرقات ضيقة، أو تبحث بتأن أو تضيع، إنها معرفة منظمة جدا، وتكاد تمتلك حناجر تنادي بها القارئ.
كل دار نشر تحتل المساحة المرسومة لها تماما، وترص الكتب وتستقبل الزائرين، وأيضا الكتّاب الذين يوقعون على إصداراتهم الجديدة، داخل أجنحتها، بلا أي إحساس بالضيق، كذلك انتبهت إلى دور نشر كثيرة ظهرت، ولم أكن أعرفها من قبل، دور من كل البلاد العربية تقريبا، حتى تلك التي نكبتها الحروب، وتشتت رهط من أبنائها في مشارق الأرض ومغاربها، وفوجئت أن السودان على الرغم من حربه غريبة الأطوار التي تدور الآن، والتي تحولت من حرب إلى مأدبة سخية للصوص، ومرتعا للمغتصبين، الذين ينتمون للميليشيا المتمردة، من قوات أنشأها النظام المدحور، وسمنتها السلطات الحالية، كان حاضرا أيضا بعدد من دور النشر، اعتدنا على رؤية بعضها، ونشاهد البعض لأول مرة.
ولأن الإصدارات السودانية في مجملها إصدارات سودانية بحتة، ترسخ ثقافتنا المنتجة في ذلك البلد، فإن وجودها يعد فرحا غامرا، هنا ستعثر على كتب لعلي المك، ومختار عجوبة وإبراهيم إسحق، وأشعار لمحيي الدين فارس ومحمد عبد الحي ومصطفى سند، والتيجاني يوسف بشير، وستجد مذكرات بابكر بدري، والعديد من الأعمال الشعرية والروائية للمبدعين الجدد، ولعلي في هذا الصدد أشير إلى دار: نرتقي، هذه الدار الشابة التي قطعا ستكبر ذات يوم.، وتقدم لنا أطباقا جديدة من كتاب موهوبين. كانوا بحاجة لدار شابة ومجتهدة لتقديمهم. وكنت قد التقيت في عدد من المعارض الخارجية بالناشرة قاتا، التي أسست دار ويلوز هاوس في دولة جنوب السودان، الدولة الأخت التي لن تتغير مشاعرنا تجاهها، ووجدت عند قاتا أيضا كل ما يمكن أن تبحث عنه في الثقافة السودانية، من تاريخ وجغرافيا وإبداع شعري وأدبي.
ما ذكرته هنا، يدعم مبدأ انطماس المحلية إلى حد ما، أي زعزعة استقرارها القديم، وإن ما كان ينتج في بلد ما، من سلع في أي ضرب من ضروب الإنتاج، لم يعد متاحا له أن يظل محليا، وبخصوص الكتابة، أيضا لن تكون محلية ما دامت الكتب تتنقل من مكان لمكان، ويطالعها الأغراب، سواء من المهتمين بالشأن المحلي لأي دولة، أو المهتمين بشأن الإبداع عموما، مثلا كتاب مثل: الأحاجي السودانية، وهو قصص أسطورية تراثية، ترويها الجدات لأحفادهن، ورويت لنا ونحن صغار، وجمعها الراحل عبد الله الطيب في كتاب مشوق، عثرت عليه في يد قارئ عربي أعرفه، وكان اقتناه ليتعرف إلى تلك الأساطير، وسمعت واحدا يسأل عن ديوان لمحمد عبد الحي، ومحمد سعد دياب، وهكذا تسافر الثقافة السودانية، لتحط في أذهان أخرى.

وعلى الرغم من أن معرض الدوحة جاء في بداية إجازات الصيف، إلا أن الابتهاج به لم يخف، صحيح أن هناك كثيرون من عشاق القراءة، قد يكونون غير موجودين، وسافروا لقضاء عطلهم خارجا، لكن أيضا كان هناك من يتجول ويشتري، وينبهر بالمعرفة التي وجدت هذا العام مضاعفة كما ذكرت، وأعني تلك الدور الجديدة التي انضمت للمعرض، وزادت في تنوعه.
أثناء تجوالي في المعارض، ألتقي كثيرا بأشخاص أعرفهم، وأشخاص يعرفونني، ربما تبادلنا الحديث، عن الكتابة الإبداعية وغيرها من شؤون الحياة، وربما التقطنا صورا تذكارية في ابتسامات ودودة، ومضينا، كل يبحث عن ضالته، وربما جلسنا في واحد من المقاهي الأنيقة، أو المقاهي» الماركات» كما أسميها، إنها استراحات نظيفة، ومجهزة باحتياجات الزوار من طعام وشراب أثناء الوجود في المعرض.
هذا العام التقيت بفتاتين في أوائل العشرينيات، استوقفتاني ليس لالتقاط صورة كما يفعل الكثيرون، لكن لتخبراني بولعهما الشديد بالقراءة وأنهما قرأتا كل ما يمكن قراءته من كتب إبداعية وفلسفية وتاريخية، عثرتا عليها، وفوجئت أكثر معرفتهما الدقيقة بعالمي الكتابي، وفهمهما لبعض الأشياء التي حتى النقاد يشتكون من صعوبتها.
أنا أحترم مثل هذا القارئ الذي ولد قارئا في نظري، وهاتان الفتاتان اللتان تعرفان السيرة الهلالية، وألف ليلة وليلة، والحب في زمن الكوليرا، وغاريللا قرفة وقرنفل، ولدتا قارئتين بلا شك، لذلك لم أتعجل معهما، استمعت لهما بشغف، وتمنيت لو كان كل من في عمرهما، يفعل ذلك بدلا من العبث في الهاتف الجوال، والركض خلف الإنستغرام والسناب شات، والاندماج في ما تبثه الإنترنت من صالح وطالح على حد سواء.
طبعا كلنا يعرف شارع المتنبي في بغداد، وتلك الكنوز التي يحويها من كتب قديمة ونادرة، ولدرجة أن ثقافة العراق تربط في كثير من الأحيان بذلك الشارع، وكم كنت سعيدا بالعثور على عدة أجنحة تمثل ذلك الشارع، متراصة في مدخل المعرض، لا تخطئها العين، واقتنيت منها كتبا لم أكن أظن أنها حية حتى الآن، وتسافر من أماكن تداولها في بغداد إلى قارئ بعيد، فقط كانت أسعار تلك الكتب القديمة، في غير متناول اليد لكثيرين، أنا أفهم أنها كنوز عند باعتها، وربما كنوز عند من يقتنيها، لكن كان لا بد من أسعار أكثر مرونة.. لن أتحدث عن الفعاليات المصاحبة، وأكتفي بالقول إن الندوات كان لها جمهورها أيضا، ذلك الذي حرص على حضورها.
تحية للمواسم المشرقة، مواسم القراءة والكتابة، إنها مثل المواسم الزراعية، فيها حصاد كثير.

كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية