حصار الديمقراطية
يحيي اليحياوي حصار الديمقراطية ليس المقصود بحصار الديمقراطية في هذا المقام، تلك الحالة التي تنقض المؤسسة العسكرية في ظلها علي السلطة السياسية، فتجمد بموجبها القوانين الســــارية والمؤسسات القائمة، وتعطل علي اثرها الحياة المدنيــــة لفائدة قوانين جديدة تسن بقوة السلاح والبارود، وتحاصر جراءها مختلف مظاهر الحياة العادية، لصالح قوانين في الطوارئ أو في الاستثناء تبدو مؤقتة، لكنها تغدو مع الزمن القاعدة التي لا مناص من التعامل معها. وليس المقصود بها حالة الاستبداد الكليانية التي ترتهن في ظلها (لفائدة رأس الدولة ومحيطه) كل المستويات التمثيلية المدنية منها كما العسكرية، وتصادر من بين ظهرانيها جل الحقوق والحريات القائمة (أو المراد إقامتها) وتقيد جراءها كل اشكال التعبيرات المباشر منها كما غير المباشر سواء بسواء.وليس المقصود بها، فوق كل ذلك، حالات النظم السياسية التي تسوق الادعاء بالديمقراطية (عبر التعددية الحزبية أو عبر سعة القوانين المصاغة أو ما سواها) في حين تحتفظ لنفسها بالحق في استصدار مضمونها، أو التلاعب في الإجراءات المحيلة إليها، أو تعمد إلي تلغيمها بقوانين ولوائح وتشريعات تضمن استمرارية الشكل الديمقراطي المعتمد، ولا تخرج إلا فيما ندر عن المتاريس المحددة والخطوط الحمر المرسومة. هي كلها حالات معروفة، مثبتة، متعارف بشأنها ومسوغة، فضلا عن ذلك، باعتبارات تدلل في أحسنها علي أنه حتي لو تم اللجوء إلي السلوك الديمقراطي في جانبه الإجرائي الخالص (عبر الانتخابات أو تعددية الأحزاب والهيئات السياسية)، فإن تعثر المضمون الثقافي للديمقراطية (أي الديمقراطية كثقافة وليس كمجرد إجراء) يجعل هذه الأخيرة في منأي عن التداول السلمي للسلطة، المرتكز علي مبدأ الاحتكام إلي محك صناديق الاقتراع حتي وإن أفرزت الصناديق إياها انقلابا جذريا في الوضع السياسي السائد، أو تغييرا جوهريا في موازين القوي القائمة. وعلي هذا الأساس، فإن حصار الديموقراطية الملمح إليه في هذا المقام، إنما تلك الحالة أو الحالات التي يتراضي الفرقاء السياسيون بموجبها علي قواعد لعبة محددة ، يتم في ظلها التباري علي السلطة، لكنها قد لا ترضي الطرف المنهزم بالمحصلة، فيطعن في النتائج ويتنكر للقواعد المحددة ويرتد (سيما إذا كان محتكرا للسلاح) علي مخرجات العملية جملة وتفصيلا، أو في أحسن الأحوال يسلم بالهزيمة، لكنه يملي علي الطرف المنتصر روزمانة شروط تقوض أسس العملية برمتها وتنسفها جهرا وعلانية: فجبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر حققت، في ثمانينات القرن الماضي، انتصارا انتخابيا جارفا كاد أن يبوئها سبل النفاذ إلي مراكز الحكم والسلطة، لكن خطيئتها تمثلت في كونها لم تبعث إشارات طمأنة للنفوذ العسكري المتجذر ولا إلي أصحاب المصالح المادية والرمزية (بالجزائر كما بفرنسا كما بالولايات المتحدة كما بدول الجوار)، فحوصرت التجربة ونسفت مقوماتها، وتم إجهاض المسلسل برمته، لتدخل الجزائر في أعقابه حربا أهلية أتت علي الأخضر واليابس ولأكثر من عقد من الزمن، ولا تزال تداعياتها قائمة لم تندمل لحد الساعة. هي حالة حصار للديمقراطية نذر مثيلها في التاريخ حقا، وإلا فما مسوغ أن يقبل المرء بحكامة ثنائية الربح والخسارة ويعتمدها مسلكا للتداول السلمي للسلطة، حتي إذا خسر الرهان أحل لنفسه التنكر لمنطوق الثنائية إياها، واستباح حرية المنتصرين وأرواحهم ليزج بهم في غياهب السجون، ويزج بشعب بأكمله في متاهات مجهول أفرز مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء بذنب معلوم أو دونما ذنب يذكر؟ وهي حالة حصار للديمقراطية أيضا تشي، في عمقها، بأن الذين راهنوا علي صناديق الاقتراع راهنوا عليها كإجراءت براء مما قد يترتب عنها من مخرجات، ولم يراهنوا علي أن الصناديق إياها هي المدخل الضروري (لكن غير الكافي) لبلوغ الديمقراطية كثقافة وكأداة في الحكم أيضا. وحركة حماس قبلت بـ اللعبة الديمقراطية (المتعارف علي آلياتها عالميا) فدخلت الانتخابات طوعا وعلانية، وربحت رهانها واعترف لها خصمها المباشر بالانتصار، فكونت في أعقاب ذلك حكومة شرعية، أدت القسم أمام الرئيس وباشرت العمل بناء علي ما ائتمنها عليه ناخبوها، وباتت من تاريخه حكومة فلسطين دونما أدني منازع. لكن لا أحد بالعالم قبل بها، حتي وإن قبل خصمها المباشر بذلك ورضي لنفسه وضعية المعارضة لها تماما كما تجري الأمور بأعتي ديمقراطيات العالم. لم تحاصر حكومة حماس (كما جبهة الإنقاذ بالجزائر من ذي قبل) علي خلفية من تزويرها للانتخابات، ولا لكونها سيطرت علي السلطة بانقلاب مسلح، بقدر ما حوصرت لأنها لم تبعث رسائل طمأنة لإسرائيل (بجهة الاعتراف بها تحديدا) ولا للولايات المتحدة والغرب عموما، بجهة التنازل عن مبدأي المقاومة والمطالبة بفلسطين التاريخية. لم يقتصر حصار حكومة حماس (المتأتية من أعتي الآليات الديمقراطية المتوافرة عالميا) علي مستوي منع المعونات عنها وتجميد أرصدتها والحيلولة دون بلوغ التبرعات والهبات الخيرية إليها، ولا علي مستوي مقاطعة أعضائها سياسيا (بالغرب وعلي مستوي الدول العربية أيضا)، ولا علي مستوي دفعها إلي حالة من العجز في صرف أجور موظفيها الجياع، بل ذهب الأمر بإسرائيل (بمباركة الغرب… كل الغرب) إلي تعمد اختطاف نواب ووزراء ومسؤولين منتخبين ديمقراطيا بتهمة الانتماء إلي منظمة إرهابية ، دونما أدني اعتبار للقاعدة الجماهيرية الواسعة التي حملتهم للسلطة وارتضتهم حكاما لها بالجملة والتفصيل. وإذا كان الغرب قد وجد في سلوكه هذا المسوغات والدفوعات الموضوعية أو بعضا منها، فإن الذي يتعذر علي المرء فهمه أو تفهمه حقا، إنما حالة الحصار الجديدة التي بدأت حركة فتح (وضمنها الرئيس) تدفع بها تحت مسوغ حكومة الوحدة الوطنية أو تحت طائلة المطالبة بانتخابات سابقة لأوانها ، علي أمل إسقاط الحكومة الحالية والإتيـــان بحكومة أكثر واقعية تضمن للشــــعب الخبز أولا وترفع عنه الحصار، وتتابع ما بدأته من مفاوضات ولقاءات ووعود وتطمينات وما سوي ذلك. نحن، بهذه الحالة، لسنا فقط بإزاء حصار للديموقراطية لا يتواني الغرب في الجهر به والعمل علي تشديده، بل وأيضا بإزاء ارتداد علني عما أفرزته العملية الديمقراطية من لدن طرف قبل علي مضض بنتائجها، وجاهر بمحاربة ما أفرزته، ولم يتوان مع الزمن في المطالبة بالانقلاب عليها سرا وعلانية تحت مسوغات عدة، لعل أبرزها مسوغ أن لا ديمقراطية دونما مقومات مادية ترفدها وتترجمها … أي لا ديموقراطية دون رغيف خبز يقول البعض. نحن إذن (بحالة جزائر ثمانينات القرن الماضي، كما بإزاء حالة فلسطين الراهنة) إنما بإزاء حصار حقيقي للديمقراطية لم يبلغ في الحالتين معا درجة الانقلاب المبرح عليها فحسب، بل وكذلك درجة قصوي من الارتداد عليها ما دامت نتائجها غير آبهة بـ التوازنات القائمة ، متنكرة للواقعية السياسية و متمردة علي القائم من واقع الحال .وإذا كانت تجربتا الجزائر وفلسطين هما النموذج الصارخ لحالات الانقلاب والارتداد علي الديموقراطية دونما وجه حق أخلاقي يذكر، فإن ثمة حالات أخري عديدة بالـــوطن العربي يعتبر فيها حصار الديمقراطية القاعدة/الأساس لنظم الحكم.لا يروم التلميح هنا نظم الحكم (القائمة بالخليج تحديدا) ذات الطبيعة الأبوية الخالصة أو ذات النزعة الإقصائية الواضحة (للبدون وللنساء أيضا)، أو الآخذة ببعض من الأساليب الديمقراطية دون غيرها، بقدر ما نلمح إلي حالتين يبدو لنا الحصار في ظلهما لينا وناعما: الحالة الأولي وتتمثل في هيمنة الحزب الوطني علي الحياة السياسية بمصر وتحايله علي القوانين واللوائح والتشريعات، ليس فقط بجهة إقصاء منافسيه ومحاصرتهم بالزوايا الضيقة (كما هو الشأن مع تنظيم الإخوان المسلمين)، ولكن أيضا بجانب ضمان استمرارية الهيمنة إياها إلي ما لا نهاية… وهل ثمة أفق نهاية حقا لو اعتمد التوريث وتكرس، وتحول الفضاء السياسي بمصر إلي مجرد أداة لتكريس وشرعنة وإعادة إنتاج ديمقراطية الحزب الواحد ؟هو حصار للديمقراطية استباقي يقول البعض. إذ فتح سبيل بلوغ السلطة لتنظيمات غير مضمونة السلوك ومحذرا من دهائها السياسي فضلا عن ذلك، إنما هو سلوك استباقي بامتياز، ميزته أنه مقتنع بأن بعضا من الديموقراطية (حتي وإن كانت شكلية) أفضل بكثير وأسلم من الدخول في مجهول قد يترتب عنه (أو هكذا يزعم) استنبات حالة الجزائر أو، ببعض من أوجه التشابه، حالة الحصار علي حماس. أما الحالة الثانية فهي حالة تعامل النظام السياسي المغربي مع بعض الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، والتي قبلت بـ اللعبة الديمقراطية وارتضتها وسيـــــلة لتداول السلطة علي المستويات المحلية والجهوية كما علي المستوي الوطني العام. لا يكمن الحصار، بهذه الحالة، في القوانين الانتخابية المقلصة من إمكانية اكتساح ذات الأحزاب للأغلبية الساحقة (عبر سيناريو تحديد حجم مشاركتها بانتخابات العام 2007 وبالتراضي معها)، بل وأيضا في سن قوانين تقطيعات انتخابية من شأنها بلقنة المشهد السياسي لدرجة يتعذر علي المرء معها معرفة من سيتحالف مع من ضد من.وعلي الرغم من خاصية الاعتدال (لدرجة الانصياع أحيانا للأمر الواقع) التي تطبع سلوك الإخوان المسلمين بمصر وحزب العدالة والتنمية بالمغرب، فإن النظامين السياسيين القائمين بمصر والمغرب (مع التجاوز علي الفروقات القائمة) لا يطمئنان لنواياهما ولا يأخذان كثيرا بوعودهما، ولا يرتكنان إلي الخطاب التطميني الصادر عنهما ، ليس فقط كسلوك احترازي مشروع ، ولكن أيضا إعمالا لمبدأي التدرجية والواقعية اللذين يدفع بهما كلا النظامين. قد تكون التدرجية والاعتدال أمرا محمودا، وقد يكون التحوط من الانزلاقات أمرا واجبا، وقد يكون السلوك الاستباقي أمرا نافعا، لكن كيف للمرء أن يصدق ذلك مع نظم سياسية أدمنت حصار الديمقراطية، وفصلت الثروة والسلطة علي مقاسها ومقاس من يأتي بعدها من أبناء وحفدة؟ہ باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]