«حرب باردة» للبولندي بافل بافليكوفسكي… رصد دقيق لثنائية السجن والحرية

عدنان حسين أحمد
حجم الخط
1

الجونةـ: خطف المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي الذي يقيم ويعمل في المملكة المتحدة جائزة أفضل مخرج في الدورة الحادية والسبعين لمهرجان كان السينمائي، عن فيلمه الجديد «حرب باردة»، المستوحى بشكل فضفاض من حياة والديه اللذين يعتبرهما أكثر الشخصيات الدرامية الممتعة التي صادفها في حياته، على الرغم من المصاعب الجمّة التي أحاطت بهما من كل حدب وصوب.

يتنافس الفيلم ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان الجونة في دورته الثانية، ولعله يخطف جائزة الإخراج أو التمثيل، بدون أن نقلل من فرص الفوز بالجوائز الأخرى.
يبدأ الفيلم بداية توثيقية، حيث نرى ثلاث شخصيات مكلفة بجمع التراث الموسيقي البولندي في القرى والأرياف البولندية النائية، والهدف الرئيس منها هو المحافظة على هذه الكنوز التراثية التي لا تلتفت إليها النُخب الثقافية التي تعيش، في الأعم الأغلب، في أبراجها العاجية الشاهقة، منفصلة عن نبض الشارع، ووقع الحياة في قيعان المدن. ونظرا لجمال الأغاني والرقصات التي يؤديها الجميع فتيانا وفتيات، كنا نعتقد كمشاهدين أن الفيلم لن يخرج عن هذا المنحى التوثيقي، لكن المخرج بافل بافليكوفسكي، صاحب «الملاذ الأخير» و«إيدا» فاجأنا حينما انعطف بفيلمه إلى ظلال الستار الحديدي الذي فُرض على أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سحبنا بهدوء من القرى البولندية الجميلة إلى شوارع برلين الشرقية، ومنها إلى باريس ويوغسلافيا وجعلنا نعيش مع شخصيات الفيلم على مدى خمس عشرة سنة مضطربة، تختلط فيها الموسيقى بالسياسة، ويتلاقح فيها الأدب مع الفن، ويفضي بنا في خاتمة المطاف إلى الذات الوجودية التي تبحث عن حريتها الفردية بعيدا عن الأدلجة الجماهيرية التي تتلاشى فيها إنسانية الإنسان، وتضيع فيها خصوصيته كذات بشرية متوهجة تفعل ما تريد.

تلعب القصة السينمائية دورا مهما في الأفلام الروائية، فثمة ثيمة رئيسة ينبغي إيصالها إلى المتلقين، لكنها ليست كل شيء لأن السينما تراهن على الصورة أكثر من رهانها على الكلمة.

الأداء المبهر

ينطوي الفيلم على شخصيات كثيرة، لكن الأنساق السردية للفيلم تنحصر في ثلاثة اتجاهات، الأول يقوده فيكتور «توماس كوت»، والثاني إيرينا «آغاثا كوليستا»، والثالث سوف يُسند إلى زولا التي تؤدية ببراعة نادرة «جوانا غوليغ» وهي المتخصصة أصلا بالغناء والموسيقى الشعبية. وفي أثناء الاختبارات ينصب اهتمام فيكتور على زولا فتعرف زوجته بحدس الأنثى أن هناك ما هو أبعد من الموهبة في الرقص والغناء، فثمة إعجاب بدأ يتولد بين زوجها وزولا، هذه الفتاة القروية اللافتة للأنظار. وبما أن الدولة مهتمة بتمجيد القائد ستالين آنذاك، وهو أمر يرفضه معظم المثقفين والفنانين البولنديين فلابد أن يغنّوا للقائد في بعض الدول الاشتراكية، لكن فيكتور بدأ يفكر بالهروب، ويخطط لأن ينجو بنفسه شرط أن يصطحب معه زولا التي أحبها من كل قلبه، رغم فارق السن الذي يكشّر عن أنيابه بين الطرفين. لا تسير الأمور كما يشتهي فيكتور لأن بولندا لن تغض الطرف عن خيانته للوطن، حيث تقبض عليه وتضعه في السجن لمدة 15 سنة. وبما أن خيط الحب لن ينقطع تماما فتقرر زيارته في السجن، وانتظاره إلى أن يُخلى سبيله، ويتزوجا زواجا كنيسيا تتلوه زولا بنفسها. وحينما ينتهيان من هذه الشعيرة يجلسان على مصطبة في مواجهة الأفق، ثم ينتقلان إلى الطرف الآخر من المشهد الذي يبدو جميلا من الزاوية الأخرى.

القصة السينمائية

تلعب القصة السينمائية دورا مهما في الأفلام الروائية، فثمة ثيمة رئيسة ينبغي إيصالها إلى المتلقين، لكنها ليست كل شيء لأن السينما تراهن على الصورة أكثر من رهانها على الكلمة. وبما أن الفيلم ليس صورة فقط، وإنما صوت وصورة وإيقاع وخيط قصصي سردي، فلابد من إعطاء كل شيء حقه، وهذا أمر مُوكل ببنية الفيلم الداخلية التي تستوعب كل هذه الاشتراطات بطريقة فنية متوازنة، توضّح فيها فكرة الفيلم الأساسية، ولا تتغافل عن الأفكار الجانبية المؤازرة التي تكشف اللحظات التي يتوهج فيها الممثلون كما حصل لزولا التي تألقت في دورها كمغنية وراقصة شعبية، ثم كحبيبة لفيكتور، وكامرأة لعوب تراقص هذا، وتغــــازل ذاك، لكنها أيقــــنت في أعماقها أنها تحب فيكتور، على الرغم من زلاته وهفـــواته العاطفية، وسنعرف، نحن المشاهدين، أن كليهما متزوج، ويخون زوجه، لكن عذر زولا الوحيد أن زواجها الأول ليس كنيسيا، وأن لها الحق في معاشرة منْ تُحب.
لا تخلو شخصية زولا من غموض محبب فهي تتجسس وتنقل الأخبار للجهات الأمنية لكنها وعدت فيكتور بأنها لن تضره أبدا، لأن الحُب أكبر من أي مهمة رسمية أخرى. وحين يتشاجران قليلا ترمي نفسها في النهر، وتشرع بالغناء الجميل وهي عائمة ولعل هذا المشهد الغنائي العـــائم هو واحد من المشاهد السينمائية الكثيرة التي أبهرت المتلقين. أما شخصية فيكتور الذي تناصف دور البطولة مع زولا فهي لا تقل أهمية عن شخصية زولا، فهو عازف، وقائد فرقة موسيقية، ومحب للحرية لكنه يجد نفسه حبيسا لمدة عقد ونصف العقد قبل أن يُخلى سبيله بمساعدة زولا التي أحبته وأخلصت له، على الرغم من التقاطعات التي كانت تبرز هنا وهناك. والذين يعرفون توماس كوت يدركون أهمية الأدوار المتنوعة التي أسندت له في أكثر من ثلاثين فيلما نذكر منها «مسار» و«آلهة» و«خطأ مطبعي» التي تألق فيها جميعا ونال عنها جوائز محلية وعالمية.
خلاصة القول لن يمرّ فيلم «حرب بادرة» بدون أن يحصد بعض جوائز الجونة، لأنه يرقى إلى مرتبة «التحفة السينمائية» على مستوى الأداء، والموسيقى والغناء، والرؤية الإخراجية التي تعزز سينما المؤلف التي نتلمّس فيها حضور المخرج وهيمنته الواضحة على مختلف مفاصل الفيلم، آخذين بنظر الاعتبار أن هذه الهيمنة لا تصادر المساحات الحرة للطاقم الفني برمته، سواء أكانوا ممثلين، أم مصورين، أم تقنيين يضعون جميعهم موادهم الخام أمام أصابع المنتج الذي يبعث فيها حياة أخرى جديدة قد تضع الكل في دائرة الدهشة والانبهار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية