كلما أدمْتَ النظر في جسد العالم، إلا وبدا لك مصابا بمختلف الندوب الرمزية والمادية، التي توقظ لديك حالة غريزية من التوجس والارتياب، تحسبا لاحتمال تعرضك إلى صدمة كارثية ما، قد تفد عليك من داخلك، أو من خارجك لا فرق. وكما هو واضح وبالملموس، فإن الأمر يتعلق بعدوانية القتل التي يسري مفعولها، بتقنية التناوب المدروس والممنهج، على أكثر من بقعة جغرافية وعرقية. وربما، هو ما يحفز ثقافات وحضارات العالم دونما استثناء، على امتلاك ما يكفي من المدونات العُرفية، الكفيلة بإقناع عامَّتها وخاصتها بجدوى تفاعلها وتأقلمها مع ظاهرة الارتياب على نحو إيجابي، بوصفها حالة طبيعية لا مناص للذات الفردية والجماعية من التعايش معها، ولو على سبيل الإكراه، والخضوع القسري.
ومن المؤكد أن هذه المدونات العُرفِية المصاغة تلقائيا في مقولات حِكَمِية، وفي تضمينات توجيهية مسكوكة، تحظى بمسحة عقلانية، بالنظر لِوَقّعها الملموس في الذوات المجتمعية التي تستأنس بها، خلال مواجهتها لنوائب المعيش، الشيء الذي يجعل منها إطارا ملتبسا ومناسبا في آن، لتَدَاخُل حالات الاقتناع المنطقي والموضوعي، بمنطق التبريرات المبيتة. وكل هذا وذاك، من شأنه مضاعفة حالة الإحساس بالارتياب، كي يأخذ صيغا تعبيرية وسيكولوجية متعددة، من قبيل الرُّهاب، الاضطهاد، الخوف، وغيرها من التوصيفات التي تمليها طبيعة المقام.
وسيكون من الضروري الإشارة في هذا السياق، إلى تميز كل لحظة تاريخية، أو لا تاريخية، بآليتها الخاصة في تصعيد الإحساس بمختلف تجليات حالة الارتياب هذه، بما فيها تلك الآلية المعتمدة في دفع المخاطر عنك. ذلك أن القيم التي تأخذ على عاتقها مسؤولية حمايتك الآن، قد تصبح لسبب أو لآخر، عاملا وجيها من عوامل الإجهاز عليك، إمٌَا بقَتلٍ عاجل أو آجل، قد يكون ماديا أو رمزيا.
إن منطق الترويع المؤشِّر في حد ذاته على بلوغ حالةِ الارتياب مستواها الأقصى في ميزان التصعيد، يجيد هندسة وتشييد منازله، داخل أكثر الأمكنة إيهاما بالحياة. فما من مجال من مجالات حراكك وتفاعلك الخاص، أو العام، إلا ويمارس عليك عنف الترويع والقتل، مهما دعت ضرورته الردعية لذلك. هكذا وبغير قليل من الثبات، يسير الترهيب والترويع بخطى واثقة، بالتوازي مع خطوات الطمأنينة والأمان. ذلك أن لحظة الأمان ليست في الواقع سوى لحظة تراجع الترهيب، الذي يكون في تلك اللحظة منصرفا لشحذ أسلحته، استعدادا لممارسة تنْكيله بك لاحقا، وبمنهجية أكثر شراسة.
هكذا سيصبح الكون ضمنيا فضاء حقيقيا وحتميا للترهيب، وفي الوقت نفسه منصة إخبارية للتذكير بواجب الارتياب المُلْقى على كاهل البشرية المغلوبة على أمرها. وبالتالي، فإن من يمتلك مناعته المضادة، سيكون بالضرورة صوتا نشازا في برمجية إيقاعات الترهيب، التي تكون معنية بإعادة تأهيله كي يسترد عافيته من جديد. إنه تبعا لذلك يصبح قدوة نموذجية للذات المجتمعية المهيأة بالقوة والفعل لتلقي كل نماذج الترهيب الذاتي والمجتمعي. وفضلا عن ذلك، يصبح الترهيب ذاته مندرجا بالقوة والفعل، ضمن مختلف قطاعاتها السيكولوجية والفكرية، التي تتداخل فيها الإقصاءات السياسية، بالعنصرية والحضارية، والتي قد تنتهي بها شراسة التصعيد، إلى تفجير كوارث مهولة من جرائم الإبادات والتصفيات المتوحشة. ولعلها بذلك تعلن عن حقيقة تلك الدواخل الهمجية، التي تمارس بها نسبة عالية من المخلوقات اللابشرية، فتكها اللامشروط بالآخر.
نحن إذن، والحالة هذه، بصدد حرب دائمة مستعرة وضروس، بين مختلف التوصيفات المنبثقة عن الارتياب. فما من ارتياب ثقافي سياسي، أو حضاري، إلا ويكون ناتجا عن ارتياب آخر محايث، يؤثر ضمنيا في تفعيل آليات تفجيرهما معا. ومن المؤكد أنه النواة المتمركزة بسمومها القاتلة في قلب الفواكه الأخلاقية والقيمية دون استثناء، والمهيأة لفقدان صلاحيتها، نتيجة أي انزلاق مباغت قد يطالها من قِبل هذا الطرف أو ذاك. وبالتالي، فإن الارتياب الوجودي هو الوجه الآخر لحالة التوجس، الناتجة عن التهيب من حدوث إخفاق محتمل في اجتياز حواجز تجربة تواصلية ما، بصرف النظر عن السياق الناظم لها. وفي الآن ذاته، ثمة إحساس طاغ يلازم الذات، باحتمال دُنُو خطر محتمل، دون أن يحيل بالضرورة على أسبابه ودواعيه، بقدر ما يتنامى ذلك الحدس الغامض، بحتمية انفجار الكارثة، دون توافر أي مؤشر موضوعي من مؤشراتها.
والملاحظ أن الخطابات الإقناعية والحجاجية المهيمنة على المنابر الإعلامية، كثيرا ما تميل إلى ترهيب الكائن بأساليب تمويهية، قصْد المبالغة في تضخيم وعيه بالمخاطر المحدقة، انطلاقا من تكريسها لهوية واقع غالبا ما تُلحُّ على تشبيهه بخزان ناري ينذر بقرب انفجاره. بمعنى أن هذه الخطاباتِ تتدخل بشكل مباشر في دمج العالم داخل جسد الكائن، حيث ما من نازلة كبيرة أو صغيرة يمكن أن تقع في جنبات رَبْعه الخالي، إلا وستجد صداها المباشر في دواخل جسده الصغير، بعد أن أمسى خلسة بحجم سعة العالم، حتى إن كل ما يحدث هناك، أمسى قابلا لأن يحدث هنا، بقوة التقنيات الحديثة، وبأقصى فظاعة ممكنة ومتخيلة.
هكذا سيتدخل الإحساس بالكارثة الموشكة في إلغاء الحدود الجغرافية والسياسية واللغوية القائمة بين الشعوب، وسيصبح التعاطف الارتيابي عاملا مُوَحِّدا لتفجير الكراهية المتبادلة بامتياز. وبموازاة ذلك، ستحتفظ كل ذات بخوفها الخاص بها، على ضوء إعادة إنتاجها لتداعيات للأحقاد الحضارية وكوارثها الإبادية، بما ينسجم مع بنياتها الفكرية والسيكولوجية. من هذا المنطلق سيصبح الكائن نهبا لكل أنواع الرعب، بفعل تعرضه الدائم لصدمات عالية ومتتالية من الترهيب الخارجي، بما يساهم في تحويله إلى مولد طبيعي للرعب، ويزج به في حلقات متتالية من مسلسل الترويع الدائم، ولو احتجبت الأسباب المباشرة عن دائرة الرؤية. هكذا أمست الأرض ضيقة بسرديات يحفر فيها القتل شعابه ووهاده أفقيا وعموديا، وفي كل الاتجاهات الممكنة والمستحيلة، فحيث يوجد الكائن، مفردا، أو جمعا، يلتئم شمل تلك الأحوال الرُّهابية التي تتكامل وتتناسل من حيث تشابهها وتعارضها، حيث لا يتبقى للفراغ مجال كي يطمئن على امتلائه. إنها تمارس ما يشبه ضربا من الاكتساح التلقائي والطبيعي المعلن والخفي للأراضي، للغات، وللأرواح والأجساد، كما لو أن الأمر يتعلق بضرب من التواطؤ الجحيمي القائم بين العناصر. بين الأمكنة والأزمنة. بين سلبيات العناصر وموجباتها، من أجل إحكام منهجية التطويق والحصار. وعبثا يستميت الكائن بكل ما ملكت قواه، في ممارسته العبثية للعبة التَّلافي والتَّفادي، كي يفاجأ في نهاية المطاف وضدا على إرادته، بمحنة تهشم عظامه على حديد ذلك الجدار الإقصائي الماثل أمامه بإصرار، والمتناسخ في مختلف تشكيلاته وتجلياته.
إن التأمل الآثم في أغلب القيم الإنسانية التي تتغنى بها المدونات الحقوقية، سيكشف عن فداحة ما يتخلل تفعيلها من بياضات وثغرات صادمة، فور وضعها على محك الوقائع الدامية، التي تضيق بها جنبات العالم. لكن! فضلا عن ذلك، ما الذي يتبقى حينما يتم البحث عن المفقودين في أمعاء الكلاب الضالة داخل زمن غارقة جذوره في أوحال الارتياب؟
شاعر من المغرب