حضارة دِلمون في لوحات البحريني محمود البقلاوة

موطنُ الآلهة، أرض الخلود المُباركة بالثروات والعِصمة من المرض والموت التي شد ملك بلاد الرافدين العظيم رِحاله إليها راجيًا الحصول على سر الحياة الأبدية الكامن في عمق مياه بحرها المُقدَّس بشهادة اللوح الطيني الحادي عشر من ملحكمة «كَلكَامش» السومريَّة.. بهذا عُرِفَت حضارة «دِلمون» التي قامت على أرض المنطقة المعروفة اليوم بالبحرين وشرق الجزيرة العربية خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، ولهذا اتخذ الفنان التشكيلي البحريني محمود عبدالصاحب البقلاوة من تاريخها الثري بالإلهام منبعًا خصبًا يستوحي منه مضامين لوحاته، مُسلطًا الأضواء على جوانب من تلك الحضارة لتعزيز ثقافة الأفراد ورفع مستوى وعيهم بها.
يمتزج الواقع المُستمد من حقائق تاريخية كشفت عنها الأبحاث الأثرية بجاذبية الحكايات الأسطورية والأحداث الخيالية المُستوحاة من النظريات المُرتبطة بأنماط الحياة المُجتمعية في ذاك الزمان والمكان على لوحات الفنان محمود عبد الصاحب البقلاوة، ولعل من أبرز النصوص البصرية التي تعكس هذا التمازج على لوحاته تلك اللوحات التي تجعل من الكتابات المسمارية عناوين أساسية أو فرعية لها.

نصوص مِسماريَّة

بدأت الكتابة في حضارة دلمون صورية رمزية ثم انتهت إلى مسمارية منذ 3000 عام قبل الميلاد لتعكس بعض جوانب الحياة المادية والفكرية والدينية في المُجتمع الدلموني، وبها سافر إلينا عبر الزمن جزء من تفاصيل تلك الحضارة وأسرارها المحفورة على ما تبقى من جُدران المعابد والأختام وغيرها من اللُقى الأثرية، تلك الكتابات التي كانت جُزءًا من محاولات الفنان سبر أغوار تلك الحضارة تحولت إلى مواضيع ترتسم على لوحاته سواء بالرسم أو الطباعة أو الكولاج، فحينًا تحتل تلك الحروف اللوحة بأكملها كطلسمٍ جذّاب لمن يجهل تلك اللغة، وأحيانًا تتناثر حول الشخوص الدلمونية التي يختار رسمها لتحكي جانبًا من حواراتها الداخلية مع ذاتها أو جدلها القائم مع الآخر، فبينما نرى الرموز المسمارية تحتل اللوحة بأكملها مُفصحةً عن نص من النصوص المُقدسة أو أدبيَّات تلك المرحلة في إحدى اللوحات؛ نراها في لوحة أُخرى تُعبر عن الحوار القائم بين تاجر يبيع دبس التمر الذي يُعتبر سلعة دِلمونية قيمة وبين المُصدِّر الناقل لتلك السلعة إلى خارج دِلمون، وفي لوحةٍ ثالثة تصور خطابًا يتوجه به كاهن مُحاط بالقداسة إلى المُجتمع الدلموني.

أختام وشخصيات

عُرفت أرض «دِلمون» بدورها الفعال في الحركة التجارية لا سيما مع حضارة وادي الرافدين وحضارة وادي السند وحضارة عيلام، وكانت «الأختام الدلمونية» المُصنَّعة بمهارة فنيَّة عالية من أبرز الدلالات على الحركة التجارية وتبادلاتها في المنطقة، من عالم الأختام استوحى الفنان مجموعة أخرى من مضامين لوحاته كالشخصيات التي تتسم بطابع القداسة، والتجَّار، والحيوانات التي امتاز وجودها في تلك المرحلة بقيمة عالية، منها الثور الدلموني، والغُزلان، وأفعى دلمون المُقدسة، وعن هذا علَّق الفنان: «أعتقد أن أعظم ابتكار أو إنجاز في تاريخ الإنسانية لم تكُن الأداة الحجرية، ولا صهر المعدن بالحديد والنار، بل التعبير الصوري والرمزي الذي اخترعه الدلمونيون المُبدعون الأوائل من خلال ابتكار وسائل تواصُل وتعارف وتعريف، فكانت بدايات في النقوش واستخدام القواقع البحرية والصدفيات، حتى كان الختم شبيهًا باستدارة القوقع البحري، بهذا كانت الأختام البديعة وكانت مدرسة دلمون الفنية ذات الرموز التي تُعبر عن أفكار الناس في تلك المرحلة».
في سياقٍ آخر حاول الفنان ببعض لوحاته توثيق الحضور التاريخي لبعض الشخصيات المعروفة بتأثيرها في تلك الحضارة مثل: الحكيم «زيوسودرا» الذي كان هدفًا لزيارة الملك «كَلكَامش» والحاكم الدلموني أوشينا نوري نائب الملك البابلي الرافديني، وشخصيَّات دِلمونية مُتخيَّلة مثل السيدة «زيدوري» لتكون تلك اللوحات بمثابة أجنحة تطير بالمُخيلة نحو فضاءاتٍ تعبر حدود الزمن نحو تاريخٍ يستحق التأمُّل.

كاتبة سعودية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية