حضرة المتهم المؤلف الملاكي .. أبي: حمي التوريث المصرية تمتد الي صنعة المسلسلات!
د. عماد عبد الرازقحضرة المتهم المؤلف الملاكي .. أبي: حمي التوريث المصرية تمتد الي صنعة المسلسلات!حمي المسلسلات التلفزيونية التي تجتاح شاشات الفضائيات العربية في هذا الوقت من كل عام بحلول شهر رمضان الكريم، لا يضاهيها في الانتشار سوي تفشي موجة ابناء وبنات الفنانين والفنانات، في ظل النظام العائلي الوراثي الذي بات يعيد استنساخ ذاته ويفرخ تنويعات متجددة كل يوم في سائر أرجاء المحروسة من قمة الهرم السياسي الي الامبراطوريات الاعلامية مرورا بهيئات التدريس الجامعية، وليس انتهاء باقطاعيات البزنس والتجارة وسائر مفردات تركة الوطن المنهوب.سيرا علي العادات الرمضانية الحميدة، عاد الفنان نور الشريف ليطل علي الجمهور من الشاشة الصغيرة (طالما أن السينما أدارت ظهرها أو اوشكت له ولحفنة أبناء جيله حتي بات نجمهم قاب قوسين أو أدني من الأفول ـ باستثناء فيلم يتيم من حين لآخر مثل عمارة يعقوبيان ـ، فتبا لفن السينما الغدار الذي لا يكيل بالباذنجان ويتنكر لنجومه بين ليلة وضحاها). عاد نور الشريف بمسلسل حضرة المتهم أبي الذي يزعم أنه يتناول قضية الفساد، وأشياء أخري من البطالة ولا جدوي التعليم الي المخدرات والبلطجة وما تيسر من مكسرات رمضانية. المسلسل من النوع الطويل النفس، أو لنقل مسلسل طويل الباع من الطراز الرمضاني الأصيل الذي تتقطع أنفاس المشاهد في متابعة انحناءاته والتواءاته الدرامية الموظفة خلالها شتي ألاعيب المط والتطويل حتي يظل صامدا طوال أيام الشهر الكريم وان أزهقت أنفاس المشاهد المسكين. وهذه لو تعلمون آفة مزمنة من آفات صنعة المسلسلات التلفزيوينة التي تشترط أطوالاً وأعداداً بعينها للمسلسلات (الرمضاينة منها بوجه خاص)، ومن هنا يجتهد المؤلفون ويقدحون زناد قرائحهم ويعتصرون أقلامهم حتي تجود بما تيسر من مشاهد الحشو والتطويل والشخصيات الطفيلية المقحمة دون أي ضرورات درامية ولا فنية، باستثناء تشغيل الأقارب والمعارف والمحاسيب من المتنطعين وأنصاف الموهوبين. لا نبالغ ان قلنا ان مسلسل حضرة المتهم أبي فقد زخمه الدرامي قبيل اكتمال الحلقة العاشرة، وراحت أحداثه من تلك النقطة فصاعدا تنداح يمينا ويسارا في حبكات فرعية وحكايات ثانوية لا تصب بالضرورة في مجري الصراع الدرامي الرئيسي الذي انطلقت منه الحلقات، ويدور حول تنافس مراهقين علي الفوز بقلب حسناء النادي نيجار ابنة رجل الأعمال فاحش الثراء. هذا الصراع نفسه لا يستغرق كثيرا قبل أن يفرغ من مضمونه سريعا في الحلقات الأولي ومن ثم يفقد قوة دفعه الدرامية، بعد أن يصل الي ذروته في شكل تحول المنافسة الي معركة مراهقين تصل الي قسم الشرطة وتتحول الي صراع ارادات بين ابن الأثرياء ذوي النفوذ وابن المدرس المتواضع، ممثل المغلوبين علي أمرهم، وتكون النتيجة محسومة بالطبع للأقوي. اذ يضطر الأب المدرس للتراجع عن شكواه ضد المعتدين علي ابنه بالضرب المبرح، أمام تهديدات اصحاب النفوذ الذين كشروا عن أنيابهم وتجلت عينة من تهديداتهم في شكل عرقلة البعثة الدراسية لزوج ابنة المدرس الي بريطانيا. هذا الصراع الذي وصل ذروته ثم استنفد زخمه في الحلقات الأولي جاء انفراجه مشفوعا بسيل من المواعظ والدروس المستفادة تلاها الأب الحصيف والمدرس الفاضل مستر عبد الحميد علي مسامعنا ومسامع ابنه العزيز الذي يأبي أن ينصاع لحكمة أبيه ويستوعب درس الحياة الأهم حول دور المال والسلطة والنفوذ في تحديد مصائر الناس، الفقراء والضعفاء منهم بوجه خاص. يحاول المسلسل اعادة نفخ الحياة الدرامية في هذا الصراع الذي حسم مبكرا أكثر من مرة دون جدوي، اللهم الا من حشو بضع حلقات بمعارك مفتعلة وشطحات في مسارات جانبية لعديد الشخصيات الثانوية، لكنها سرعان ما تؤدي دورها في تطويل الحلقات، ويتركها المؤلف دون عودة لينتقل لشطحة أخري لا تقل عن السابقة فقرا وافتقارا للزخم الدرامي. لو أن مشكلة حضرة المتهم أبي اقتصرت علي آفة المط والتطويل لربما جاز احتماله او الغفران لمؤلفه، علي اساس أنه ليس وحيدا بين المؤلفين في انصياعه لضرورات صنعة المسلسلات، وايضا لأن رمضان شهر كريم سخي العطاء ولا بأس من ربط المشاهدين فيه أمام الشاشات بالساعات يستمتعون خلالها بما لذ وطاب من المسلسلات، وما لذ وطاب من المأكولات والمشهيات. لكن المسلسل المذكور طالته أيضا الآفة الأخري الأكثر انتشارا في مصر المحروسة، وهي توريث المواهب والمناصب والكراسي، قبل توريث المال والعز والجاه والسلطان. المؤلف محمد جلال عبد القوي يبدو انه ـ والعلم اليقين عند أهل التلفزيون ـ قدح زناد فكره أياما وليالي ليفصل المسلسل علي مقاس المحروس ابنه الذي يضطلع بدور أحمد ، ابن المستر عبد الحميد وهو دور رئيسي ان لم نقل دور بطولة، علما بأن اسمه في الحقيقة هو أحمد أيضا. (أي أن المعني ليس في بطن الشاعر هنا). ولكم أن تتخيلوا دون عناء كبير، المؤلف جالسا في صومعته يستجدي ربات الالهام أن تغدق عليه من وحيها، وكلما خط بضعة سطور سارع الي عرضها علي ابنه، أي أن الابن تمتع بحظوة لم ينلها أي من المشاركين في المسلسل باطلاعه علي الابداع طازجا ومن مصادره الأولي، ومع ذلك لم يبد أن هذه الحظوة أفادته كثيرا في أدائه للدور، ولا حتي ما تلقاه من علم وتدريب في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي يدرس في صفه الثالث (ويعلم الله وحده كيف اجتاز اختبارات القبول فيه). للأسف الشديد فان نصيب المحروس أحمد أو ميدو في المسلسل، من الموهبة جد متواضع، وهو يبدو تائها في الدور، غارقا فيه كمن يرتدي ثوبا فضفاضا يجرجر أطرافه فتتعثر به أقدامه كلما خطا قليلا في أي اتجاه. يفتضح هذا بشكل خاص في المشاهد التي تجمعه مع ابيه، نور الشريف، ويتضح بجلاء أكثر في تلك التي ينفرد فيها بالكاميرا وبالأحري تنفرد به فتزيغ عيناه ويحملق مذهولا فينا نحن المشاهدين، وقد اعيته الحيل بيديه الطويلتين لا يدري ماذا هو صانع بهما فيتركهما تتدليان في حيرة علي جانبي قامته الفارعة، ولا تعبير ولا تشخيص ولا تمثيل ولا حياة لمن تنادي، فتخرج الكلمات من فمه هزيلة لا تحمل شبهة انفعال او توتر. (وصحيح ان الفن لا يكيل بالباذنجان في بلد يفوق عدد سكانه السبعين مليونا ويكتظ بملايين الشباب والشابات من أصحاب الطاقات المعطلة، لكن المواهب والفرص تأبي الا أن تطرق أبواب ابناء الفنانين والمشاهير واصحاب الجاه والمال، دون سواهم. وما من أحد يعترض علي أن يتبوأ الموهوبون منهم الأماكن التي يستحقونها، لكن المشكلة أن نظاما يعيد انتاج نفسه علي هذا النحو المريب لن يكون عادلا ولا منصفا ولن يفرز الأفضل ولا الأجود، بل سيعيد انتاج أسوأ ما فيه.) فلنترك التمثيل الرديء جانبا بعض الشيء (وهناك الكثير الكثير منه في مسلسلات هذا العام)، لنتوقف عما يقوله هذا المسلسل الفذ الذي بهر الجمهور وأدهشه. المربي الفاضل كامل الأوصاف الأستاذ عبد الحميد الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الصراع الدرامي في المسلسل بكل تفريعاته الثانوية، الضرورية منها والزائدة عن الحاجة أو المجلوبة لغرض الحشو والتطويل، هي نفس التيمة الأبدية المتكررة دوما وأبدا في عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات وما لا حصر له من المعالجات العربية: الحب المجهض. بين شاب فقير من أسرة متواضعة وفتاة (لا بد وأن تكون فاتنة تنتمي لعائلة فاحشة الثراء)، وهي هنا أيضا الابنة الوحيدة ونصيبها من التدليل لا حدود له بفضل طلاق أبويها ومن ثم فكلاهما يتنافسان في ارضائها وتدليلها بشتي الطرق. وهو تنميط آخر لم نر دليلا عليه في أداء الممثلة للشخصية، فهي تبدو ناضجة ومستقلة أكثر بكثير من حبيبها الساذج الذي لم يلق تدليلا ولا ذاق طعم النعيم. والأب الفاحش الثراء ذو الجاه والسلطان والنفوذ يتحول الي حمل وديع أمام رغبات ابنته ونزواتها لا يستطيع ان يرفض لها طلبا. وهو يكابد العناء طوال المسلسل بحثا عن اجابة لسؤال أبدي آخر، ما الذي يعجب ابنته التي ترفل في النعيم بهذا الشاب الفقير القادم من أزقة وحواري العمرانية ، أحد احياء محافظة الجيزة المكتظة بالسكان؟ وهو نفس السؤال الذي يحير خصوم الشاب أحمد الذين لا يترددون في القائه في وجه الحسناء نيجار علي سبيل التعريض بحبيبها والسخرية منه ومن أصوله الفقيرة. لا يقدم المسلسل أي جديد علي صعيد تناول هذه التيمة، بل انه ينكفئ علي نفسه في استثمار كافة العواطف وردات الفعل الانفعالية المنبثقة عن مثل هذا الصراع التقليدي المستهلك، وعلي نحو ميلودرامي زاعق أحيانا، لكنه بالتأكيد يداعب ذات الأوتار العاطفية لدي الغالبية العظمي من جمهور المسلسل الذين ينتمون لمعسكر الطبقات الفقيرة والمتوسطة او المتواضعة، وفي مقدمتها بالطبع ذلك الحلم الطوباوي الأزلي بامكانية رأب الهوة الفاغرة بين الفقراء والأغنياء عبر الحب الذي يحطم المستحيلات. الحب لا يحطم شيئا هنا بل سرعان ما يتحطم في أقرب مواجهة مع الواقع وينجرف الي مسارات هامشية علي شكل معارك بلطجة بين المراهقين المتنافسين علي قلب الحبيبة، وتتطور الي معارك وخصومات قانونية بين أسرتي الشابين، لكن هذه وتلك سرعان ما تحسمان لصالح الأقوي والأكثر نفوذا ومن ثم تجهض هذه التطورات الفرعية بعد أن تستنفد طاقتها علي شحذ الحدث ودفعه دراميا ونوشك أن نصل الي نهاية المسلسل بالمنطق الدرامي، لولا أنه شهر رمضان ولا بد من المضي حتي الحلقة الثلاثين، فيعرج المؤلف من جديد علي مسارات فرعية تحاول أن تنفخ الروح في جسد الصراع الرئيسي الذي لفظ أنفاسه مبكرا. تارة نري الأب يلقي باللوم علي أبيه في أنه تنازل عن حقه ويقرر هو أن يسلك طريقه الخاص في القصاص عن طريق البلطجية، وتارة نري هذا المسار ينتهي الي مصالحة وصداقة بين المتخاصمين، ثم يتطور الي علاقة حب جديدة بين هنا ابنة عم الشاب الفقير و خالد ابن رئيس تحرير الصحيفة التي تتدرب فيها هنا . وعلاقة حب مشوهة أخري تنتهي بالزواج بين أم هذا الشاب المطلقة وبين شاب فقير آخر يعمل لديها في محل الأزياء بعد أن فشل في الحصول علي الثانوية العامة. وتنتهي العلاقة بالزواج الذي يقابل بلطم الخلود والنواح والانكسار من أسرتها خاصة الفتي خالد الذي اصابته عقدة من النساء، كل النساء، ومن ثم يتخلي عن صديقته هنا بعد أن كانا قد تزوجا عرفيا في السر، ويتركها تندب حظها ومصممة علي الانتقام. كل هذا ونحن لم نبرح الحدوتة الرئيسية للأستاذ عبد الحميد دراز معلم اللغة العربية واسرته شبه النموذجية . فالعلاقة بين الأب وابنه تعرضت لانكسار منذ ان تنازل الأب عن القضية التي كان رفعها ضد المعتدين علي ابنه (انقاذا لمستقبل ابنته وزوجها الذي كاد أن يفقد بعثته الدراسية للخارج بسبب صراع الأقوياء والضعفاء، وهي تنويعة سريعة علي احدي أوجه الفساد المستشرية في المجتمع حاليا). وتمر العلاقة بفترات متفاوتة من التوتر والمصالحة والتقارب والبعد، دون أن ترسو علي مضمون بعينه سوي أن كل ذلك يخدم اطالة الحلقات بدفع الشاب في طرق متعرجة نحو البلطجة تارة ثم تناول المخدرات ثم الاتجار بها، وكل هذا علي خلفية فقدانه البراءة المفاجئ الذي نجم عن اكتشافه حقيقة العالم الذي يحكمه الأقوياء والأثرياء، ويعني هذا كفره بالعلم والتعليم، وكفره بالحب وأوهامه طالما ظل الفقر جاثما علي حياته. في كل هذا نتابع شخصية الأستاذ عبد الحميد المقدمة هنا علي نفس النمط المثالي المتكامل الذي يحلو للمؤلفين أن يفصلوه علي مقاسات النجوم الكبار. فهو معلم نموذجي، ومربٍّ فاضل وأستاذ أجيال عديدة تخرجت علي ايديه من المدرسة النموذجية التي يعمل بها (وله مكتب فخم يليق بمدير عام لم أر مثله في أي مدرسة حكومية ولا يقل وجاهة عن مكتب ناظرة المدرسة.) وهو بالطبع أب نموذجي متفان ككل الآباء المصريين في سبيل اسرته، لا ينقطع عن المذاكرة لهم في البيت والسهر علي راحتهم والكد من أجلهم ليل نهار، بل سيصل به انكار الذات الي حد الكذب بشأن المخدرات التي عثرت عليها الشرطة في حقيبة ابنه حين داهمت المنزل، فيزعم ان الحقيبة حقيبته ليفدي ابنه وينقذه من السجن. وهو بالطبع زوج مثالي أيضا، فالعلاقة بينه وبين زوجته لا تشوبها شائبة، يتبادلان عبارت المديح والثناء ويتفانيان في اظهار حرصهما علي بعضهما البعض. هو رؤوف جدا بها لا يقل لها أف ويحنو عليها من سهرها الدائم علي راحته وأسرته، ولا يخاطبها الا ولسانه يلهج بعبارات الامتنان والتدليل. والزوجة آمال (معالي زايد) تعاني حقا من اسهال مشاعر وعواطف وانفعالات، سريعة الصراخ والعويل في المواقف العصيبة أو حين يلوح شبح احداها في الأفق، وهي تذرف الدموع سريعا سيان في الأفراح والأتراح. لقد صورت معالي زايد الشخصية علي نحو هو أقرب الي استنساخ شخصية زوجة سي السيد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ، علي الرغم من الاختلاف الواضح بينهما، فزوجة سي السيد كانت امرأة جاهلة في مطلع القرن العشرين، أما آمال فهي علي قدر من التعليم وامرأة عاملة، ومع ذلك كان أداؤها المبالغ جدا ((Overacting يبدو مفارقة حقا، لأنه يقربها كثيرا من زوجة سي السيد فاذا عرفنا أن هذا الدور بالذات لعبته أمها الممثلة الراحلة آمال زايد، ربما فهمنا وجه الشبه بين آمال الراحلة وآمال المسلسل. بكائيات عائلة دراز المبالغة في الأداء لا يمكن تصورها بمعزل عن المبالغة في تصوير الشخصيات، لأن الممثل في النهاية محكوم بأبعاد الشخصية كما رسمها المؤلف، أو علي الأقل بفهمه واستيعابه لهذه الشخصية. وما لا يغتفر لهذا المؤلف كثير في الواقع، دون تجنّ، وفي مقدمة ذلك رؤيته للواقع الذي يصوره. هناك مثلا التناقض الصارخ بين منظومة القيم التي يتمسك بها الأب، وبين الحال الذي آلت اليه هذه القيم في الواقع. ان التحول الحاد الذي ينقلب اليه الابن بعد اصطدامه بالواقع يعكس فشلاً تربوياً في المقام الأول. اما أن الابن كان غارقا في العالم الطوباوي الذي نسجه الأب لنفسه ولأسرته، أو أن التحول الذي طرأ علي شخصيته كان ميلودراميا فجا حين يكتشف مكانه الحقيقي في المجتمع وأن الهوة الشاسعة بينه وبين حبيبته لا يمكن ردمها بالكلام المعسول وحده (وإن كنا لم نر من ذلك شيئا ولا مشهدا رومانسيا واحدا، وهو فشل آخر للشخصية ولمؤديها). نفس الموقف الملتبس نجده من قضية التعليم. لقد مر المجتمع المصري بتغيرات وانعطافات حادة اقتصاديا واجتماعيا في العقود الأخيرة، وتبدل سلم القيم فيه علي نحو يعكس هذه التغيرات. ومع ذلك لا يزال كتاب المسلسلات من أمثال محمد جلال عبد القوي يتعاملون مع قضية التعليم بقدسية ينكرها الواقع المصري. لماذا أحس الأب بمصيبة حين لم يحصل ابنه علي مجموع عال في الثانوية العامة يؤهله لدخول كلية مرموقة؟ ولماذا الاصرار علي هذا الترتيب الهرمي للكليات الجامعية حين بات جليا للجميع ان الشهادة الجامعية وحدها (لا طب ولا هندسة ولا علوم سياسية، ولا أي تخصص آخر) لا تكفي لضمان وظيفة فما بالك بالمستقبل الواعد؟ لماذا يتعامي هؤلاء المؤلفون، في تماهيهم مع الشخصيات التي يرسمونها، عن ذات الواقع المترع بالفساد والمحسوبية والرشوة والذي لا يملون هم من تصويره؟ لماذا ينسون ذلك حين يتعلق الأمر بتناول منظومة القيم التي تحكم الأسرة المصرية في قضايا مثل التعليم والمستقبل المهني؟ ومن قال ان التعليم الجامعي هو السبيل الأفضل لضمان مستقبل مرموق؟ ليس هذا صحيحا في العديد من البلدان المتقدمة، وهو بالتأكيد ليس كذلك في مصر المحروسة. ان الاعلاء من شأن التعليم الجامعي في مصر الي حد القدسية انما يبطن في الوقت ذاته احتقارا لكل ما عداه من طرق مهنية قد يسلكها التعساء الأقل حظا الذين لم تصبهم نار التعليم الجامعي المقدسة. تلك عقدة بالتأكيد تعود جذورها الي عقود مضت، حين كان التعليم مقصورا علي أبناء الأغنياء، وتحولت تلك الي عقدة تمسك بخناق المجتمع بعد ثورة يوليو خاصة بعد أن أعلن المفكر الراحل طه حسين قولته الشهيرة ان التعليم كالماء والهواء. وانظر الي الطامة الكبري، أي تجليات هذه السياسة التعليمية الرعناء، فمصر علي توالي العقود لا تزال تتوسع في انشاء المعاهد والجامعات، رغم الفشل الذريع في استيعاب الخريجين عاما بعد آخر. بل انظر مثلا الي عبثية التخصصات من قبيل قسم الفلسفة في كلية الآداب، الذي كان يضم ما لا يقل عن ستمئة طالب (ربما قبل عشر سنوات) وكان هناك نحو عشر كليات آداب، يتخرج كل عام منها أكثر من ستة آلاف فيلسوف ، الغالبية العظمي منهم سيجلسون علي المقاهي، أو يعملون سائقي أجرة، والبنات يتجوزوا ويقعدوا في البيت ، وقس علي هذا عشرات التخصصات الأخري التي لا مكان لها في سوق العمل والتوظيف، أما عن مستوي الخريجين في هذه التخصصات، فحدث ولا تخف.الطريف أن نفس الأسرة التي أقامت مأتما ولطمت الخدود حين لم يحصل الابن الأصغر علي مجموع يؤهله لدخول كلية محترمة ، أقامت فرحا حين تم قبوله في كلية الشرطة. علما بأن نفس المجموع كان يمكن أن يؤهله لكلية الحقوق، التي كان ينظر اليها في النصف الأول من القرن العشرين بوصفها كلية الساسة والوزراء وكبار رجال الدولة، أما اليوم فصارت من كليات القاع التي لا يتقدم لها الا الطلاب الذين سدت في أبوابهم الكليات الأخري، علي الرغم من الطبيعة الجادة والرصينة للدراسة الأكاديمية فيها والتي تتطلب قدرات عقلية عالية، ولذا فان الالاف الذين يتخرجون من هذه الكليات (يوجد اكثر من عشر منها) كل عام يجدون أنفسهم علي قارعة الطريق في سوق العمالة وبالأحري البطالة، جنبا الي جنب آلاف من زملائهم خريجي الكليات المحترمة . المفارقة ان تغير هذه الأوليات التعليمية انما يعكس من ناحية أخري صعود العسكرتارية في مصر طوال النصف قرن الماضي، وتراجع الطبقات المتوسطة التي فقدت مكانها في قيادة المجتمع، ولذا نجدها تسعي دائما للتعلق بأهداب السلطة الجديدة ومواقعها السلطوية، وهو نفس ديدن البيروقراطية المصرية التي يستشري فيها الفساد كونها باتت مرهونة بذهب السلطان وسيفه. القضية برمتها تعكس جانبا من بؤس تصورات الطبقة المتوسطة، والطبقات الأدني المتلهفة للحاق بها في مصر، وفي ظل هذه الهوة الشاسعة بين الطموحات والتوقعات من ناحية، وبين الواقع الذي يضيق بأبنائه يوما بعد آخر، كيف لأحد أن يدهش من تفشي ظواهر كالمخدرات والبلطجة والفساد والرشوة، وتحول المجتمع الي تركة منهوبة يتوارث فيها الأغنياء والأثرياء واللصوص والأفاقين المناصب والمغانم، ويتوارث الفقراء فقرهم وبطالتهم واستغراقهم في الأوهام من النوع الذي يروج له كتاب المسلسلات. ناقد من مصر يقيم في امريكا0