حضنها المنفلت

حجم الخط
4

لم يكن متوقعا أن أصبح قاتلا. لذا لم أستعد لهذه اللحظة. أتيت إليها عاريا من كل خطط مسبقة… لم آت إليها فعلا. لقد حدث الأمر فقط. ماذا أفعل بشعرها الآن؟ كنت أحب أن أشده وأنا أسمعها تصرخ عندما يتوهج جسدانا في عناق حميمي. ماذا أفعل بيديها الآن؟ كنتُ أعشق وخز أظافرها في صدري وظهري عندما نتشابك كعدوين أو حبيبين.
لا أظنني اخترت شيئا. لم أختر هذه اللحظة. لم أختر ما سبقها. ولدت في الصيف وكنت أفضّل لو أتيت إلى هذا العالم في حميمية الشتاء. والدي، الوزير كان سعيدا بابنه الأول. اختار لي اسمه وأرضه ومنصبه. كان عليّ فقط أن أتبع الطريق الذي رسمه لي. طريقا معبدا وجميلا. ضحكت كثيرا وأنا أنتقل من حضن إلى آخر؛ حضن أمي، حضن المدرسة، حضن البنات، وحضن البلد.
الماء الذي ينساب من يدي أحمر. أحمر يناقض زرقة شفتيها. أنظر إلى الخلف فأراها مستلقية هناك. كأنها فقط آثرت النوم على أرضية المطبخ. من يحب النوم على أرضية المطبخ؟ من يختار القتل في مطبخ قديم، ألواح خزائنه فقدت لونها الأصلي. احتكت بها أيد كثيرة وهي تجهز أكلات جديدة. أشعر بالجوع. شربت كثيرا. شربتُ وقبَّلتُ الأحمر الذي انساب على طرف فمها المدور الصغير ليصل مثل أول الفيضان إلى ما بين نهديها فأسفل وأسفل.
أتيتُ إليها مباشرة من اجتماعي مع المنتخبين. وعدتهم بالأمن. ستخرجون ليلا من دياركم لتحبوا في الشوارع المظلمة، ستُقَبِّلون حبيباتكم دون أن تعترضكم رغبات لص جائع. لن يظل هناك لص جائع يهدد سلامتكم. قال والدي عندما هاتفته بعد الاجتماع، استعد للوزارة. ابتسمتُ للهاتف، ومقود السيارة والشرطي الذي رفع يده بالتحية. أرخيت قليلا ربطة العنق واستسلمت لصوت المغنية وهي تغني: أريد حرية. غنيتُ بدوري: أنا حر. أنا حر. أنا حر.
جالسا على الأرض، أنظر إليها وهي محاطة بالأحمر. كان يكفي أن تقبل ثوب النوم الجديد وأن تبتسم بامتنان عندما أخبرها أنها أجمل النساء، والتي أهيم لأجلها. أشعر بالجوع، أرفع يدي دون أن أتحرك وأفتح باب الثلاجة. قالت: أنت لا تحب غير زوجتك وطفلك الغبي. قالت: أريد مكانا في الشمس. الشمس ملك للأغبياء يا حبيبتي. ها أمك تشبع شمسا وهي تبيع الخضار في السوق. أحب الجبن والزيتون. ألتهم العنب. ألتهم التين. ألتهم آخر الخبز. أنا لا أشبع.
حضن أبي مليء بالذهب. حضن زوجتي مليء بالذهب أيضا. أمد يدي فتشع. تنفتح لي الأحضان الأخرى وتبتسم الدنيا مثل عاهرة، تبتسم وتفتح ذراعيها. وأدخل فيها. لم أختر شيئا. لكن الدنيا اختارتني. قبل شهرين زرت عنبر الموت. كنت ألبس أفخر ثيابي وتلك الساعة الرولكس التي أهدتني إياها زوجتي بعد عودتها من سويسرا. يجب أن يُقْتَلوا فكرت، وأنا أنظر لوجوه القتلة، أنظر فلا أرى أعينهم، أرى فقط ثقبين. كل وجه يحمل ثقبين وفجيعة.
كنت أضمها. أعصر رحيقها وأقبل أصابع قدميها والأرض التي استقبلتها، والأرض التي مشت عليها. وأقبّلها. وأقبّل الحياة. هي الحضن الذي يعيدني إلى الحياة مرة تلو مرة. كنت أضمها، عندما انفلتت مثل لاعبة خفة وهربت إلى آخر الحجرة: تزوجني. وذهبت تبحث عن ماء يطفئ ظمأها. ابتسمي لي. أحبيني أنا. كوني لي… كنتُ أصرخ وأصرخ وكلما أردت حضنها ابتعدت لتلتصق بالطاولة، لتلتصق بالثلاجة… لتلتصق بالأرض.
هذا الحضن المغرورق بالدم لي، أفكرُ وفي وجهي ثقبان وفجيعة.

* كاتبة من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية