حضور بارز للمهاجرين والمسلمين وتكريم للنساء في مهرجان برلين السينمائي الدولي

حسام عاصي
حجم الخط
0

برلين – «القدس العربي»: أعلن مهرجان برلين السينمائي عن فوز فيلم المخرجة الإسبانية كارلا سيمون «الكاراس» بجائزة الدب الذهبي، التي تنافس عليها 18 فيلماً في دورته الثانية والسبعين، لتصبح سيمون المخرجة الرابعة التي تفوز في منافسات أبرز المهرجانات العالمية خلال أقل من عام بعد أن فازت الفرنسية جوليا دوكورنو بالسعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمها «تيتان» والفرنسية – اللبنانية الأصل أودري ديوان بالأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا عن فيلمها «الحدث» والأمريكية السيراليونية نيكياتو جوسو بالجائزة الكبرى في مهرجان صندانس عن فيلمها «ناني».
«الكاراس» يدور حول صراع يشتعل في عائلة مزارعين في كتالونيا بين الأجداد وأحفادهم بعد أن يتعرضوا للطرد من أرضهم من أجل تطوير المنطقة. فبينما يتشبث الأجداد بالأرض، تريد الأجيال الجديدة أن تتركها وتنخرط في الحداثة. وقد استلهمت سيمون القصة من حياتها، إذ ترعرت في مزرعة خوخ بقرية الكاراس، واستخدمت ممثلين هواة من القرية لكي تسبر التوتر بين الأجيال في مثل هذه المناطق.
بينما ذهبت جائزة الدب الفضي للممثلة الألمانية – التركية الأصل لملتم كابتان عن أدائها الرائع في فيلم المخرج الألماني اندرياس دريزن «ربيعة كورناز ضد جورج دبليو بوش» حيث تؤدي دور أم ألمانية – تركية الأصل تخوض معركة شرسة مع السلطات التركية والألمانية والأمريكية من أجل تحرير ابنها الذي يتم اختطافه في باكستان، حيث كان يدرس الشريعة الإسلامية عام 2002 وينقل إلى معتقل غوانتانامو الأمريكي في كوبا، حيث يسجن هناك دون توجيه أي اتهامات ضده. ما ما يميز هذا الفيلم عن غيره من الأفلام التي تناولت سجناء غوانتانامو هو أنه ليس تراجيدياً أو بائساً، بل هو مفعم بالمرح والحيوية والتفاؤل وذلك بفضل شخصية الأم الجذابة والبريئة والحنونة، ما يجعلها أفضل الشخصيات المسلمة التي طرحت في فيلم غربي، فضلاً عن عائلتها المرحة واللطيفة. فمع أنهم مسلمون إلا أنهم يعيشون مثل غيرهم من الألمان ويطمحون بالأمن والسعادة.
الفيلم قوبل بمديح النقاد وإعجاب جمهور المهرجان، الذين وصفوه بأفضل أفلام المسابقة الرسمية. ففضلاً عن فوزه بجائزة أفضل ممثلة، نال أيضاً جائزة الدب الفضي لأفضل سيناريو لكاتبته ليلى شتيلر، التي اقتبسته من قصة مراد كورناز، التي قضى 4 أعوام في غوانتانامو منذ 2002 حتى 2006 دون توجيه تهمة إليه. وكتبت السيناريو من منظور أمه ربيعة التي ثابرت من أجل تحريره ولم تيأس رغم كل العقبات السياسية والإدارية والقانونية وخيبات الأمل التي واجهتها حتى إطلاق سراحه.
فيلم مسلمة أخرى وهو «سون» للنمساوية من أصول عراقية كردية كوردوين أيوب فاز بجائزة المهرجان لأفضل فيلم روائي طويل أول. الفيلم، الذي تدور أحداثه في فيينا، يتمحور حول فتاة محجبة ابنة عائلة كردية مهاجرة تؤسس فرقة موسيقى ورقص مع فتاتين نمساويتين بعد تداول فيديو رقصهن على مواقع التواصل الاجتماعي. وسرعان ما تخوض في صراع الهوية، فبينما تدفعها زميلاتها الى التأقلم مع متطلبات السوشيال الميديا الجنسية التي تتنافى مع معتقداتها الإسلامية، تعاتبها أمها على استخدام المكياج على وجهها. فتحتدم الصراعات بينها وبين عائلتها من جهة وبين زميلاتها من جهة أخرى.
مثلها مثل سيمون، استلهمت أيوب شخصية الفيلم من تجربتها كمهاجرة كردية عراقية إلى النمسا، حيث واجهت صراع الهوية ولم تعد تعرف من هي. ففي النمسا لا يعتبرونها نمساوية وعندما تعود إلى العراق لا يعتبرونها عراقية أو كردية بل ينظرون إليها كأوروبية. في الواقع الفيلم يعكس تجربة الكثير من أبناء المهاجرين المسلمين، الذين يحاولون الإنسجام في عالم غربي دون التخلي عن معتقداتهم وعاداتهم.
كما ذهبت جائزة الدب الفضي لأفضل إخراج للفرنسية كلير دينيس عن فيلم الاثارة الرومانسي «أفيك أمور إيه اشارنمون (محبة وتصميم)» الذي يتمحور حول زوجين يقوم بدوريهما جولييت بينوش وفينسان ليندون، تنقلب حياتهما الرومانسية المثالية رأساً على عقب عندما يدخل في حياتهما زوج الزوجة السابق ويجرها في علاقة رومانسية جديدة. فتقع الزوجة في أزمة نفسية صعبة وتشتعل المعارك بينها وبين زوجها. الفيلم يعتمد على الحوارات الطويلة بين الشخصيات الثلاثة. لكن ما يميزه هو أداءات بينوش وليندن الرائعة.
أما جائزة لجنة التحكيم الكبرى فكانت من نصيب فيلم المخرج الكوري الجنوبي هونغ سانغ – سو «فيلم الروائية» الذي يدور حول كاتبة تقابل أناساً مختلفين على مدار اليوم. ويذكر أن سانغ – سو فاز بجائزة أحسن سيناريو في نسخة العام الماضي عن فيلمه الأبيض والأسود «مقدمة».
وعلى غير العادة عرض المهرجان كل أفلامه خلال سبعة أيام بدلاً من عشرة من أجل تفادي إصابات كوفيد، بينما يستمر في فعالياته من خلال إعادة عرض تلك الأفلام بعد الإعلان عن الجوائز حتى يوم الأحد. كما فرض إجراءات وقائية صارمة على رواد المهرجان. ففضلاً عن التحصين وارتداء كمامات طبية خاصة طوال الوقت، كان على كل مشارك أن يخضع لفحص كوفيد صباح كل يوم من أجل دخول قاعات السينما أو المشاركة في فعاليات المهرجان الأخرى. كما اقتصر حضور الأفلام على 50 في المئة من سعة قاعات العرض.
كوفيد حال دون حضور النجوم المهرجان. حتى النجمة الفرنسية أيزابيل هوبرت لم تتمكن من حضور حفل تسليمها جائزة الدب الذهبي الفخرية عن إنجازتها مدى الحياة، بعد أن تبين أنها مصابة بكوفيد قبل سفرها الى برلين، ما حال دون حضورها أيضا عرض فيلمها «عن جون» الذي شارك في المنافسة الرسمية. ولم يحظ المهرجان الا بتألق نجمتين عالميتين على بساطه الأحمر وهن البريطانية أيما تومسون، التي حضرت عرض فيلمها «حظا سعيدا لك يا ليو غراندي» والفرنسية جولييت بينوش، التي حضرت عرض «محبة وتصميم».
رغم أن مهرجان برلين يعتبر أحد أهم المهرجانات العالمية إلا أنه خلافاً للمهرجانات الكبرى الأخرى، قلما تحقق أفلامه نجاحاً على المستوى التجاري أو على مستوى الجوائز وذلك لأنه يركز على أفلام فنية ذات ميزانيات ضئيلة تستهدف فئات متخصصة في السينما وليس الجماهير العريضة. لهذا لا يحظى المهرجان بتغطية واسعة من قبل وسائل الإعلام وقلما تصل أفلامه إلى جوائز الأوسكار، التي كثيراً ما تهيمن عليها أفلام مهرجانات كان وفينيسيا وصندانس وتورنتو ونيويورك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية