حض المواطنين على التفاؤل هدف السلطة… وتهرب مجلس الأمن من واجباته لا يعفيه من المسؤولية

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: بينما ما زالت الأغلبية عند محطة التشاؤم، منذ أن أعطى العالم ظهره للمصريين، وفق ما خلص إليه إجتماع مجلس الأمن في جلسته الأخيرة وضعت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 12 يوليو/تموز، على صداره قائمة أهدافها مطلباً رئيسياً تمثل في دفع الجماهير للتغلب على اليأس والثقة في قدرة حكومتهم على اجتياز أكبر تهديد وجودي يستهدف الوطن. وحرص كتاب أمس كذلك على توجيه عدد من الرسائل، أهمها ما مفاده أن معركة سد الخراب لم تحسم بعد، وأن “القاهرة” ستخوض معركتها لآخر نفس، وثاني الأهداف يمثل مطلباً شعبياً مفاده، لا بد من عقاب العواصم التي خذلتنا، وناصرت أديس أبابا، رغم عدالة قضيتنا..
من أبرز تقارير الصحف: وافق مجلس النواب، خلال جلسته العامة برئاسة المستشار الدكتور حنفي جبالي، بشكل نهائي، على مشروع قانون مقدم من النائب علي بدر و10 أعضاء من مجلس النواب، بتعديل بعض أحكام القانون رقم 10 لسنة 1973 بشأن الفصل بغير الطريق التأديبي، الذي يستهدف فصل الموظفين الإخوان والعناصر الإرهابية من الجهاز الإداري للدولة، حيث سبق للمجلس الموافقة على مشروع القانون في مجموعه وإحالته إلى مجلس الدولة. ومن الأخبار السارة: قال السفير نادر سعد المتحدث باسم مجلس الوزراء، إن أكثر من 40 ألف موظف سينتقلون للعاصمة الإدارية، وإن الدولة تسعى جاهدة لحل مشكلة السكن لهم ولأسرهم. وكشف عن أنهم سيحصلون على بدل سكن عبارة عن 2000 جنيه تضاف للراتب شهريا. ومن الأخبار الطبية: كشف الدكتور محمود المتيني رئيس جامعة عين شمس، عن عملية حقن ثاني طفل مصري مصاب بمرض ضمور العضلات الشوكي، وهو الطفل آسر كريم الدين وعمره عام وعشرة أشهر، والتي أجريت صباح اليوم للمرة الثانية على مستوى مصر، في مستشفى عين شمس التخصصي التابع لمستشفيات جامعة عين شمس.
قبل الموت عطشاً

خلال هذه اللحظة المصيرية التي نشهدها، فإن الطلب الأهم الذي دعا إليه الدكتور أحمد السيد النجار في “المشهد” يتمثل في أن اتفاقية 2015 “الرديئة” ينبغي التخلص منها نهائيا، بمبرر واضح هو عدم وفاء إثيوبيا بالتزاماتها في تلك الاتفاقية. كما يجب التذكير بأن الاتفاقية الأساس والعمدة هي اتفاقية 1902، التي وضعت الحدود الدولية لإثيوبيا مع السودان، ومنحتها إقليم بني شنقول، الذي يُقام سد النهضة على أرضه، وهي تلزم إثيوبيا بعدم إعاقة التدفق الحر لمياه النيل الأزرق ونهر السوباط، وعدم احتجاز أي قطرة منهما. وكانت اتفاقية 1891 قد فعلت الأمر نفسه بالنسبة لنهر عطبرة، نحن لا يعنينا اعتراف إثيوبيا بحصة مصر من مياه النيل الذي تتعدد روافده الاستوائية والإثيوبية، فذلك أمر لا يخصها أصلا، وإنما يعنينا ضمان التدفق الحر بلا أي احتجاز للمياه من الروافد الإثيوبية لنهر النيل، فهي مياه مصر وحقها التاريخي، وفقا لانتساب المياه للحياة التي خلقتها، والتي يعتمد وجودها واستمرارها كليا عليها، وليس لبقعة الأرض التي سقطت عليها الأمطار، ولم ترتبط بأي حياة فيها، حيث تعتمد إثيوبيا على الزراعة على المطر (يسقط عليها من 900-950 مليار متر مكعب من الأمطار)، وعلى وفرة المياه السطحية الفائضة عن الاستخدام من أنهار أخرى، وعلى المخزون الكبير من المياه الجوفية العذبة. كما يجب التذكير بأنه رغم أهمية تحجيم سعة الخزان وإطالة سنوات الملء، إلا أن الأهم هو المشاركة في الإشراف على إدارة التخزين في بحيرة السد بصورة دائمة وملزمة، حتى لا يتحول السد إلى محبس لمنح أو قتل الحياة في مصر بيد إثيوبيا.

ما حك جلدك غير ظفرك

شدد الدكتور أحمد السيد النجار على أنه ينبغي عدم توقع الكثير من المجتمع الدولي، فالولايات المتحدة لا يهمها سوى مصالحها، ولا تأبه للقانون الدولي والاتفاقيات المنظمة للعلاقات المائية بين مصر وإثيوبيا، خاصة أننا تأخرنا كثيرا في عرض موقفنا وأحقيتنا في مياه النيل وتدفقها الحر. وأزمتها مع إثيوبيا تكمن في أن الأخيرة تعمق علاقاتها الاستراتيجية الشاملة مع الصين، التي ترعى التطور الاقتصادي لإثيوبيا باستثمارات ضخمة وقروض كبيرة وشراكة تجارية واسعة النطاق، على قاعدة المصالح ولا غير ذلك. أما الصين فإن سياستها الخارجية المبنية على المبادئ، دُفنت مع الزعيم المؤسس ماوتسي تونغ، وأصبحت تلك العلاقات تُدار بشكل براغماتي، وعلى قاعدة تحقيق المصالح الصينية فقط، أما روسيا التي تتفهم حاجة مصر لمياه النيل، فإنها ترفض العمل العسكري كخيار لضمان التدفق الحر لها، وهي تحاول إرضاء كل من مصر والسودان وإثيوبيا معا، بموقف مائع لا يفرق وجوده عن عدمه، ولا يرضي أحدا. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي فإن موقف بلدانه لا يختلف عن الموقف الروسي، ويزيد عليه بالنسبة لإيطاليا أن أحد أكبر شركاتها (ساليني) تقوم بالدور الرئيس في تنفيذ السد، وبالتالي فإنها إلى جانب إثيوبيا، خاصة أن الظلال القاتمة لقضية تعذيب وقتل “ريجيني” في مصر ما زالت تسمم أجواء العلاقات بين القاهرة وروما. أما الاتحاد الافريقي فإنه لا يرغب في نشوب أزمة كبرى لا يستطيع معالجتها، وبالتالي يفضل بقاء الحال على ما هو عليه، والخلاصة أن قضية سد النهضة، التي تنقل التحكم في شريان حياة مصر وروحها ووجودها إلى أيدي عنصرية ومعادية، لن تتورع في سنوات الجفاف عن إلحاق أضرار جسيمة وكارثية بمصر، لن يعالجها المجتمع الدولي غير المعني بالتهديد الكبير، وبالتالي فالأمر كله ملقى على عاتقنا، ويتعلق بما نفعله والمنطق الحاكم هنا هو: “ما حك جلدك غير ظفرك، فتول أنت جميع أمرك”. ولن يصعب على مصر مواجهة دولة تعتبر علاقاتها مع كل جيرانها قابلة للانفجار.

غرور الضعيف

المصري هذه الأيام، كما يرى الدكتور محمود خليل في “الوطن” منزعج أشد الانزعاج مما يحدث، فهو عندما يقارن قدراته بقدرات الدولة الإثيوبية يتساءل: كيف تقدم أديس أبابا على ما أقدمت عليه، وتعاند بهذه الصورة وهي تعلم أن أي مواجهة ستدخلها مع المصريين ستخسر فيها كثيراً؟ لعل هذا السؤال هو أكثر ما يحير المصري ويثير عجبه، فهو يرى في نفسه قوة لا يستهان بها، ولا بد أن يُحسب لها ألف حساب، وهو يغفل وهو يفكر بهذه الطريقة، أن الإنسان – مهما كانت درجة قوته – عرضة لأن ينال منه الأضعف والأقل شأناً في الأوقات التي يهمل، أو يسهو فيها أو يقل تركيزه. الضعف يخرج من رحم القوة.. والقوة تنساب من رحم الضعف.. والعاقل من يستجمع تفكيره وهو يحسب الحسابات، ويتخذ القرارات، ويفهم متى يتحتم عليه أن يستخدم عناصر قوته بلا تردد، ومتى يتوجب عليه أن يستوعب ويصبر على الضعيف الذي يحاول الركوب فوق أكتافه، حتى تتاح له لحظة ليسحق من يحاول امتصاص دمه. إثيوبيا تريد امتصاص ماء المصريين، وكلما تراكمت المياه خلف سدها الكبير داخلها المزيد من الاطمئنان، إنها تحاول امتصاص المزيد، إدراكاً منها أن كل زيادة تصب في بحيرة السد تحصنه ضد أي هجوم، وقد خرج أحد عسكرييها مؤكداً أن مصر والسودان بعد الملء الثاني سيكونان الأشد حرصاً على سلامة السد من الإثيوبيين، كما خرج رئيس وزرائها متحدثاً عن حشد مليون إثيوبي للدفاع عن البناء الخرساني. إنه غرور الضعيف الذي يحاول أن ينسج خيوط العنكبوت، وكلما زاد النسيج داخله شعر أكثر بالأمان من الضربات. فالعنكبوت لا يعى أن بيته هو أوهن البيوت وأهونها وأضعفها، ويتصور وهو ينظر منه إلى العالم الخارجي بأنه بات في مأمن من ضربات الغير.. ذلك هو الوهم بعينه.. فما أسرع أن تمتد الأيدي لتسحق البناء الهش الضعيف. إهمال الإنسان مهما كانت قوته يجعله عرضة لـ«لدغات» أضعف الكائنات، لكن على الضعيف ألا ينخدع ويفرح بما فعل، وأن يتحسب للحظة التي سوف تمتد فيها اليد القوية لتهد كيانه.

مجد قديم

عاد عبد الله السناوي بالتاريخ لزمن قيادة مصر لافريقيا، قائلا في “الشروق”، “لو امتلك الإثيوبيون ثروة تمكنهم من تنفيذ أفكارهم بشأن النيل، فليكن الله في عون مصر”. كان ذلك استنتاجا بريطانيا تضمنته وثيقة سرية حصلت عليها «بي. بي. سي» من أرشيف وزارة الخارجية وفق قانون المعلومات. لم تكن تعوز الاستنتاج، الذي يعود إلى عام (1961)، الدراسات التفصيلية للأوضاع المائية في دول وادي النيل، ولا غابت عنه أجواء التحريض مثل «إن المصريين لا يقدرون الإثيوبيين» و«يستخفون بقدرتهم على إلحاق أي ضرر بهم على النيل الأزرق!». المفارقة فإن ذلك العام هو عام التحرر الوطني واستقلال أغلب دول القارة بزعامة الرئيس عبدالناصر، لا التنكر والاستخفاف. نسبت الوثيقة للسفارة البريطانية في القاهرة إدارة مفاوضات «فنية غير رسمية» بين مصر والسودان ودول شرق افريقيا، بغية التوصل إلى صيغة مشتركة للتعامل مع مياه النيل، خاصة النيل الأزرق، كما التعرف على آراء المصريين في مشكلة نهر النيل مع إثيوبيا، و«هو ما لم يحدث إطلاقا» بتأكيد مستشار عبدالناصر للشؤون الافريقية محمد فائق! لم تكن هناك مشكلة ضاغطة تستدعي التقصي بالسؤال، لكنها دواعي البحث عن ثغرات يمكن استخدامها ضد مصر عند شريان وجودها لتصفية الحسابات بعد خمس سنوات من هزيمة السويس. قالت الوثيقة إن «السلوك المصري تجاه إثيوبيا غامض نوعا ما وسياساتها غير واضحة وغير مفهومة». كان ذلك استنادا، حسب نصها المنشور، إلى اجتماع جمع محمد فائق مستشار الرئيس عبدالناصر مع أحد دبلوماسيي السفارة، لم تذكر اسمه ولا منصبه، نوقش فيه موضوع على درجة عالية من الخطورة: «مدى قدرة إثيوبيا على حجز المياه عن مصر». «لم أكن وزيرا في ذلك الوقت، ولا كان من طبيعة دوري إجراء حوارات فنية من مثل هذا النوع». في وثيقة سرية بريطانية أخرى مطلع تسعينيات القرن الماضي، إشارات لافتة إلى احتمال أن يستخدم سلاح المياه الاستراتيجي ضد مصر، وأن المصريين لن يقبلوا في أي حال أن تكون بلادهم رهينة، غير أنه لا يمكن ثني إثيوبيا عن تنفيذ مشروعات قد تضر بالمصالح المصرية، خاصة في سنوات الجفاف. المعنى بالضبط في السيناريو البريطاني أن الإثيوبيين لن يتراجعوا والمصريين لن يقبلوا.

حرب مؤجلة

وأكد عبد الله السناوي، على أنه في أوقات الصعود نشأت صراعات بين السياستين المصرية والإثيوبية على خلفية ما يحدث في الصومال، ومواضع أخرى من القارة بين عامي (1953) و(1956). جرى تطويق تداعياتها بعلاقات خاصة بين الرئيس عبدالناصر، والإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي. حسب فائق: «كنت أزور أديس أبابا كل أسبوعين تقريبا للحوار والتفاهم مع هيلا سيلاسي خشية أن تستخدم تباينات المواقف في اصطناع صراعات تضر بالمصالح العليا للبلدين». وصلت العلاقات المصرية الإثيوبية ذروتها عام (1963) حين تأسست «منظمة الوحدة الافريقية»، وبدأ سؤال مقرها يتردد في أوساط القادة الأفارقة المؤسسين، الذين نالوا استقلال بلادهم بالفعل. سأل الإمبراطور الإثيوبي الزعيم المصري، إذا كان ممكنا أن تكون أديس أبابا مقرا للمنظمة الوليدة، التي أصبح اسمها في ما بعد «الاتحاد الافريقي» لم يتردد عبدالناصر بثقله الاستثنائي في حركة التحرير الوطني الافريقية في حسم ذلك الاختيار، بالنظر للمصالح المصرية العليا عند منابع النيل. حسب حسنين هيكل، فإن\ عبدالناصر تعرض لعتاب مرير من صديقه الزعيم الغانى كوامي نكروما، صاحب الدور الأكبر في بلورة مشروع الوحدة الافريقية: «لماذا أديس أبابا وليست أكرا؟». بعد عناء تقبل نكروما القرار وتفهم أسبابه، فهواه مصري، وزوجته مصرية، ويرى في عبدالناصر زعيما تاريخيا للقارة. قال السناوي: سألت الأستاذ هيكل: «لكن الأستاذ فائق لم يشر إلى تلك القصة في ما كتب وروى». أجاب: «ربما لم يصل إلى علمه ما جرى من عتاب بين عبدالناصر ونكروما». بقوة الحقائق التاريخية، كان اختيار أديس أبابا مقرا للمنظمة الافريقية، قرارا مصريا صرفا. في أوقات الانعزال تراجعت مكانة مصر في قارتها وهمشت أدوارها. من أسوأ ما يجرى الآن الاستثمار الإثيوبي في مقر الاتحاد الافريقي، كما لو كان ملكية حصرية، ضد مصر. إذا لم يكن هناك ردع دولي لإثيوبيا لاحترام حق المصريين والسودانيين في الحياة، فإن قوانين الرياضيات سوف تمارس فعلها، فلكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويضاده في الاتجاه.
سوء نية

الحقيقة التي توصل لها مرسي عطا الله في “الأهرام” أن الدبلوماسية المصرية تعاملت مع المراوغات والمناورات والمماطلات الإثيوبية خلال كل مراحل التفاوض مع إثيوبيا حول أزمة السد، بكفاءة مهنية عالية لم تتوقف عند حد مقارعة الحجة بالحجة، وتعرية كل دوافع الجدل الذي انتهجته أديس أبابا أسلوبا لكسب الوقت، وإنما تجاوزت كل ذلك وأوضحت للمجتمع الدولي أن المسألة ليست فقط مجرد تعنت وتصلب تفاوضي يمارسه المفاوض الإثيوبي بخبث ودهاء، وإنما الأمر يتعلق بما استحدثته مصر من مصطلح سياسي جديد اسمه دبلوماسية «سوء النية» لتوصيف الموقف الإثيوبي، ومن ثم العمل على حرمان إثيوبيا من مواصلة السعي لخلط الأوراق، وتغييب الحقائق خلف ضباب الوهم وسحب الأكاذيب! ولأن تعبير «سوء النية» أدهشني وأثار إعجابي بالدبلوماسية المصرية، وقدرتها على توظيفه في تعرية الموقف الإثيوبي، فقد عدت إلى معاجم اللغة بحثا عن المعنى الدقيق لهذا التعبير، فوجدت أنه أدق توصيف للحالة الإثيوبية وتحديدا منذ مجيء أبي أحمد إلى سدة الحكم في أديس أبابا، بعد انتزاع جائزة نوبل للسلام بالنفاق والخداع إن «سوء النية» في معاجم اللغة معناه هو التذبذب في التفكير والنيات، في ما يتعلق بالنفاق أو الغش أو الخداع، وقد ينطوى سوء النية على الخداع المتعمد للآخرين أو على خداع النفس ذاتها، ثم إن مصطلح «سوء النية» يرتبط بمصطلح تذبذب النية، الذي يترجم «تذبذب الفكر» أيضا. وهنا ينبغي علينا أن ندرك ما هو مفهوم «سوء النية» في إطار الفهم الصحيح لمعنى كلمة «سوء» التي تجسد كل ما هو سيئ وقبيح، ولا شك في أن العقول والنفوس السيئة لا تستوعب النية الحسنة، التي يتعامل بها الآخرون معهم بروح المحبة والإخاء، والسعي إلى تجنب الخصام والعداء من نوع ما سعت إليه مصر منذ البداية، بإبداء قبولها لحق إثيوبيا في التنمية. مصر وهى تتحرك لصون حقوقها تشعر الآن براحة الضمير في أنها لم تترك سبيلا لتجنب الصدام إلا وسلكته.

فلنجمع شتاتنا

لم يتوقع الكثيرون وفق رؤية عمرو الشوبكي في “المصري اليوم” أن تحسم جلسة مجلس الأمن قضية سد النهضة، سواء صدر قرار يلزم إثيوبيا بعدم الملء الثاني أم لا، إلا أن استراتيجية «ما بعد الجلسة» يجب أن تختلف عما قبلها، فمهما كان شكل القرار الذي سيصدر من مجلس الأمن، فإن على مصر أن تكون مستعدة لكل الخيارات والبدائل، التي قد تضطرها إلى الانتقال من السياسات إلى الأفعال الخشنة. والمؤكد أن التعنت الإثيوبي جاء ليغلق مرحلة السياسات الناعمة، ومراعاة حسن الجوار والنوايا الحسنة التي تبنتها مصر، منذ توقيعها على إعلان المبادئ في 2015، وأعطت لإثيوبيا الحق في بناء السد كمشروع تنموي بما لا يضر بمصالح دول المصب، وتحديدا مصر والسودان. وللأسف الشديد لم تتفاعل إثيوبيا بشكل إيجابي مع رسائل مصر، وأصرت على تعنتها واستهانتها بكل القواعد والأعراف الدولية، التي تنظم علاقة أنهار دولة المنشأ بدول الممر والمصب، وأصرت على الملء الأول للسد في العام الماضي، بدون اتفاق مع مصر والسودان، ثم عادت وبدأت في الملء الثاني الأسبوع الماضي.

قبل أن نحارب

انتهى عمرو الشوبكي إلى أنه إذا قرر مجلس الأمن العودة إلى المظلة الافريقية فيجب أن لا ترفضها مصر من حيث المبدأ، كما يرى البعض، لأن افريقيا هي عمق مصر الاستراتيجي، وموقع الحدث الذي تجري حوله مفاوضات السد الإثيوبي، إنما عليها أن تضع ثلاثة شروط أساسية لهذا القبول: أولها الجدول الزمني للمفاوضات، كما أعلن وزير الخارجية، والثاني أن توقف إثيوبيا الملء الثاني، سواء بشكل معلن أو ضمني، والثالث أن يدخل مراقبون دوليون، وأن يكون من بينهم ممثلون عن أي من الدول الثلاث دائمة العضوية في مجلس الأمن، أي الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا. الموقف الروسي والصيني في جلسة الأمن لم يكن غريبا، وهو أمر يحتاج لمراجعة من جانبنا، بحيث يكون خطابنا السياسي والإعلامي متسقا مع تحالفاتنا الاستراتيجية على المستويين الاقتصادي والعسكري، وهي حتى هذه اللحظة لاتزال مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا أساسًا. أما خطوات التنسيق المصري السوداني فقد قطعت أشواطًا كبيرة حيث وضعتا التهديد الوجودي الذي تتعرضان له من قِبَل إثيوبيا فوق أي خلافات أو تباينات حدثت في أعقاب الانتفاضة السودانية، وهو أمر يمكن البناء عليه في الفترة المقبلة لصالح علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. التحركات المقبلة لا بد أن تشرك قطاعات أوسع من النخب المصرية الموجودة في الغرب، توضح للعالم المخاطر الجمة على 150 مليون مصري وسوداني، جراء الملء الثاني وتهديدهم بعطش مائي وبوار لأرض زراعية. تحرك مصر بعد جلسة مجلس الأمن على المستوى المحلي الشعبي والإقليمي والدولي هو الذي سيجعل الأطراف الدولية الكبرى تقبل أو تغمض عينيها عن أي فعل خشن تقوم به مصر تجاه السد.
بئس المجلس

سوف يكون مؤسفاً كما قال جلال عارف في “الأخبار”، أن يتهرب مجلس الأمن من مسؤولياته، وألا يتصدى بفاعلية لأزمة سد النهضة بتبني مشروع القرار الذي قدمته الشقيقة تونس، لوقف الملء الثاني للسد، ولإعادة الحياة للمسار التفاوضي باشتراط مشاركة دولية فاعلة في التفاوض، وبتحديد ستة شهور للتوصل للاتفاق الملزم، الذي يحفظ حقوق كل الأطراف، وفقاً للقوانين الدولية. سيكون الأمر مؤسفاً لأن تهرب مجلس الأمن من مسؤولياته لا يعني إلا أن يستمر العبث الإثيوبي، الذي يمثل خطراً وجودياً على حياة شعبي مصر والسودان، وهو ما يستدعي بالضرورة الرد الحاسم والمشروع الذي تتضمنه القوانين والمواثيق الدولية، حين تتعرض لهذا التهديد الوجودي، وحين لا يكون هناك بديل إلا أن تتولى بنفسها حماية حقها الأصيل في الحياة. وهو ما وضعته مصر أمام مجلس الأمن بكل وضوح. إن تهرب مجلس الأمن من واجباته لا يعفيه من المسؤولية مطلقاً. والاختباء وراء ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة عن حل النزاعات بالتفاوض المباشر، أو عن طريق المنظمات الإقليمية، هو بنص الميثاق نفسه خطوة ابتدائية قبل عرض النزاع على مجلس الأمن صاحب الاختصاص الأصيل. وقد فاوضت مصر والسودان الطرف الإثيوبي لمدة عشر سنوات بلا نتيجة، لقد وضعنا قضيتنا أمام العالم بكل وضوح، وقلنا بكل حسم إن كل الخيارات متاحة لحماية حقوقنا المائية. لقد بذلنا كل الجهد من أجل تفادي الصدام ولا شك في أننا سنكون بعد معركة مجلس الأمن أمام مرحلة جديدة وحسابات مختلفة. ستكون هناك بالقطع مراجعة دقيقة لمواقف الدول من صراعنا الوجودي. ولن ينتظر من دعموا العدوان الإثيوبي كثيرا ليدركوا أنهم أكبر الخاسرين. لقد أشهدنا العالم على عدالة قضيتنا، وعرفنا مواقف الأصدقاء والأعداء، وبقيت الحقيقة الأساسية: لدينا الحق، ولدينا ما نحمي به حقوقنا، رغم كل التحديات، وحتى لو وضع «الكبار» مجلس الأمن خارج الخدمة.

لن نيأس

أكد محمد فؤاد في “الوفد”، على أنه بعد تعنت إثيوبيا في أزمة سد النهضة ووصول المفاوضات معها إلى طريق مسدود، وإصرارها على تنفيذ الملء الثاني فإن قدرة مصر على مواجهة الأزمة مرتبطة بقدرة المصريين على التكاتف خلف قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي. نحن نثق بشكل كامل في قدرة وحكمة وحنكة الرئيس السيسي، ومؤسسات الدولة في إدارة تلك الأزمة، والعبور بمصر والمصريين إلى بر الأمان، خاصة بعد التزام مصر بأقصى درجات ضبط النفس وتغليب المصلحة العامة، والسعي لاتفاق قانوني ملزم يتضمن المساواة لكل الأطراف، ويلبي احتياجات الجميع. لم يكن هذا الطريق التفاوضى، قصيرا أو حديثا، وإنما بدأت التفاوضات منذ عام 2011 بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) للوصول إلى اتّفاق حول ملء وتشغيل هذا السد، الذي يستوعب 74 مليار متر مكعب من المياه، وفي مارس/آذار 2015، وقّع قادة الدول الثلاث في الخرطوم اتفاق إعلان مبادئ، بهدف تجاوز الخلافات، إلا أن إثيوبيا ما زالت تتعنت وتتعامل بلا مبالاة مع مصالح الدول الأخرى. ولآخر لحظة تمسكت الدولة المصرية بالحلول السلمية والودية، وتقدمت بخطاب رسمي تشكو فيه إثيوبيا لمجلس الأمن، للوصول إلى حل وسطي يضمن حقها في المياه ويمنع عنها الضرر، في الوقت نفسه الذي تتعنت فيه إثيوبيا وتتعجرف ولا تنظر لمصلحة دول الجوار، وتصر على احتباس النهر ومنعه من الاندفاع إلى دول المصب. ولعل كلمة الوزير سامح شكري أمام مجلس الأمن تؤكد حرص مصر على الحلول السلمية لآخر لحظة، وهي مرفوعة الرأس، قوية، عزيزة، تستطيع أن تدفع عن شعبها الخطر في أي لحظة، فمصر القوية لن تسمح بحدوث أزمة مياه، وعلى الشعب جميعه أن يطمئن بأنه تحت حماية رجال لا يعرفون الهزيمة.

بعد طول انتظار

بشارة أخبر بها سليمان جودة في “المصري اليوم”: استيقظت السياحة، قبل أيام، على شيئين، كلاهما يدعو إلى التفاؤل.. أما أولهما فكان قرار السماح برفع معدل الإشغال في الفنادق إلى سبعين في المئة، وأما الثاني فهو قرار الرئيس الروسي بوتين رفع الحظر الروسي السياحي عن المنتجعات المصرية. القرار الأول يتدرج في رفع نسبة الإشغال حسب الحالة مع كورونا، وفي خطوة مقبلة سوف يكون في مقدور فنادقنا أن تعمل بنسبة إشغال كاملة. والقرار الثاني تأخر طويلا، ولكن المهم أنه جاء في النهاية، فالقاعدة أن تأتي متأخرا خير من ألّا تأتي.. وقد عاشت شرم الشيخ تدفع ثمن جريمة لم ترتكبها منذ سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء في أكتوبر/تشرين الأول 2015، وكذلك عاشت الغردقة تدفع ثمن الجريمة نفسها، مع أنهما لا ذنب لهما في شيء. وطوال السنوات الست من يوم سقوط الطائرة وفرض الحظر بعد سقوطها إلى يوم رفع الحظر في 8 يوليو/تموز، لم يكن أحد قادرا على أن يفهم كيف يفكر صانع القرار الروسي، الذي راح يتصرف معنا كصاحب مطعم كان يكتب على واجهته هذه العبارة: الطعام غدا بالمجان.. كان الغد كلما جاء وجدنا أنفسنا في انتظار غد آخر، وثالث، وعاشر، ومئة، وألف.. وإذا كان هناك درس في الموضوع فهو ألا نجعل السياحة عندنا أسيرة في قبضة سوق واحدة.. هذا هو الدرس الأهم في السياحة الروسية العائدة.. ولا أحد قادر بالدرجة نفسها على استيعاب موقف صانع القرار الروسي من سد النهضة في جلسة مجلس الأمن.. ولكن هذه قصة أخرى مُحيرة للغاية. اكد سليمان جودة، على أنه إذا كان الأمن عنصرا حاكما في رواج صناعة السياحة في أي بلد، فهو لدينا متحقق والحمد لله، ولكن زمن كورونا أضاف عنصرا آخر هو موضوع اللقاح.. وهذا ما قصدته عندما أشرت، إلى أن دبي تستعد لاستقبال 25 مليون سائح في معرض «إكسبو 2020» أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لا لشىء، إلا لأن الإمارات ركزت في إعطاء اللقاح للغالبية من سكانها ونجحت في ذلك! وتلقى الكاتب رسالة من الأستاذة جيهان نورالدين، تقول خلالها إن التطعيم إذا كان مطلوبا بوتيرة أعلى بكثير مما هو حاصل حاليا، فإن الأولوية فيه لا بد أن تكون للمناطق السياحية، وأن تتوجه قوافل التطعيم إلى شرم والبحر الأحمر والأقصر وأسوان، وأن يرتبط بقاء أعضاء طاقم السياحة في عملهم بحصولهم على اللقاح. هذه فكرة وجيهة تستحق أن يبادر إلى الأخذ بها صانع القرار لأنها كفيلة بطمأنة كل سائح يفكر في المجيء، ولكنه يخاف من شبح كورونا.. وإذا كانت أسواق السياحة حولنا تتخطف السياح، فالسلاح الجديد في يدها هو اللقاح، ولا بد أن يكون حاضرا في يدنا لأن سوق السياحة لدينا تحتاجه وتترقبه وتنتظره، ولأنها بدونه لن تكون قادرة على كسب المنافسة مع الأسواق المجاورة.

بعبع الثانوية

أحد المظاهر المصاحبة لموسم الامتحانات، خاصة الامتحان الأهم، امتحان الثانوية العامة، وفق ما قاله الدكتور أسامة الغزالي حرب في “الأهرام” هو التقييمات الصحافية وكذلك الآن تقييمات السوشيال ميديا بأن الطلاب يشتكون من امتحان كذا، أو أن الطلاب سعداء لسهولة امتحان مادة معينة، أو انهيارات وبكاء الطالبات لمادة أخرى وهكذا. والحقيقة أن هذه التقييمات أحيانا ما تكون مبالغا فيها أو لا محل لها على الإطلاق، بل ذات مغزى سلبي بالنسبة للثقافة العامة للمواطن. الامتحان بحكم التعريف هو أداة ليس فقط لقياس المستوى العلمي للطالب، بل أيضا لقياس التفاوت بين الطلاب وبعضهم بعضاً. ولذلك فإن من المنطقي تماما، والسليم تماما، أن يكون امتحان مادة ما سهلا، أو حتى شديد السهولة لبعض الطلاب، وأن يكون هو نفسه صعبا أو شديد الصعوبة بالنسبة لطلاب آخرين، وأحد التعبيرات الشائعة هنا هو عبارة أن الامتحان جاء في مستوى الطالب المتوسط، إن المعنى السليم لهذه العبارة أن الطالب المتوسط لن يرسب فيه، وإنه سوف يحصل على نتيجة متوسطة (70%) مثلا، أما إذا كان ذلك الامتحان يسمح للطالب المتوسط بالحصول على 95% مثلا، أو أنه سوف يرسب فيه، فتلك ـ في الحالتين- خيبة كبيرة. في هذا السياق فإنني هنا أشيد بعبارتين قرأتهما مؤخرا منسوبتين لوزير التعليم الدكتور طارق شوقي، أولاهما إننا يجب أن ننسى ثقافة الحصول على 100% وإنه ينبغي التركيز على مراكز متقدمة حتى لو كانت نسبة 80%. هذا كلام رائع، وأرجو أن يكون فعلا بداية للإقلاع عما اعتبره تقليعة الـ 100%. والعبارة الثانية قالها الوزير ردا على الشكوى من طول امتحان اللغة العربية، وقلة الوقت المتاح له بأنه: لو افترضنا أن هناك امتحانا صعبا أو طويلا… فإن حقيقة أنه معمم على الجميع تجعله صالحا كامتحان…هذا كلام سليم تماما.

تداووا عباد الله

من المشروعات الضخمة التي تبناها مؤخرا الرئيس السيسي في ما يتعلق بالصحة العامة للمواطنين، كما أشار المستشار بهاء أبو شقة في “الوفد”، مرض الضمور العضلي الذي يصيب الأطفال. وقال إن الدولة ستتحمل تكلفة علاج مرض الضمور العضلى للأطفال حديثى الولادة، التى تبلغ 3 ملايين دولار لكل طفل، مؤكدا أن هذه المشكلة الإنسانية كانت محل اهتمام كبير من الدولة المصرية، بسبب المعاناة التي تتحملها الأسر لفقدان أطفالها (مرضى الضمور العضلي)، وبالتالي تحركت الدولة ووقعت اتفاقا مع عدة شركات عالمية متخصصة لعلاج هذا المرض. وقال الرئيس إن الدولة ستبدأ بالكشف عن هذا المرض لجميع الأطفال، حتى يتم التشخيص والعلاج مبكرا، وسنبدأ بالحالات العمرية من 6 شهور وحتى 12 شهرا، لأن العلاج في هذه الحالة سيستجيب بسرعة، مشيرا إلى أنه بعد أن يتجاوز الطفل عمر السنتين تكون عملية علاجه صعبة، وفى حالة تقدم العمر تزداد صعوبة العلاج كثيرا. وطالب الرئيس السيسي، منظمات المجتمع المدني بالمشاركة والمساهمة في هذا المشروع، من خلال صندوق تحيا مصر، لافتا إلى أن تكلفة علاج الطفل الواحد تبلغ 3 ملايين دولار، وإذا تم علاج عشرة أطفال ستكون التكلفة 450 مليون جنيه مصرى. وأوضح أن هذا الموضوع كان محل استغاثة من أم أو من أسرة عندها طفل يعاني أو طفلة تعاني من هذا المرض، مشيرا إلى أنه رغم أن التكلفة كبيرة جدا علينا، بل إن كثيرا من دول العالم لا تستطيع أن تتصدى لعلاجه، إلا أننا قفزنا قفزة جيدة في هذا الموضوع بمساعدة الله سبحانه وتعالى، في إيجاد حل لمعاناة هذه الأسر، لأنه من الصعب أن نرى أماً تشاهد ولدها وهو يضيع منها. وأكد الرئيس السيسي على أنه لن يسمح بأن تتخلف مصر عن طريق مواجهة مرض الضمور العضلي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية