حظر القضاء المصري لحركة حماس: تداعيات وآثار

حجم الخط
1

تعد العلاقة بين الحركة الفلسطينية ذات الجذور الإخوانية التي تتبنى مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وبين مصر علاقة قديمة ووطيدة، على الرغم من فترات الفتور التي شابتها إبان نظام حسني مبارك، لاسيما إغلاق معبر رفح لفترات طويلة، وتقييد حرية الحركة للغزيين إلى مصر، منفذهم الوحيد مع العالم، والوقوف علناً مع خصم حركة حماس (حركة فتح) في أي مفاوضات أو مباحثات للمصالحة الوطنية بين الفريقين الفلسطينيين، وهو ما أسهم في تأخير هذا الملف وتعطيله حتى الآن، على الرغم من تبدل الموازين والقوى في فترة حكم الإخوان القصيرة لمصر.
توتر علاقة حركة حماس مع الدولة المصرية يعود إلى ما قبل فترة الثلاثين من يونيو/حزيران، وللمفارقة، فإنها تعود إلى فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، إذ بدأت مع انتخاب مرسي، مرحلة جديدة من العلاقات اتسمت في’الظاهر بالدفء والتقارب، لكنها على أرض الواقع اتسمت بكثير من الجور والتضييق، الذي لحق بالحركة جراء وقوفها إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين المصرية، التي تعتبر الحركة الام لها، لكنها لم تشأ حينها إثارة أي نوع من التذمر أو التململ جراء ذلك، تخفيفاً على الجماعة الأم إزاء المعضلات التي كانت تتهدد حكمها حينها، فتواصل إغلاق معبر رفح الوحيد الرابط بين قطاع غزة ومصر والعالم الخارجي لفترات’طويلة، والحملة الامنية التي شنها الجيش المصري على الأنفاق التي تؤمن الدخل اليومي لآلاف الأسر في قطاع غزة، ويعد الرئة الوحيدة لمسؤولي القطاع، بدأت منذ اواخر عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، لكنها تصاعدت مع عزله، كما تزايدت فترات إغلاق المعبر الوحيد، ولم يفتح خلال الشهور الماضية سوى أقل من تسعين يوماً.
شيطنة حماس، إن جاز لنا التعبير، بدأت في وسائل الإعلام التي ناصبت جماعة الإخوان المسلمين العداء منذ توليها السلطة، وبدا للمتابع أن أي استهداف للثانية يصب في خانة استهداف الأولى بالضرورة، ونشر الكثير من الشائعات التي طالت رموز الحركة وقياداتها، على الرغم من التزام حماس الصمت إزاء هذه الحملات، التي اعتبرت سكوتها عن الرد خدمة لحاكمي مصر آنذاك، وحتى لا تتورط في التجاذبات السياسية الجارية حينها في مصر.
فعلى سبيل المثال، نشرت صحيفة ‘الأخبار’ القومية الصادرة في العاصمة المصرية القاهرة يوم 28 يناير/كانون الثاني الماضي، خبراً يشير إلى أن حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) قامت بإرسال كتائب بقيادة ‘المجاهد’ أحمد الجعبري إلى مصر لتخريب احتفالات الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير المجيدة.
وهذا الخبر الذي نشرته تلك الصحيفة كان من الممكن أن يصدقه العامة في مصر، لولا أن القائد الحمساوي المشار إليه كان قد استشهد في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012 عندما قصفت طائرة آباتشي إسرائيلية سيارته التي كان يستقلها في قطاع غزة.
حركة حماس، وعلى الرغم من كون القرار القضائي الصادر يعد الأقسى بحقها خلال تاريخ علاقاتها مع الجارة الكبرى مصر، اكتفت بإدانة الحكم وقالت إنه حكم مسيّس ويستهدف الشعب الفلسطيني ومقاومته. عضو المكتب السياسي للحركة عزّت الرّشق اعتبر إقدام القضاء المصري على قبول مناقشة دعوى قضائية باعتبار ‘حماس’ منظمة ‘إرهابية’ والنظر فيها؛ يقدّم خدمة مجانية للاحتلال الصهيوني الذي يتربّص بفلسطين وشعبها وأمتنا العربية والإسلامية، على حد تعبيره، ويمثّل تتويجاً لما بدأه الإعلام المصري وبعض سياسييه من تشويه متعمّد للمقاومة وللشعب الفلسطيني وللحركة نابعا من كيد وتخبط سياسي محض لا مصلحة لمصر وشعبها فيه.
لا يخفى أن القرار القضائي المصري يعد سابقة في تاريخ العلاقات الفلسطينية المصرية، وسوف ينعكس، شئنا أم أبينا، على هذه العلاقة، لكن حسابات الربح والخسارة من الناحية السياسية والاقتصادية يمكن لها ان تؤثر في مسارات العلاقة الثنائية بين الطرفين.
زيادة الحصار الذي يعاني منه قطاع غزة ورقة فلسطينية قد تلعب، في هذا السياق، في مواجهة أي محاولة مصرية للانتقاص من شرعية الحركة ووجودها على الحدود مع مصر، فرغم الآثار الاقتصادية القاسية التي قد يتعرض لها القطاع، جراء تشديد الحصار عليه وعلى أهله، إلا ان الحصار نفسه قد يضع النظام المصري في خانة واحدة مع ‘إسرائيل’، من حيث محاصرتها لسلطة حماس في غزة، وهو ما قد تلعب عليه الحركة مستقبلا، ولمحت إليه خلال ردها على القرار القضائي، فشعبية الحركة في العالم العربي والإسلامي لا تزال كبيرة، على الرغم من الهزات التي تعرضت لها حركة الإخوان المسلمين، بوصف الحركة الفلسطينية حركة مقاومة للاحتلال من وجهة نظر الشعوب العربية حتى الآن.
لا تمتلك حركة حماس استثمارات أو مقرات أو جمعيات سياسية أو خيرية كبيرة أو كثيرة في مصر، مقارنة مع ما كان لديها في سوريا على سبيل المثال، وهي رغم ذلك قد تتأثر بسبب هذا القرار، لكنه لن يصيب الحركة بالشلل بسبب تعدد موارد الحركة وعدم الاعتماد على التمويل المصري في الأساس.
تخشى حماس حالياً استغلال إسرائيل لما قد تعتبره نزع الشرعية المصرية والعربية جزئياً عن الحركة، لشن أي عدوان على القطاع في ظل تشاغل العرب والعالم بأزمات أكبر وأخطر على المنطقة والعالم، وهو تهديد جدي يأخذ في الحسبان قدرات الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو فيه وقدرته على استهداف الناشطين والقادة العسكريين لحركة حماس وبقية فصائل المقاومة، لاسيما بعد شحنة الأسلحة التي أوقفتها إسرائيل في عرض البحر، مدعية انها مرسلة إلى حماس من سوريا وإيران، لكن في تصوري أن الجبهة الإسرائيلية معنية أكثر بالشمال أكثر منها بالجنوب، وهي تتخوف من مخاطر اطالة النزاع السوري ومشاركة حزب الله اللبناني في القتال هناك، واحتمال تمدد النزاع إلى حدودها.
لن يكون القرار القضائي الأخير ضد حركة حماس من وجهة نظرها سوى حلقة في مسلسل شيطنة الحركة بالدرجة الأولى، والفلسطيني بوجه عام بدرجة تالية، وهو قرار قد يجد صدى لدى الشارع المصري المنفعل حالياً، بحكم التطورات المتسارعة على مشهده السياسي، لكن الأمور قد تتبدل سريعاً في ما لو هدأت الأمور وقررت مصر استعادة دورها في الملفات الإقليمية، وبالذات الفلسطيني منها، على الرغم من علاقتها الوطيدة مع حركة فتح الخصم اللدود للحركة فلسطينياً، لكن شعبية حماس التي لم تنتقص منها جذورها الإخوانية قد يدفع حكام مصر الجدد إلى إعادة النظر في سياق العلاقة ومآلاتها.

‘ كاتب وباحث فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية