حظُّك يا بهاء

حجم الخط
0

حظُّك يا بهاء

عاطف سليمانحظُّك يا بهاءاِصعدْ، اِصعدْ، وإذْ تصعدُ تبلُغُ سيوه. هنالك تتحري عن واحدٍ من قُضاة القرون الوسطي هو مولانا المهدي السنوسي الموجود الخفيِّ الكائن في جغبوب ومرجِع أجواد الواحة ؛ أجواد شالي الشرقية وكبيرهم الشيخ صابر وأجواد أغورمي الغربية وكبيرهم الشيخ يحيي . خلفهما ينقسم أهالي الواحة: زجَّالة شرقيون وزجَّالة غربيون، ثم نساء وأطفال شرقيون وغربيون، والحروب بين الناحيتيْن هي مسألة أصلية، لا تلزمها أسباب، ولقد فطن الشيخ يحيي الذي من أغورمي إلي أنه لابد أن تفني ناحية لتنجو الأخري وتعيش في سلام، وهو حلٌ لم يقدر علي إعمالِه إبَّان شبابه وقتما كان أشجع فتي في الواحة بناحيتيْها وبشهادة الخصوم الذين بهرتهم شجاعته وعزَّ عليهم أن يقتلوه وتمنوا عليه الانضمام إلي جماعتهم فاعتزل الجميعَ إلي الصحراء، ثم لم يستطع إعمالَه وهو شيخ صاحب حكمة فاعتزل الجميعَ إلي حديقته، فيما كانت مشورة مولانا المهدي السنوسي هي الإكثار من عقد المصاهرات بين الناحيتيْن لتذويب وتمييع الخصومة المبدئية بينهما، وفشل اقتراحُه وأضاف إلي أسباب الحروب أسباباً. تلك هي سيوه في نهايات القرن التاسع عشر بعد الاحتلال الإنكليزي لمصر وبعد تصفية ثورة عرابي، وذلك هو زمن رواية بهاء طاهر واحة الغروب .في الواحة ؛ كانت جدالات الشرقيين والغربيين لا يعوزها الرياء وتنطوي علي أحقاد وتفضي بالطبع إلي حروب، وهي جدالات عنيدة لطالما بدت في ظاهرها تمسُّكاً بمبادئٍ ولكنها في حقيقة الأمر ليست إلاَّ بلاغة وفصاحة الأجواد تحقُّ باطلاً في ناحية وتبطل حقاً في ناحية أخري، وتودي مقارعات البلاغة والفصاحة المرائية إلي إزاحة المبدأ المُتفَاصح بشأنه والحلول محله، أمَّا الاحتراب فهو حتميٌّ.أمرٌ مماثلٌ لذلك كان (ألا يزال؟) يجري في الوطن المصري بعمومِه ؛ فخونة أحمد عرابي رُفِّعَ اسمهم إلي حُماة الحضرة الخديوية، والثـــوَّار المغدورون خُفِّضوا إلي مرتبة العُصاة أو البُغاة، ومن تلــك الأجواء أعطي بهاء طاهر نتفــــةً من صفات يهـــوذا لبطله الصاغ محمود عبد الظاهر ضابط الشرطة الذي تعاطف (فطرياً) مع ثورة عرابي واضطر بعد هزيمة الثورة إلي التبرُّؤ والتنصُّل منها في تحقيق قانوني وظيفي. لحظة التبرؤ هي لحظة الرواية، وهي نور يكشف مأساة محمود (مأمور واحة سيوه لاحقاً) الذي هو شخص غير قوي وغير ضعيف، في الوسط، لكنما هو صاحب ضمير نبيلٍ نقَّادٍ غير متغاضٍ وأنقي من أن يهمدَ معه في الوسط. لم يكن محمود انتهازياً ولكنه تصرَّف (أو همَّ بالتصرُّف) أحياناً قليلة بما لا يكفي من نبالة، وضميره لا يتسامح بإزائها ولا يتساهل حتي إزاء نواياه، مما جلب له التعكُّر في حياته الخاصة مع نفسه ومع كاثرين زوجته الأيرلندية. إنه لا يصفح عن نفسه بل ويحاسب قلبَه علي المقاصد ولا يتشرَّف بأطايبٍ ظنَّهُ الناس قد أتاها، ويري أخطاءَه وعارَه بوضوح، وانتحر مفجَّراً حجارة المعبد فوق رأسه للتخلُّص من حياة ينجح فيها الخونة والوصوليون والوشاة والقبيحون ويألمُ فيها سواهم.استمتعتُ بالرواية المحبوكة، ورغبتُ لو أنها زيدت فصلاً يأتي علي لسان وصفي اليوزباشي، وفصلاً علي لسان فيونا أخت كاثرين، وكذلك فصلاً صغيراً لكلٍ من مليكة فتاة الواحة الفريدة الفنانة المدهشة، و نعمة السمراء معشوقة محمود المكنونة في روحه، حتي لو جاءت هذه الفصول علي حساب الفصل الطويل (و المكتوب جيداً) المكرس علي لسان الإسكندر الأكبر ليوجز فيه قصة حياته منذ أن حبلت به أمه إلي مماته،ربما لغرضٍ ليس أكثر ضرورة من أن الكاتب أراد أن يجيب علي تساؤل كاثرين وهي تحاول (عَرَضَاً) تحضير روح الإسكندر، ولربما أراد الكاتب أن يبيِّن، بمداراةٍ، أنها نجحت، وأن روح الإسكندر تردُّ عليها.الشيخ يحيي، خال مليكة، والوحيد الذي قدَّر الوجود الفائق لجمال مليكة الحر، والذي أحبها واحترمها وفهمها وخشي عليها من فظاظة لا يسلم منها مثلها، وبالفعل ؛ لم يستطع حمايتها فسحقها الأقربون والأبعدون فسُفِحَت أو انتحرت.هتف الشيخ يحيي (و يكاد صوت بهاء طاهر يطفر معه) وهو يتأمل ملكات البنت النادرة: حظُّكِ يا مليكة. ويستأهل بهاء طاهر الهتاف نفسَه وإنما خالِصاً من أي سوء: حظُّكَ يا بهاء.كاتب من مصرـ رواية: واحة الغروب، المؤلف: بهاء طاهر، الناشر: دار الهلال ـ القاهرة ـ تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية