‘حظ سعيد’: كوميديا بألوان الطيف السياسى

حجم الخط
0

عندما تكتب السينما شهادة ميلاد الشعب القاهرة – القدس العربي – من كمال القاضى: قبل قيام الثورة بفترة قليلة قدم الفنان احمد عيد رؤية اجتماعية ضد النظام السابق دعا من خلالها الى العصيان المدنى وبشر بيوم 25يناير او ربما رسم الماكيت لما حدث بالضبط فى ميدا التحرير على مدى 18يوم حيث ما تنبأ به فيلم’رامى الاعتصامي’ وهو ما تم تطبيقه فعليا.الآن وبعد ما اسفرت عنه الاحداث طوال العام ونصف العام الماضيين يعود ليطرح مجددا تفاصيل بانوراما الثورة والايام العصيبة فى فيلم’حظ سعيد’ مع السينارست اشرف توفيق والمخرج طارق عبد المعطى,اذ يلقى نظرة للوراء على مراحل التحول فى مصر,بدأمن المطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية ونهاية بأسقاط النظام واجبار الرئيس مبارك على التنحى ليصبح بين عشية وضحاها من رجل ذات سيادة ونفوذ الى رئيس مخلوع!!يستعرض الفيلم صور من استبداد الشرطة بالشعب كمقدمة لاندلاع الثورة او باعتبارها الشرارة التى اضرمت النار وفجرت القنبلة فبات الخلاص من النظام القديم ورجاله مطلبا للشعب .. ويتخذ كاتب السيناريو من شخصية سعيد’احمد عيد’ محور ارتكاز لتحريك كافة الاحداث ,فهو الانسان البسيط المسالم المهموم بقوته وحياة امه المريضة ومستقبله مع زوجته’مى كساب’التى ظل زواجه منها معلقا بسبب قصر ذات اليد وتردى الاوضاع وعدم الحصول على مصدر رزق ثابت.وبرغم وداعة سعيد وتواضع حلمه وابتعاده عن الشأن السياسى الا ان ارتباطه بالهم العام جاء عن طريق شقيقته الصغرى الطالبة الجامعية التى انخرطت فى التيار الثورى وانضمت الى قوافل الناشطين السياسيين ممن نزلوا ميدان التحرير فى اليوم المشهود وعسكروا ناشدين الحصول على مطالبهم وبالتالى كان الرابط قويا بين سعيد والثورة..فهمزة الوصل هى الشقيقه التى كافح من اجل تعليمها ووصولها الى المرحلة الجامعية.وهنا نلحظ اتساع الدائرة التى يدور فيها البطل تدريجيا فهو ينتقل من مستوى الى مستوى فى الوعى بأهمية المشاركة البناءة فالظروف التى قادته للنزول الى ميدان التحرير ليست هى الايمان بالثورة والثوريين وانما فقط الخوف على شقيقته كان هو الدافع الاقوى للوقوف فى خندق واحد مع اصحاب المطالب,ولكن شيئا تغير فى حياته بعد الاحتكاك بالثوار عن قرب وان غلبت اللهجة الساخرة على حواره. معهم نتيجة الخوف والقلق المسيطران عليه,ثمة سخرية اضافية استخدمها المخرج طارق عبد المعطى فى رصد المفارقات والتناقضات التى حوتها خطب الرئيس المخلوع وادت الى التمسك بتنحيته كمطلب رئيسى لنجاح الثورة,فبينما كان مبارك يتحدث عبر شاشة التليفزيون عن ايمانه بحقوق الشعب بعد ان ضاق علي الخناق كانت الشرطة تزداد بطشا وتنكيلا بكل من يقع تحت يدها من العناصر المناهضة, وقد تكررت هذه المشاهد بما يشبه التأكيد على أن الكذب كان عنوان النظام حتى آخر لحظة, وأن نجاح اى محاولة من محاولات الاحتواء من جانب مبارك كانت ستؤدى الى مزيد من الكوارث. وهذا المعنى الدرامى السياسى يثبت وقوف المخرج والكاتب على الاختيار الوحيد الاصوب وهو المصى قدما نحو استكمال الثورة وهذا بالطبع ما حدث..يلمح الكاتب والسينارست توفيق الى محاولات الاستقطاب التى جرت من قبل معظم التيارات السياسية لتجنيد سعيد, لاسيما جماعة الاخوان المسلمين لدعم مشروعها وتأكيد حضورها, بيد ان الوقوف الى جانب الجماهير كان هو الملاذ الآمن له بعيدا عن اى توجهات او تشوهات سياسية أو حزبية او طائفية, وربما ما عزز ذلك المشهد الذى رأينا فيه البطل احمد عيد وهو يتوضئ وبجانبه شاب مسيحى يصب له الماء, فهذه الدلالة اعربت عن الانحياز الوطنى فى رمزية واضحة واشارة بليغة الى اجماع كل الثوار والمناضلين على هذا المبدأ دون تشدق بالفرعيات الجانحة الى تكريس الفرقة.لقد تميز آداء عيد طوال الوقت بالكوميديا الساخرة فقد سخر من الفلول وكشف عن مؤامرة احباط الثورة وافشالها فى ‘موقعة الجمل ‘ ورجال النظام القديم الذين انفقوا الكثير من الاموال على البلطجية لتحقيق هذا الغرض دون جدوى..والحقيقة أن المشاهد الخاصة بالموقعه الشهيرة نفذت بحرفية ودقة يحسب للمخرج فتأثيرها الدرامى كان اقرب الى وقعها الحقيقى, المعركة الطاحنة بين الخيالة الذين اقتحموا الميدان وآلاف الشباب الثوريين الاقوياء الذين تصدوا لهم وردوهم عن مخططهم لحظات درامية عصيبة اعادت لنا ذكرى ايام مجيدة من النضال.الفيلم يعد وثيقة غنية تؤرخ لمراحل الثورة وتضعها فى بؤرة الضوء ليراها الجمهور من كل الجوانب , ولعل الحديث عن الرؤية يذكرنا بالدور العظيم لمدير التصوير ايهاب حامد الذى برع فى تجسيد الحالة كما كانت فى الواقع وكثف الاحساس باللحظات الحرجة بعد ان سقط جرائها مئات الشهداء من ابناء الوطن..ايضا موسيقى مصطفى الحلوانى جمعت بين التفاؤل والشجن وابقت على الاحساس الرومانسى كسمة من سمات الحالمين الانقياء فلم يتورط الحلوانى فى التيمات الحماسية المباشرة والمارشات العسكرية ولكنه لجأ الى الموسيقى الناعمة للتعبير عن المكنون الحقيقى فى الوجدان المصرى والملمح الاجتماعي الغالب على الثورة..توقفت مسيرة فيلم’حظ سعيد’ عند تنحى مبارك فقد ترك المخرج مهمة استكمال الاحداث للمتلقى على ان يتخيل كل منا من التطورات ما يوافق تصوره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية