حـتي لا نـَطـمس هـَوّيـتـنـا بـأيـدينـا!

حجم الخط
0

حـتي لا نـَطـمس هـَوّيـتـنـا بـأيـدينـا!

د. عبـد القـادر حسين ياسينحـتي لا نـَطـمس هـَوّيـتـنـا بـأيـدينـا! ليس ثمة شك في أن العالم يعيش اليوم ـ رغم كل ما تردده أجهزة الدعاية الأمريكية وأبواقها ـ في فوضي كاملة نتيجة للتناقضات الخطيرة والتفاوت الكبير في مصالح الدول الأعضاء في الأسرة الدولية، وثقل هذه الدول علي المسرح العالمي. فالـقليل من هذه الدول يمكن اعتباره ـ بحق ـ قوة كاملة لديها كل المصادر التي تؤدي الي القوة. والبعض يتمتع ببعد واحد للقوة مثل البعد الاقتصادي دون البعد العسكري (مثل الدول المصدرة للنفط أو اليابان) أو البعد العسكري فقط (اسرائيل) وبعض هذه الدول (وبخاصة في العالم الثالث) لا تمتلك من عناصر القوة الا موقعها الجغرافي أو صوتها في الأمم المتحدة. وأعتقد أن العالم سيعيش علي هذا الحال حتي تصل الأسرة الـدوليـة الي نظام عالمي تنزع فيه من أعضائها ما يسـميه المنظر العسكري البروسي المعروف Karl Von Clausewitz كار ل فون كلاوزفيتس، بـ الفطرة الأنانية ، ويصبح الجميع يتحدثون بـ لغة واحدة مفهومة، تصبح بدورها أساساً للحوار.والي أن يصار الي تحقيق ذلك لا مفر من استمرار الصراع بكافة أشكاله. ولكن…. ما هو الصراع؟ الصراع هو تصادم ارادات وقوي متخاصمة يكون هدف كل طرف فيه تحطيم الطرف الآخر جزئياً أو كلياً حتي تتحكم ارادته في ارادة الخصم، وبذلك ينتهي الصراع بما يحقق أهدافه وغاياته. هذا هو التعريف الشائع للصراع.ان توجيه الصراع نحو حتمية تحطم طرف من الأطراف، أي تدمير ارادته ورضوخه لارادة الطرف الآخر، أصبح أمراً مستحيلاً. فقد أخلت المصالح العالمية المتشابكة بالمصالح الاقليمية وأصبحت الصراعات الاقليمية صراعات اقليمية ـ عالمية في حقيقتها وان كانت اقليمية في ظاهرها. بيد أن هذا لا يعني أن استحالة تدمير الارادة الاقليمية ترجع الي مساندة الارادة العالمية التي قد تكمن أو تتقوقع لظروف طارئة مفاجئة، أو أن الضغوط تجاوزت القدرة علي مقاومتها، أو نتيجة للخوف. وهذه كلها ظروف متغيرة تعود الارادة الانسانية بمجرد زوالها الي التحرك علي مسرح الأحداث.والنتيجة المنطقية لما نقوله هي انه بدلاً من أن يكون الهدف من الصراع تحطيم الارادة فان من الأنسب تليينها أو كسرها .وهذا التطور أدخل تـعـديلا علي أهداف الصراع في ظل تزايد القوة التدميرية لوسائله. فـحتي خلال الحرب العالمية الثانية، كان الهدف محصوراً في تدمير ارادة الطرف الآخر و استخدام أعلي وسائل العنف و الصعـود بالصراع الي مداه . وهذه الشعارات، ببساطة، لم تعد ممكنة الآن في ظل الرادع النووي والصواريخ العابرة للقـارات.وهذا يعني أن نتيجة الصراع لا يمكن أن تنتهي الي تحقيق الأهداف الكاملة كما هو واضح في التعريف الآنف الذكر، ذلك أن الأهداف الكاملة لا يمكن أن تتحقق الا باندثار احدي الارادتين وتصبح الارادة الغـالبة هي الوحيدة علي مسرح الأحداث، وذلك مستحيل. اذن فوجود الارادات المتصارعة واستمرارها يجعل أهدافها موجودة أيضاً، ولكن ليس الأهداف الكاملة، وانما الأهداف الناقصة. بعبارة أوضح، ان الصراع عندما ينتهي فانه يصل الي نقطة ما بين الانتصار والهزيمة، يحصل فيها كل طرف علي جزء من نصر ويمني بجزء من هزيمة.اذن، ربما كان التعريف الأكثر صواباً للصراع هو تصادم ارادات وقوي خصمين يكون فيه هدف كل طرف تليين ارادة الطرف الآخر حتي ينتهي الصراع بما يحقق الأهداف الرئيسة للأطراف المتصارعة بشكل أو بآخر .الهدف من الصراع، اذن، هو الوصول الي اتفاق، ذلك أن الصراع لا يمكن أن يستمر الي الأبد. كما أن الاتفاق، في الوقت نفسه، لا يمكن أن يستمر الي الأبد… فالصراع اجراء وقتي وكذلك الاتفاق، لان الصراع يكون علي مصالح متضادة، والوفاق مصلحة. فليس في السياسة صداقة دائمة ولا عداوة دائمة…. بل هناك ـ كما قال ونستون تشرتشل ـ مصلحة دائمة. ولكن مصلحة اليوم قد لا تكون في الغد. فالمصالح تتغير بتغير الظروف. فالمسألة، اذن، مسألة وقت، ويطول الوقت اذا كان الاتفاق الذي تم التوصل اليه كاملاً، وقد يقـصر اذا كانت التسوية ناقصة، أو اذا كان أحد الطرفين يعتبرها مجحفة بحقه. وتتناسب التسوية تناسباً عكسياً مع الأهداف التي تحققها. فهي تسوية كاملة اذا ما حقـقـت الأهداف الناقصة للأطراف وهي تسوية ناقصة (أو رديئة) اذا ما حققت الأهداف الكاملة للطرف الأقوي. والتسوية تعبر أصدق تعبير عن قوة الموقعين عليها، أي أنها تعبير صادق عن توازن القوي السائد وقت توقيعها. وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنه يجعل الدبلوماسية من صنع القوة وليس العكس.ومثل هذه التسوية ناقصة ولا يمكن أن تدوم. والأفضل أن تعبر التسوية عن ثقل المصالح وليس توازن القوي … ومن نـافلـة القـول ان هذا لا يمكن أن يحدث في ظل المواقف الجامدة التي تنادي بـ الأبيض و الأسود ، اذ لا توجد مثل هذه الألوان في السياسة التي هي عبارة عن فن تحقيق الممكن … في السياسة يتم مزج الأبيض بالأسود لتكون النتيجة اللون الرمادي الفاتح أو الغامق حسب الظروف.ان الصراع لا يعدو كونه حوارا يتراوح بين ألـ Monologue (الحديث مع النفس) وDialogue (الحوار مع الغير.) وسواء تم الحوار أثناء الصراع علي طريقة المونولوج أو الديالوج ، فانه لا يتم بآراء حرة بل بارادات ناقصة. ذلك أن الحوار حوار ارادات، والارادات عوامل ضاغطة تتحرك علي المسرح برغباتها المتصارعة، كل له رغباته وأهدافه ويسعي الي تنفيذ أكبر قدر ممكن منها.وحتي يكون للحوار نتيجة لا بد أن يتم بلغة مفهومة. ويؤسفني جداً أن أقول اننا ـ كعرب ـ ندير الحوار منذ 58 عاماً بلغة لا يفهمها الآخرون، بل يخيل اليّ أننا ندير الحوار مع بعضنا البعض بلغة غير مفهومة من الجميع أيضاً (ومحاضر اجتماعات جامعة الدول العربية ـ أطال الله بقاءها!! ـ خير شاهد علي ما أقول)، ولذلك فنحن دائماً منقسمون متصادمون، مفككون، لا يظهر لحوار نتيجة لا مع أنفسنا ولا مع الآخرين، ولا حاجة بي لتقديم الأمثلة.يتم الحوار في الصراع بـ لهجات مختلفة (سياسية واقتصادية واعلامية). فالكلمة، علي سبيل المثال لا الحصر، لهجة، والطلقة لهجة. وفي الصراع لا بد للمرء من أن يتقن كافة اللهجات، وبذلك يكون قد أتقن لغة الحوار. فليس معني بداية المفاوضات مثلاً نهاية القتال. وليس معني بدء القتال قطع خطوط الاتصال… ما هكذا تورد الابل! وما هكذا تكون الصورة في الصراع… فاذا كانت الارادة المضادة ما زالت عند موقعها العنيد علي مائدة المفاوضات، فان تحريك الوضع في مسرح العمليات قد يفيد في تليين الارادة. أي اذا لم تكن أحدي اللهجات كافية لتحقيق الهدف المنشود، فلا بد من استخدام لهجة أخري أكثر قدرة علي الاقناع. لا اعني بذلك أن تكون الكلمة بديلاً للطلقة (أو العكس) فكلاهما مكمل للآخر، ولا وزن للكلمة في الصراع الا اذا كانت مرتكزة الي القدرة (ولا أقول القوة) فالقوة جزء من القدرة والأمة العربية تملك قدرات هائلة ولكنها، للأسف الشديد، تعجز عن استخدامها في الوقت المناسب أو تحريكها في الاتجاه السليم. ان ادارة الصراع ليست نزهة. والربـَّان الماهر هو الذي يقود سفينته وسط هذه العاصفة الهوجاء والا اصطدمت سفينته بالخط الحرج، أو انخلع قلبه من اشتعال خط الأمرالواقع ، وهنا سيغرق الربان مع سفينته ويصبح وجبة شهية لأسماك القرش.كما أن الحوار في الصراع ليس كلمات مـُنمــَّقـة، وأحاديث معسولة للصحافة الغربية تلقي هنا وهناك. ولكن الحوار في قضية مصيرية مثل القضية الفلسطينية يدور بين مواقع القدرة التي يحققها كل طرف من الأطراف. ومواقع القدرة هي محصلة ما يحققه الشعب لنفسه من بنيانه الداخلي وفي قواته المسلحة… في رغبته في التضحية (ولم يـبـخـل شعبنا الفلسطيني يوماً بتقديم التضحيات) وفي قدرته علي الصمود، في اختياره لحلفائه وأصدقائه علي أن يعلم علم اليقين أن قوته الذاتية هي طريقه الي فرض احترامه علي الأعداء قبل الأصدقاء علي حد سواء. وفي غابة السياسـة، وفي عالم لا يفهم الا لغة القوة، لا بد أن تكون أسداً حتي تخشاك الأسود، وأن تكون ثعلباً حتي تتفادي الكمائن.في مقـابلـة أجرتـهـا معـه القنـاة الثانيـة في التلفزيون الاسرائيلي في الأسبوع الماضي، قال ملك الأردن عبد الله الثاني ان ثـمـة توافقا عربيا واسلاميا واسعـا حول ضرورة التزام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي يجري العمل علي تشكيلها بشروط اللجنة الرباعية الدولية الثلاثة، أي الاعتراف بالدولة العبرية، ونبذ الارهاب، والالتزام بالاتفاقات الموقعة. ان تصريحات العـاهل الأردني تعكس توجها جديدا من قبل الأردن ومصر والمملكـة العربيـة السعودية والامارات العربية المـتـحـدة لممارسة ضغوط علي الفلسطينيين للامتثال للمطالب الأمريكية والاسرائيلية.فاتفاق مكة الذي تمخضت عنه المصالحة الفلسطينية لم يطالب الحكومة بالاعتراف بالدولة العبرية، ولا نبذ الارهاب، وطالب فقط بـ احترام الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية.لم يطالب ملك الأردن بالشيء نفسه من الحكومة الاسرائيلية، خاصة أن خريطة الطريق التي أصدرتها اللجنة الرباعية موضوعة علي الطاولة منذ أربع سنوات، ولم تطبق الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة أي شرط منها.كـمـا أنـه لم يطلب الي صـديقـه جورج بوش بان تمارس الولايات المتحدة الأمريكية نـفـوذهـا لتطبيق مبادرة السلام العربية التي لم تعترف بها اسرائيل مطلقا، علي الرغم من أن معظم بنود هـذه المـبـادرة تصب في مصلحتها، وتعرض عليها الاعتراف الكامل من قبل 22 دولـة عربيـة مقابل الانسحاب الكامل من الضفة الغربية وقـطـاع غـزة.غني عن البيان أن جمود عملية السلام هو نتيجـة لرضوخ الحكومات العربية للمطالب الأمريكية والاسرائيلية دون مناقشة، وممارسة الضغوط علي الطرف الفلسطيني الضعيف لتقديم المزيد من التنازلات التي تفرط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وتكرس الاحتلال الاسرائيلي… وأدلي العـديد من المفكرين و المحللين السياسيين العرب بـدلوهم، ولم يكتـفوا بتفسير أو تأويل ما قاله الملك، بل تعـدوه الي النقد اللاذع للحالة الفلسطينية ونقد حالة الصمود في مواجهة الحصار الدولي المفروض علي شعبنا مـنـذ عـام كامل، وتباكوا علي هذا الشعب الفلسطيني المظلوم الذي لا يجد رغيف الخبز ولا حبة الدواء … ويري هـؤلاء أن فك الحصار يكون بالاستجابة الي مطالب اللجنـة الرباعية ، فـهـذه المطالب هي مطالب جميع العرب والمسلمين علي حسب ادعائهم. فلو سلمنا جدلاً بأن الحكومة الفلسطينية القادمة وافقت علي شروط اللجنة الرباعية فـمن يضـمـن أن لا تطلب اللجنـة الرباعية بعد ذلك أن نتنازل عن حق العودة وعن القدس؟!لا يـفـوّت الرئيس الفلسطيني محمـود عباس فرصـة دون أن يــُذكر أصـدقـاءه الأوروبيين بأنـه ملتزم باجراء مفاوضات مع الطرف الاسرائيلي. لـقـد مرَّت 15 سنة علي انعقاد مؤتمر مدريد دون أن يتحقق الحـد الأدني من الحقوق الفلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا حقق الوفد الفلسطيني من نتائج، وهل ما زال ثمة أمـل بتحقيق نتائج ايجابية بعد هذا المسلسل من الحوارات المتنقلة بين عواصم العالم؟!خمسة عشر عـامـاً ونحن نقدم التنازل تلو الآخر (وكأننا في عرض مستمر للتعري!) لدرجة فقدنا معها حتي ورقة التوت . كنا ننادي بالتحرير الكامل من النهر الي البحر، وبفعل حنكة قادتنا وادارتهم لفن الصراع تحول نضالنا، منـذ توقيع اتفاقيـة أوسلو، الي ضرورة الاحتكام الي العقل (كذا…!!) والي القبول بـ تسوية لا تعطي شعبنا أكثر من 22 بالمئة من مساحة فلسطين…وعملاً بالقول المأثور بأنه ليس بالامكان أفضل مما كان قبلنا. لكن زعماءنا، علي ما يبدو، لم يدركوا يوماً أن العدو الصهيوني يفهم الصراع معـنا علي أنه ـ بحق ـ صراع من أجل الوجود وليس صراعاً علي بضعة كيلومترات مربعة. ولا شك في أن الزعماء الاسرائليين تمكنوا من ادارة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي انطلاقاً من مواقع القدرة العسكرية التي حققتها اسرائيل طوال 58 عاماً. وعلي الرغم من ذلك، نجد بعض القيادات الفلسطينية تغالي في تفاؤلها وتصر علي ضرورة استئناف المفاوضات.بعـد 90 عاماً من النضال لا نملك الا أن نستمر من أجل الحيلولة دون طمس هويتنا بأيدينا، ذلك أن الأحلام غير المدعومة بالقوة تخلف وراءها الكثير من الضحايا.ہ كاتب وأكـاديمي فلسـطيني مقـيـم في السـويـد8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية