أحلامنا تتحقق: عاشت الثورة دق في آخر العام المنصرم آخر مسمار في نعش الجهل والتخلف والفساد. والمسامير التي دقت فيه كثيرة لا يحصرها عدد.
وبداية الدق ترجع الى وقت قريب، يكاد يبدأ مع رقاد ‘الميت’ او على الأصح تربعه في النعش منذ ثلاثة عقود ونيف.
ولم يكن النعش نعشا لرمة الميت الجسد المتعفن وهو حي فحسب، بقدر ما كان نعشا لرحلة الموت والبؤس والعذاب لقوى الشر والبغي والعدوان، ونهاية حتمية لشبح الرعب والمكر والخداع. ولطمر سيئات وآثام وموبقات لا تغتفر. وأضرار وأحقاد وجرائم لا تقبل التوبة. ولكن أسوأ ما فيها هو ان الميت الشقي شغلهم بنعشه عن أنفسهم وبموته عن حياتهم. فأضاعوا الوقت وهم مجدون في دق المسامير! والنعش طويل لاينتهي، والميت متربع لا يرقد.. كلما دقوا مسمارا، نزع مسمارا حتى أشاع بينهم الفرقة والوقيعة حول مسامير النعش. أيهم الذي دق، وأيهم الذي نزع، وأيهم الذي جاهد في الدق، وأيهم الخائن الذي لا يدق والمخادع او المحتال.
وهكذا بات دق المسامير في النعش هو شغل أهل الحي الشاغل. وأضحى التشاغل بدق المسامير في نعش الميت هو هدفهم الأول في الحياة، واستطاع الميت بذلك ان يلهيهم عن دنياهم. ولملمة جراحاتهم وإصلاح حالهم. وعن أنفسهم وعن أرزاقهم وعن كل شؤون حياتهم. واليوم وفي الذكرى الأولى لاندلاع الثورة الرائدة وقد دق الثوار المسمار الأخير، فقد أغلقوا النعش على الرمة. وأراحونا الى الأبد من استبداده ومصائده وسمومه وأوجاعه.
سنكف منذ مطلع العام التالي هذا عن الدق.. وسيكف المرتزقة منا عن الاتجار به والتعيش منه. يمكننا الآن أن نبدأ الحياة ونبني وطننا، ونوجه قوانا الضائعة وطاقاتنا المتجددة الى الخلق والإبداع. لا الى الدق الى البناء لا الى النعش. والى العيش لا الى الموت. وليذهب الميت مع ألف لعنة. او تكفي لعنة واحدة حتى لانضيع وقتنا في لعنة. او يصبح لعنه حرفة أخرى. ليذهب الميت وليحيا اليمن العريق والثورة الخالدة. وكرامة الميت دفنه. عبدالجليل أبوغانممن يرد للمحتل اللكمة؟! عمّت الفوضى أحياء الوطن، وصار لزاماً على الحكومة أن تمنع الشّر بشر، فأقام الأمن حواجز تفتيش، وقطعوا اليد اليمنى لكل مواطن مِن المِعصم، وأعطوهم إيصالات أمانة لاسترجاع أياديهم المُصادرة بعد عام.. ونجحت الخطّة مِن أول يوم، لأن الإنسان بلا ذنب هو المواطن بلا يد، ومشى الناس في شوارع الوطن بأيدِ مبتورة، ولكن فرحين بالنظام، وقيل أن مَن ذهبَ ليطلبَ يده ومعه الإيصال قـُتل وأمه ناحت عليه، فرّدّ الناس بحرق الإيصالات وقالوا: إيد تروح ولا إم تنوح!
وأتتهم الأخبار بأن أصابعهم فُككت لاستخدام البصمة بغير ما يرضون، وبعدها اكتشفوا أن الرئيس خلع الأظافر ليدشّن بها سيارات القصر، ثم علموا أن محابس الخِطبة التي تركوها أمانة في الأصابع قد بيعت، ثم رأوا أن الأيادي بلحمها ودمها صُدّرَت لمستشفيات العالم الثالث. ولمّا انتهى العام تذكّروا أن عملاء الحكومة هم مَن اخترع الفوضى.
والآن، بعد سنين من الاستقرار، اكتشف المواطنون أن أياديهم لم تُقطع، بل ‘قبضة الشعب’ هي التي قُطعتْ، حتى لا يرد اللكمة لمُحتل.
عنان العجاوي- جنين[email protected]كى لا ننسى! في مارس من كل عام، وإذا ما تلفع الكون بالربيع مجدداً، وبينما تشدو العصافير الملونة بألحانها الجميلة وهي تتناقل بين الأغصان التي كستها الأوراق الخضراء بعد شتاء بارد أفقدها إياها، كنت أنتظر أن يشدو جرس الباب بنغمته الهادئة معلناً عن وصول هديتك المعتادة، تفقدت الرزنامة لأتحقق أن اليوم هو الحادي والعشرين من مارس.. وقد كان!
لعل المانع خيرا، ليس أمامي الان سوى إنتظار ساعي البريد يأتي حاملاً الطرد البريدي الذي يحوي هديتك كالعادة، فأنا أعدّ أيام الزمن وساعاته في إنتظار هديتك.. لا أذكر سوى مرة واحدة التي أخطأت في حسابي، حيث وصلت الهدية قبل موعدها بساعات قليلة، طال إنتظاري لساعي البريد ولكنه لم يأت كعادته.. يمر الوقت وبمروره تتناسل أسئلة القلق مستحضرة هواجس الخوف، ومع طول الانتظار يتزايد الشعور بالحزن، فما أصعب أن ينتظر الانسان لحظة لا تجيء! هل يمكن لأحد أن يكسر ساعات الزمن أو يجر عقارب الساعة إلى الامام كي تمر بسرعة؟! أتمنى لو أسبق الزمن كي أرى مستقبل اللحظات القادمة، كنت أحسب أن قلق الأمهات غير مبرر طالما كان الأبناء بخير، بغض النظر عن بعدهم أو قربهم من أحضان أمهاتهم، لكن الان فإن تأخر عادتك وعدم حدوثها جعل من حيرتي تأويلاً مفتوحا على كثير من الاحتمالات.. يكاد يقتلني الخوف عليك، ويمزق قلبي طول الانتظار.. أترقب في صمت شديد أن يقرع جرس الباب معلناً وصول هديتك.. مازلت أنتظر في ترقب!
في مارس من العام التالي.. وتحديداً يوم الحادي والعشرين.. وفي صندوق البريد أمام المنزل وضع ساعي البريد لفافة مزركشة بعد أن فقد الأمل في أن يفتح له أحداً باب المنزل، فالهدوء والصمت وحدهما هما من يسيطر على المكان، لقد ماتت الأم!
لا تأخذكم مشاغل الدنيا.. فتنسيكم أقرب الناس إليكم. أحمد مصطفي الغـرإلى المناضلة هناء شلبي والمناضل خضر عدنان منذ ما يقارب المائة عام والشعب الفلسطيني لا يزال يكتب قصص الصمود والبطولات المصورة، لا يزال يقاوم بالحجر وبالشعر، ينشد محمود درويش قصيدة لوصف علاقة السجان الشوفينية مع السجين فيقول: وقد فتَّشوا صدرَهُ/ فلم يجدوا غير قلبهْ/ وقد فتشوا قلبَهُ/ فلم يجدوا غير شعبهْ/ وقد فتَّشوا صوتَهُ/ فلم يجدوا غير حزنهْ/ وقد فتَّشوا حزنَهُ/ فلم يجدوا غير سجنهْ/ وقد فتَّشوا سجنَهْ/ فلم يجدوا غير أنفسهم في القيود.
حجم المأساة يكبر عندما تلتف القيود لتطال الأرض والبشر وبالتالي تتساوى العناصر جميعها لتصبح أسرى لاحتلال متوحش لا يريد للبشر أن ينعموا بالحرية، ولا أن يموتوا موتا طبيعيا كبقية البشر. أما الرسالة الوحيدة التي تبثها بندقية المحتل الى الفلسطيني هي أنهم تحت سقف سجن واحد، فالقضبان إن لم تكن فولاذية فهي حسية تطاردهم وتحشر الهواء والحرية عن عيون الناس. لكن القضبان الوفية تتحول الى أقلام يكتب بها الأسير على جدران مخيلته الرحبة جل معاناته وأحلامه، فتصبح الكتابة قوتا يوميا يغني عن المأكل والمشرب، ثم تتحول لتصبح إضرابا عن الطعام، ومن ثم يتحول الإضراب الى فضاء يطلق فيه الفلسطيني شروطه المشروعة في العيش الكريم، ويفرض على السجان احترام آدميته. في هذه الأثناء تكمل الأسيرة في السجون الصهيونية هناء شلبي القصة البطولية التي بدأ بكتابتها الأسير خضر عدنان. حبكة القصة تدور حول أبطال من الواقع يقومون بمحاربة السجان باستخدام سلاح الأمعاء الفارغة تحت شعار الموت جوعا فوق حياة بلا كرامة. انها قصة حلم بادئ في التحقق والخروج الى النور. نضال عساف – الإمارات