تونس- “القدس العربي”: أعلنت قافلة الصمود المغاربية، السبت، أنها تتعرض منذ ليل الجمعة لـ”عملية حصار ممنهجة وصلت إلى درجة التجويع” من قبل سلطات شرق ليبيا (التابعة لخليفة حفتر)، التي أكدت أنها “لم تكتفِ بمنع تقدم القافلة نحو سرت، وعزلها تماماً عن العالم الخارجي عبر تعطيل شبكات الاتصالات والإنترنت. بل صعدت أمس من تضييقها عبر منع وصول أي تموينات بالغذاء والماء والدواء للمشاركين في القافلة الذين يناهز عددهم الألف وخمسمئة”.
وأشارت إلى أن القوى الأمنية منعت بالقوة وصول “قافلة الفزعة لقافلة الصمود” التي نظمها بعض الليبيين من داعمي القافلة، كما “أمعنت القوى الأمنية في حرمان أعضاء القافلة من التموين الضروري لاستمرار اعتصامهم على مشارف مدينة سرت. وذلك عبر التنكر لوعودها لنا بالسماح لأعضاء هيئة التيسير والنظام بإدخال المواد التموينية، إذ منعت ليلة أمس أعضاء الهيئة من العودة إلى المخيم بالاحتياجات الأساسية للمشاركين. كما منعت حوالي خمسين مشاركا آخر من الالتحاق بالقافلة، مما أدى إلى تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء: الأول بالمكان الأصلي للمخيم، الثاني على بعد كيلومتر ونصف (مع منع أدنى درجات التواصل بينهما)، والثالث في منطقة آمنة تتوفر على شبكة الاتصالات على بعد 40 كلم، حيث تجمع بضعة عشرات من المشاركين الذين منعوا من العودة إلى المخيم”.
كما استنكرت الهيئة قيام قوات حفتر باعتقال “أربعة نشطاء في القافلة (جزائريان وتونس وليبي) بذريعة نشرهم فيديوهات مسيئة لسلطات بنغازي، دون السماح لهم بمرافقة محامي أو الاتصال بعائلاتهم، كما فعلت الأمر نفسه بالجزء الرئيسي من المخيم. وقد بلغ تعسف القوى الأمنية إلى درجة تهديد أحد عناصرها بعض المشاركين بالسلاح إثر احتجاجهم على الإيقاف التعسفي لأحدهم”.
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=122140510346685412&id=61570562377046&ref=embed_post
من جانب آخر، اعتبر سياسيون تونسيون أن قافلة الصمود المغاربية حققت أهدافها عبر توجيه بوصلة الرأي العام الدولي مجددا باتجاه قطاع غزة.
وقال سمير بن عمر، رئيس الهيئة السياسية لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية: “قافلة الصمود هي ردة فعل شعبية وعفوية تجاه تخاذل النظام الرسمي العربي في نصرة إخواننا الفلسطينيين وهي مساهمة بسيطة من الشعب التونسي وشباب تونس في محاولة فك الحصار الذي يتعرض له الفلسطينيون، وهي تبرهن على تلاحم الشعبين التونسي والفلسطيني، وهي ليست أول محطة للتلاحم بين الشعبين وخاصة أن دماءهما اختلطت في السابق، سواء في حمام الشط (المجزرة التي نفذها الطيران الإسرائيلي ضد منظمة التحرير الفلسطينية خلال وجودها في تونس عام 1985) أو في غيرها من المحطات النضالية التي خاضها الشعبان التونسي والفلسطيني من أجل تحرير فلسطين، وإن شاء الله -بفضل الشباب المقاوم في مختلف الأقطار العربية- ستتحرر فلسطين ويتم كسر الحصار الذي تتعرض له غزة، ليس من الكيان الصهيوني فحسب، بل من الأنظمة العربية المتخاذلة والعميلة”.
رسائل سياسية من تونس لفلسطين
وأضاف لـ”القدس العربي”: “هذه خطوة محمودة، بغض النظر عن نجاحها في كسر الحصار على قطاع غزة، وأعتقد أن هذه القافلة حققت أهم أهدافها وهي جذب أنظار الرأي العام الدولي إلى ما يتعرض له إخواننا في فلسطين، لأني لا أعتقد أن مبادرة بسيطة مثل قافلة الصمود بإمكانها كسر الحصار، ولكن الغاية هي بعث رسائل سياسية بالدرجة الأولى (وأعتقد أنها وصلت) تؤكد أن شباب تونس متضامن مع فلسطين وأن الفلسطينيين ليسوا لوحدهم في مقاومة الصهاينة”.
وتابع بن عمر: “الرسالة الثانية هي كشف أنظمة العمالة التي تعمل على أن تكون الساتر الأول في حماية الأمن الصهيوني، وهي على عهدها تخذل الشعوب العربية وتخذل المقاومة الفلسطينية، ولذلك -أيا كان موقف النظام المصري- فهو لن يغير من أهمية هذه القافلة ورسائلها”.
واعتبر محمد علي الغول، القيادي في حركة حق، أن قافلة الصمود “تجسد نموذجاً استثنائياً للوعي السياسي النضالي الذي يتبلور في صفوف الأجيال الشابة، حيث تتجاوز مجرد كونها مبادرة إنسانية لتصبح تعبيراً عميقاً عن استمرارية الوعي التحرري العربي”.
وأضاف لـ”القدس العربي”: “هذا التحرك الشبابي يكشف عن نضج سياسي ووطني وإنساني يتجسد في فهم عميق لطبيعة الصراع وأبعاده التاريخية والجيوسياسية، ويفاجئنا مرة أخرى بهذا الوعي المتقدم الذي نعتبره مكسباً وطنياً حقيقياً في ظل توارث الحق الفلسطيني جيلاً بعد جيل”.
حاضنة تاريخية للقضية الفلسطينية
وأشار إلى أهمية هذه المبادرة كونها تأتي من تونس “التي ظلت حاضنة تاريخية للقضية الفلسطينية منذ الثمانينات، حين احتضنت الفلسطينيين وامتزجت على أراضيها الدماء التونسية بدماء الإخوة الفلسطينيين في تجسيد حي للوحدة النضالية العربية. كما أن القرار الأممي الوحيد الذي أدان الكيان المحتل والذي انتزعته تونس دبلوماسياً يشكل مع هذا التاريخ النضالي إرثاً تاريخياً يؤسس للموقف المبدئي الثابت الذي تواصل تونس ترجمته اليوم عبر هذه المبادرة الشعبية”.
وأضاف: “يتبنى الشعب التونسي في هذا السياق رؤية استراتيجية تقوم على اعتبار القضية الفلسطينية قضية مركزية تتجاوز الحدود الجغرافية لتصبح قضية إنسانية كونية، حيث يعتبر أن الظلم المُمارس ضد الفلسطينيين يُمارس بالضرورة عليه وعلى الإنسانية جمعاء. هذا التصور العميق يقوم على مبدأ أن الاعتداء على الحقوق الفلسطينية يمثل اعتداءً على القيم الإنسانية المشتركة، مما يستدعي موقفاً تضامنياً شاملاً ودعماً مستمراً لكل حركات التحرر الحرة في العالم”.
تشكل القافلة رسالة حضارية متعددة الأبعاد للعالم الحر وللإنسانية والإنسان الفلسطيني بالذات، وتؤكد أن الشعوب المغاربية ستظل تساند كل حركات التحرر وتدعم الحق الفلسطيني بما تستطيع
كما اعتبر الغول أن القافلة “تشكل رسالة حضارية متعددة الأبعاد للعالم الحر وللإنسانية والإنسان الفلسطيني بالذات، وتؤكد أن الشعوب المغاربية ستظل تساند كل حركات التحرر وتدعم الحق الفلسطيني بما تستطيع. وهي ليست سوى دفع معنوي تضامني ورمزي كبير للإخوة المحاصرين في غزة تحت نيران الاحتلال الصهيوني وفي ظل تواطؤ الأنظمة الرسمية وخذلانها وعجزها عن تمرير المساعدات العالقة في معبر رفح، بينما يموت الأطفال يومياً من سوء التغذية ونقص الأدوية”.
مد شعبي مغاربي باتجاه فلسطين
وأضاف: “هذا المد الشعبي التونسي والمغاربي، وإن لم يحمل مساعدات عينية كبيرة، فإنه يحمل رسالة عميقة لكل فلسطيني مفادها أنه ليس وحيداً، وأن الشعوب ستظل تلفت انتباه شعوب العالم الحرة لمأساته حتى يزداد الضغط على الحكومات الرسمية وتتحرك في اتجاه وقف هذا الحصار الجائر. هذا البعد النفسي والمعنوي لا يقل أهمية عن الدعم المادي، حيث يساهم في تعزيز الصمود الداخلي ومقاومة اليأس، كما يهدف إلى تكثيف الضغط الدولي على الأنظمة الرسمية”.
وتابع الغول: “قافلة الصمود تمثل في نهاية المطاف نموذجاً متقدماً للعمل الشعبي المنظم الذي يتجاوز حدود الاستجابة الانفعالية ليصل إلى مستوى الفعل السياسي المدروس والرسالة الحضارية المتكاملة، وهي تعبير صادق عن نضج الوعي الجماهيري العربي وقدرته على إنتاج أشكال جديدة من المقاومة الحضارية والتضامن الإنساني في مواجهة التحديات الراهنة”.