حفرة لاستذكار وجه الإسكندرية

في روايتها «السيدة التي سقطت في الحفرة» الصادرة حديثا عن دار الشروق، تحاول الكاتبة إيناس حليم، وبإصرار إبداعي كبير، جرنا إلى حبس الأنفاس، في ملحمة لا تبدو كتبت عن سيدة سقطت في حفرة ما، في يوم ما، من أيام سبعينيات القرن الماضي، ولكن عن الإسكندرية أولا، كمدينة تستحق أن تلقى عليها عشرات التحايا، وعن النساء ليس ككائنات ضعيفة أو ضحايا، ولكن كشخصيات موجودة وفاعلة، أو خاملة لا يهم، قد يكُنّ ضحايا مرة، وبطلات أسطوريات مرات أخرى، ونساء هن ربات بيوت وأمهات عاديات في معظم الأحوال..
منذ بداية النص الذي يعتمد على كثير من تقنيات وحيل الكتابة، تبدو الكاتبة، أو لنقل الراوية شادن مهتمة بنقل عالمين ممتلئين بالتفاصيل، عالم السبعينيات بما فيه من جمال وقبح، وعالم ما بعد الألفية، حين تحاول شادن لملمة الحكايات لتكتب روايتها، التي لم تكتبها أمها الكاتبة العظيمة، أو ربما تكون كتبتها، لست موقنا تماما، لأن النص بحيله يمكن أن يلقي بك في دوامة من الهواجس والشكوك. واللافت في هذه الرواية، كثرة التفاصيل التي لا تغفل أي شيء، حتى لو كان بسيطا وغير مؤثر، لكن وجوده داخل العقد المغزول للكتابة، يؤثر في كل شيء.
دعونا نتابع الراوية حين تفكر، حين تستعرض صندوق الهدايا الذي وصلها من والدتها الكاتبة، حين تمشي في شارع النبي دانيال، وغيره من الشوارع المهمة في الإسكندرية، حين تلتقط وردة من حديقة، وحجرا صغيرا من الطريق، حين تلمح قطا أليفا يتمسح بحائط ما، وعاشقين يتناجيان في ركن هادئ، حين تغوص وسط ضجيج السيارات، حين تستمتع أو تمتعض من سقوط المطر، ولا تنقطع عن نسج الخواطر، وحين تتحدث عن قصة الحب بين جدها وجدتها، وتربطها بالعقل التنويري للجدة، التي صمدت، لكنها خرجت من الصعيد، حيث كان يمكن أن تدور مأساة كبرى.

أظن أن كثيرين منا سمعوا أو قرأوا قصة العروس التي سقطت في الحفرة، في السبعينيات ولم يعثر عليها أبدا، وتحولت إلى قصة أسطورية قد لا يعتقد الكثيرون بحدوثها، وأذكر أنني سمعت عن القصة وقت حدوثها، وكنت طالبا في الثانوي كما أذكر، وكانت ثمة تفاصيل كثيرة، تردنا عبر الصحف المصرية، التي كان بعضها يصل، ولدرجة أن الأمر أصبح مشوقا، ولكن انتهت القصة بغموضها، وتحولت إلى نص فنتازي أو أسطوري، وتحولت علامات التعجب والاستفهام حوله إلى علامات راكدة لا يستخدمها أحد.
إيناس استفادت من ذلك النص الفنتازي، وقادتنا كما قلت في تلك النزهة الثرية عبر نصها الذي قال الكثير، وأفصح عن الكثير، متخذا من خلفية العروس الضائعة، معزوفة ربما لتحية الإسكندرية، المدينة التي يعرفها التاريخ جيدا، الميناء العبقري الذي جمع طوائف وأجناسا عدة على مرّ التاريخ، وشهد ولادة وموت شعراء، وحكماء ورجال دين، وحروب وغير ذلك، وما زالت تلك المدينة أداة جذب كبرى للسياحة، واكتساب المعرفة الكبرى. وأظن أن كثيرا من الروايات كتبت عن الإسكندرية، وعالمها المختلف، منها لكتاب عرب، وكتاب أجانب أيضا.
المميز في نص إيناس، أنه لم يكن نصا استعراضيا للمعلومة، على الرغم من امتلائه بكثير من المعلومات، التي قد لا نكون نعرفها، ما يجعله نصا معرفيا أيضا، ولا نصا كتب بكلاسيكية، أي بوضوح وحكاية تبدأ وننهيها في أذهاننا قبل أن تنتهي كتابة، ولا استخدم اللغة الباردة التي لن تحرك الشجن، ونقرأها في كتابات الكثيرين.
هو ببساطة أضاء، والتقط، وأحيا تساؤلات كثيرة، ومنحنا متعة قلما توجد في الحكايات.
لا أريد ـ كما قلت ـ أن أحكي قصة شادن ومحاولتها لمّ تفاصيل حياتها وحيوات نساء اقتربت منهن في الأسرة، ولكن التحدث عما يمكن أن نكافأ به حين نقرأ نصا كهذا.
أنا شخصيا لم أعثر على الحكاية كاملة، ولا حتى شبه مكتملة، وإنما شاركت في كتابتها، وتخيلتني أقف مع كثيرين، نغزل مع الراوية مونولوجاتها، وحكاياتها الصغيرة، وهواجسها وأوهامها، وحتى لحظات ضعفها وفرحها، لنكتب قصة عن سيدة سقطت في حفرة، وعن مدينة كاملة، لا أظنها سقطت في الحفرة، لأن تاريخها الكبير، يقف حائلا بينها وبين السقوط في الحفر.
وإن كان الزمن قد تغير، والحكاية الرائجة في السبعينيات، تحولت إلى أسطورة، فإن ثمة حكايات أخرى في الزمن الحاضر، يمكن أن تنتشر، وأن تستلهم في ما بعد، حين تصبح أساطير راسخة. ولا يفوتني أن أشير إلى دأب الكاتبة في البحث عن كل ما يسند روايتها ويوقفها عند باب التميز، وكما أقول دائما، لا بد من البحث قبل البدء في كتابة أي فكرة، فالبحث حتى لو استمر زمنا، يفتح أبوابا للكتابة قد تكون مغلقة، ولكن حين تُكتب نتائجه أو تُحول إلى صيغ إبداعية، يظهر التميز، هناك من يكتب روايته كأنها البحث الذي أجراه، وهناك من يعثر لأبحاثه على صيغة إبداعية ممتعة ومدهشة، كما حدث في هذه الرواية.
إيناس حليم، كاتبة يأتي منها الكثير، وكانت تجربتها هنا مهمة جدا في مسار الرواية، هي كتبت رواية، لن نقول إنها رواية نسوية، ولكن رواية عربية بمواصفات غاية في الجودة.

كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية