حفريات بألوان ترابية: ‘معرض ‘ذاكرة ارض’ للتشكيلي المغربي عبد المالك بومليك

حجم الخط
0

شفيق الزكاريستعرف قاعة محمد الفاسي التابعة لوزارة الثقافة بالرباط، معرضا تشكيليا للفنان عبد المالك بومليك تحت عنوان ـ ذاكرة أرض ـ وذلك يوم الثلاثاء 20 تشرين الاول (نوفمبر) 2012، ابتداء من الساعة السادسة والنصف مساء. ويتضمن هذا المعرض جديد إنتاجه، امتدادا لتجربته السابقة التي تعتبر من التجارب المغربية الجادة، لتنوع طرحها، ولانسياب موضوعها، وأهمية تقنياتها. ويعتبر الفنان بومليك الذي دشن علاقته بالتشكيل منذ أواخر التسعينيات، فنانا عصاميا كون مشروعه الفني بالمطالعة والاحتكاك مع التشكيليين، والاطلاع على التجارب الوطنية والدولية، مما ساعده على طرح أسئلة عميقة لها علاقة بجذوره وهويته. وقد كتب الفنان التشكيلي والناقد شفيق الزكاري ورقة مختزلة في دليل المعرض حول تجربة هذا الفنان تحت عنوان ـ حفريات بألوان ترابية ـ محاولا الوقوف على جوانبها الأساسية إذ هي التالية:1 – أن تكتب عن الفنان عبد المالك بومليك، معناه أن تتحمل مسؤولية الرهان على تجربة يجب أن تعيش تفاصيل تطورها الزمني بكل حيثياته الدقيقة، وأن تستحضر كل المرجعيات بحمولتها الثقافية و التاريخية والجغرافية، التي تصب في تجربته منذ ولادتها، وبما أننا عشنا البدايات الجنينية لهذه المغامرة التي تستحق الاهتمام والمتابعة، لم نتردد ولو للحظة، في الكشف عن أغوارها وعن الأسئلة العميقة التي تطرحها بوعي إبداعي متميز، انطلاقا من إحساس بأهمية ونوعية الخطاب التشكيلي الذي كانت مؤمنة ووفية له منذ بداياتها.2 – إن تجربة الفنان بومليك واستنادا لمراحلها التطورية، كانت ولا زالت تستمد كينونتها وقوتها من تجليات الفعل التاريخي والجغرافي لبداية الكون بكل رواسبه الطبيعية بتعريته وحفرياته، استنبطها الفنان من ذاكرته الطفولية المتشبعة بتضاريس انتمائه لأمكنة ما زالت تحتفظ بعذريتها، فكانت تجربته نوعية في الاستجابة لهمس المكان، في بعده الوجودي والطبيعي ثم الرمزي، بروحانية بوهيمية، بحثا عن حقيقة غائبة بين ثنايا الحفريات.3 – فمن جراء الخدش والحفر الذي أفرزته يد الفنان بفعل الضغط الغائر على السناد، استنتجنا رغبته في إبراز فعل القوة للنفاذ من وراء المساحة بحثا عن معطيات غير ممكنة إلا بفعل مؤثرات التعرية الطبيعية، حيث تم اختزال المسافات الزمنية بطرق تقنية إرادية ومرغوب فيها، إحالة على فضاءات وأزمنة المغارات والكهوف، حيث الفطرة والتلقائية والعفوية في رسم حدود المشاهد اليومية وتأريخها، وقد توفق الفنان بومليك في رصد أغلب هذه المكونات للتحفة الفنية، التي انتزعها من الذاكرة الجماعية، ليضفي عليها بمعرفته البديهية روحا مستقلة، بمرجعيات ذاتية اكتسبها بعصامية من جذور واقعه ومتخيله الفني.4 – قليل الكلام، وصامت صمت أمكنة مساحاته التشكيلية بنتوءاتها الصارخة في سكون، عمل إيجازي بما يحمله من عناصر مختزلة، ضمن نسق تركيبي تم بناؤه بناء تراتبيا، قسم السناد لمساحات أفقية وأخرى عمودية، انطلاقا من الجزء للكل، بطريقة تنقيبية عن تلاشي الأجزاء لإعادة ترميمها، عمل أركيولوجي شاهد على تحولات المادة بأزمنتها وطبقاتها المتعددة، جمع بين مفاهمية الطرح التشكيلي و سؤال الهوية من مرجعية تاريخية بدلالاتها الموغلة في القدم منذ بداية رسم الكهوف إلى حدود الأن، عمل أيقوني توفر فيه بعدين أساسيين وهما : الطول والعرض، ثم العمق كبعد ثالث.5 – لم يتجاوز قط حدود الألوان البنية الترابية، ووفي لأرضه بنظرة شاملة تجتمع فيها كل زوايا منظور المشاهدة، تارة نتأمل العمل بنظرة أفقية أو عمودية، وتارة أخرى نحلق بنظرة فوقية تزيد العمل تألقا، لتعدد دلالاته ولتنوع أسراره، من خلال تقابلات ضوئية تزيد العمل بهاء، تعكسه التدرجات اللونية السائلة لكل من اللون الأحمر والأصفر والبني زيادة عن الأسود والأبيض كمكملين داعمين لخلق ظلال الأشياء، كل يسبح في فلك مساحة أعدت لتستقبل الأشكال بتنوعاتها، سواء كانت دائرية أو مربعة أو مستطيلة أو انسيابية…6 – لصاق، تراب، نتوءات بارزة … تحددها خربشات على شكل نذوب كأنها جراح تم ترميمها، مساحات مفتوحة على كل الإمكانيات التقنية والإبداعية بأدواتها ومعداتها المتنوعة، مشاهد متسلسلة بحبكة لنمط وأسلوب شخصي، ترتب عن بحث مستمر لتطويع المادة، وكأنها لوحات اقتلعت من جدران مهترئة، أو انعكاس لطباعة حفرية بخطوط غائرة تحيلنا على مجرى مياه التعرية كفعل للاإرادي، عمل لم يتعرض لعملية الهدم والبناء كجل عدد من التجارب الفنية الأخرى، بل عمل حافظ على نسقه التركيبي، انطلاقا من عناصر موجودة أصلا في الطبيعة، مع إعادة صياغتها وتوظيفها على شكل فسيفساء، جعل منها الفنان بومليك مطية للتعبير عن أهمية الوجود في علاقته بالجذور.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية