حفر من جرذان سد مأرب
حفر من جرذان سد مأرب ان من الامثال العربية ما يتجاوز كونه خلاصة تجارب عاشتها الامة الي اختزال مرحلة تاريخية كاملة كانت حاسمة في حياتها ولعل المثل المذكور يعتبر عنوانا ما يجمع بين الاثنين اذ الحاضر، والبعد السحيق في الزمان الماضي، يتبدي معيشا في الزمن الحاضر، علي اختلافات لا تستعصي عن فهم القارئ، فسد مأرب العظيم الذي بناه اليمنيون جعل الاراضي المحيطة به بل اليمن كله جنات تتدفق ثمارا وحبوبا وانعاما وحيوانات صيد وجداول رقراقة وهواء يطيب فيها عيش الجميع ويرغد فتساوي افراد المجتمع ملوكا وخاصة وعامة في جني هذا الخير العميم وانتفت الطبقية والاقطاع وزالت العبودية وتنفس الشعب الموحد نسيم الحرية وطمح الي المعالي والسؤدد فانزعج الملوك وخاصتهم من هذا الوضع الجديد اذ لا يعقل ان يتساووا مع الرعية ويروها بأم العين تعيش حياة الرفاه والحرية والآمال العراض مثلما يعيشون (هم) فقرروا بسرية وخبث ودهاء تخريب مزارع العامة بدكها بأعداد مهولة من الجرذان ومنع صيدها محاولين في نفس الوقت حماية مزارعهم بالاكثار من القطط الاليفة والبرية لكن الجرذان تكاثرت تكاثرا اعجز الجميع عن ايقافه بما فيه القطط وأتي علي الاخضر واليابس ونقب السد نقبا وحفره حفرا وشق اسسه ووسطه واعلاه بشبكات من الجحور والمغارات سرعان ما سري الماء المتأتي من السيل عبرها فانهار السد ودمرت مياهه العاتية الاشجار والنبات والحيوان واغرقت آلاف السكان مع بيوتهم وتفرق الباقون في اقاصي المعمورة حفاة عراة تائهين.وبعد قرون وقرون اسس احفاد المتفرقين ايادي سبا دولا في الاراضي الجديدة لكن قادتها لم يعتبروا بسياسة الاجداد المدمرة فاضافوا الي سلاح الجرذان التقليدي الفتاك سلاحين آخرين اكثر فتكا اولهما جرذان جديدة مخلقة تعيف الشجر والنبات وتكره حفر الجحور والمغارات في الارض وتشره وتهيم بقرض جسم الرعية/الامة وتمزيقه كما تفعل العثة والسوس في الجلد الاملس حتي وجد افراد المجتمع انفسهم دون جرذان تجوع فهكذا وجرذان تلهب الجلود والاجسام فيتشتتون طوائف واعراقا وعشائر يتحاكون كقطعان الابل الجرباء ويتطاعمون رديء الطعام، فتفقد الامة مقومات الأمة بتفتيت الروابط والآمال الجامعة والقيم الراصة وتبخر مشاعر النخوة والعزة والكرامة فينام الحكام هانئين نعمين وارثين مورثين انقاض امة كلما حلمت بالافضل حولوا حلمها الي كابوس.د. الضاوي خوالديةقفصة تونس6