حفنة من تراب

حجم الخط
0

حفنة من تراب

المنوبي زيّودحفنة من ترابفي طابور المسافرين وقف رجل في نهاية العقد الخامس من عمره ينتظر دوره امام الجمارك. كان اثنان من اعوان الجمرك يتفقدان ادباش المسافرين. عندما اتي دوره نظر اليه احد العونين نظرة استكشاف فلم يبد علي الرجل ارتباك او اي مظهر يشي بالريبة. ولكن شيئا واحدا لفت انتباه العون. الكيس الذي يحمله الرجل. كيس صغير جدا لا يكاد يتسع لبدلة واحدة وقد اعتاد اعوان الجمرك ان تكون حقائب المسافرين عديدة ومكتنزة.سأله العون: اهذا كل ما تحمله؟ اليس لديك متاع آخر او حقيبة او ادباش اخري؟اجاب الرجل بالنفي.نظر اليه العون نظرة شك وحيرة واضاف: هل لديك ما تصرح به؟قال الرجل باقتضاب ولكن بحسم واعتداد: لا شيء.ـ افتح الكيس.فتح الرجل الكيس. وضع العون يده فتبعثرت بدلة قديمة وتحسست يده لفافة صغيرة صلبة فسحبها فاذا بها تحتوي علي تراب.قال العون:ـ ما هذا؟ـ تراب.ـ تراب؟! لماذا تحمله معك؟!ـ احمله للذكري.بدا العون مذهولا. لم يفهم ما سمعه. فتح جواز السفر وتأمل في خانة مهنة المسافر فوجد العبارة التالية: مدرس متقاعد.ـ انت مدرس علوم الحياة والارض؟ـ لا كنت مدرس مادة التاريخ.ـ آه. جميل..وابتسم العون مداريا دهشته قائلا:ـ التاريخ مادة هامة. ولكنني كنت متوسطا فيها. قلت لي انك تحمل معك هذا التراب للذكري. الم تجد الا التراب لتتذكر وطنك في غيابك عنه؟ لماذا لم تحمل صورا مثلا؟ـ التراب يذكرني بمسقط رأسي. واشم منه روائح الوطن.ـ آه. صحيح. هل ستبقي طويلا خارج الوطن؟ـ لا ادري.ـ ولماذا تسافر؟ اقصد هل تسافر للسياحة ام لشغل ام لسبب آخر؟ـ اريد ان أجرب في اخر عمري العيش في منفي اختياري. لا ادري كم يدوم.ازداد العون تعجبا من جواب الرجل. وطفق يقلب الصرة التي وضعت فيها حفنة التراب باستغراب ثم قال:ـ لئن كانت حفنة التراب هذه شيئا تافها في التقدير المادي والمالي فانني سأضطر الي عرضها علي رئيسي المباشر ليتخذ في شأنها قرارا.وقطب وجهه وزم شفتيه وانزاح حاجباه قليلا عن عينين لامعتين واضاف:ـ صدقني. لاول مرة اجد نفسي في هذا الموقف. امرك بسيط يا رجل ولكنه غريب في نفس الوقت.ومضي الي رئيسه المباشر.قال الرئيس: استاذ تاريخ متقاعد!! هل له علامات مميزة؟أجاب العون: انه شخص عادي.قال الرئيس: اقصد اشياء تثير الريبة. مثلا هل له لحية؟اجاب العون: لا يا سيدي.شغل الرئيس جهاز الكمبيوتر امامه. نقل اسم الرجل ولقبه الي الجهاز. وجد البيانات التالية: لا سوابق له. لا ينتمي الي الحزب الحاكم ولا لأي تنظيم آخر وان كان يميل الي المواقف المعارضة. يقرأ جريدة الحزب المعارض الوحيد. مستقيم ومنضبط لكنه خجول وانطوائي. مستقر في حياته الزوجية. سافر مرتين. المرة الاولي الي العراق. حجز عنه عشرون كتابا معظمها في الادب ثم استرجعها من وزارة الثقافة بعد خلاص عشرين دينارا. وفي المرة الثانية حجزت عنه لدي عودته من لبنان مطبوعات عن الاتفاقية العالمية لمناهضة التعذيب وعن الاعلان العالمي لحقوق الانسان واعدم المحجوز .وضع اصبعه باهتمام شديد علي البيانات المتعلقة بالمحجوز وقال:ـ الرجل من ذوي السوابق. المحجوز يدل علي خطورته. اخذ ورقة البيانات معه وصرة التراب وتوجه الي رئيس مركز الشرطة. اتصل رئيس مركز الشرطة برئيس المنطقة، واتصل رئيس المنطقة برئيس الاقليم، ورئيس الاقليم بادارة العمليات بوزارة الداخلية.وكان كل واحد عندما يتصل بالآخر يضيف الجملة التالية: في رصيد الرجل السابق محجوزات مريبة وسفر الي بلدين تدور فيهما احداث ساخنة رغم ان البلد الذي سيتوجه اليه الآن سياحي وليس لنا مشاكل معه.بعد سعي حثيث في جمع المعلومات وتشاور كثيف بين الاطراف المعنية في سلم الترتيبات قررت ادارة العمليات حجز صرة التراب وتحليلها ومنع الرجل من السفر الي حين ظهور نتيجة التحليل.اظهر التحليل ان التراب من حديقة منزل الرجل ولكن الرجل بقي موقوفا علي ذمة التحقيق لانه لم يستطع ان يجيب عن سؤال الباحث المختص الذي قال له: لقد اظهرت نتيجة التحليل ان حفنة الرمل تحتوي علي سبع حبات من الحصي الكبير واحدي عشرة حبة من الحصي المتوسط والفين وثمانية حبات من الحصي الجيد. ماذا تقصد بهذا المقدار المضبوط؟وعندما اجاب الرجل: انني لا اقصد شيئا. لقد جمعت حفنة الرمل بيدي دفعة واحدة ووضعتها في صرة ، اغتاظ الباحث صائحا: لا تقل لي انك لم تحسب حبات الرمل.كان الباحث ينتظر بفارغ الصبر جوابا مقنعا من الرجل لينهي التحقيق ويشاهد مباراة شيقة لكرة القدم من جهاز تلفزيون امامه. لكن قبل ان تبدأ المباراة كان المذيع يعلق علي رحلة لسفينة فضاء امريكية وعن حفنة تراب جلبها عالم فضاء من رحلته الاخيرة الي القمر وقد تحلق حولها علماء الناسا لتحليلها.كاتب من تونس0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية