حفيف الصفصاف!

حجم الخط
0

خيري منصور

ليست مجرد ذكرى ولا حتى نوستالجيا شخصية لغائب ترك المكان كمزهرية فارغة يثرثر فيها غياب الورد على مدار اللحظة، لكنها وقفة اعتذار مزدوج الى الغائب ذاته اولا، ولمن انسحبوا في صمت واسى تاركين الحمل بما حمل لمن ينافسون الدود على الجسد. واذكر ان رامبو صاح في وجه اخته ايزابيل وهو يحتضر قائلا لها ان اسوأ ما في الموت انه يحول دون دفاع المرء عن نفسه، ويضطر الى الاصغاء حتى لأصوات طالما أزعجته في حياته، لكن رامبو كبقية السلالة الخالدة لم يعدم من تولوا الدفاع عنه لحظة صمته الأبدي، بدءا من نصوصه حتى نقاده الذين لم تشملهم القطعنة الاكاديمية فتمردوا على اختزاله الى صبيّ عاقّ وشارد او مجرد مثليّ مغامر تقاسم الخطيئة مع توأمه اللدود فيلين. وفي غياب المبدعين يتسع المدى لمن لم يقتربوا من تخومهم وهم احياء فيحاول احتكارهم حتى هؤلاء الذين كانوا يتذكرون كل ما ينقصهم في حضرة هؤلاء… محمود درويش ليس استثناء الا بالقدر الذي يعيدنا الى وعيه الاستباقي وحدسه بما حدث بعد الوعكة التي اصابته، فهو لم يمت تماما ولا حتى الى حدّ ما لأن طاقته الحيوية وروحه وذاكرته وكل ما جمع به خياله مبثوث في اعماله، التي اكتملت بعد ان اصبحت أرملة، وأوشك احيانا ان اقول ان هناك من لا يعرفونه، لفرط ما أعيد انتاج الرجل حتى اصبح سواه تماما. واختراع شاعر بعد غيابه الجسدي صناعة عربية بامتياز، وهي صناعة قومية لم يسلم منها حتى الزعماء الأبطال، والمادة الخام لهذه الصناعة ليست سيرة الغائب او مجمل انجازه، بل هي ركام من المكبوت النفسي والاحباطات. وقدر تعلق المسألة بدرويش فقد كان يضيق احيانا بلقب شاعر كبير، ويقول ان هذه التسمية تتيح لمن لا صلة لهم بالشعر ان يكونوا شعراء ايضا حتى لو كانوا صغارا. احد مخترعي درويش بعد الغياب، تسبب ذات يوم بأن اضطر الشاعر الى شراء هاتف به خدمة تكشف رقم من يتصل به، وثمة من تغزل بالقهوة التي يصنعها محمود في بيته لأصدقائه لمجرد انه قرأ صفحات من ذاكرة للنسيان وحين سألت محمود عن ذلك الذي تغزّل بقهوته اقسم مرارا بأنه لا يعرفه ولم يسبق له ان رآه.. فهل نجرؤ بعد ثلاثة اعوام من الغياب على البوح بما كظمناه غيظا طيلة تلك الفترة… ونقول مثلا ان من يجود عليه الشاعر بأحذيته القديمة رغم اتساعها على قدميه الصغيرتين ليس ندّا او زميلا او صديقا، او ان تلك السيدة التي لم تكف عن الثرثرة حول علاقتها الحميمة بالشاعر جعلته ينفر من النساء جميعا لبعض الوقت! هل نقول ايضا بأن الناقد الأصغر كما كان يسميه يخاف منه ولا يحبه على الاطلاق، لأن لمحمود شاعرا وانسانا حصافة وثقافة حواس تجعله يفرق بين العضّة والقبلة، وبين النفاق المطلي بالتزلف والحب…!* * * * * * * *ما من شيء او حتى كائن لم يتعرض لاختطاف من تابوته في هذا الوطن العربي الذي رضع منذ بواكيره ثقافة الشيزوفرينيا، ولم يفت درويش ان يقول حيا بأن هناك من يحبونه ميتا… وقد صدقت نبوءته فها هم يحبونه بإفراط يشي بالريبة لمجرد انه لم يَعُد هنا! ولم يكن محمود يتمنى الحياة حتى السبعين او ما بعدها وحين بلغ الستين امضى شهورا وهو يقاوم الكآبة، وكان قبلها قد كتب في مجلة ‘الكرمل’ كلمة حميمة عن بلوغ سميح القاسم الستين قبله، وحين ابديت له رأيا في تلك الكلمة علّق على الفور بضحكة دامعة: لقد سحبني معه الى الستين ايضا. وفي احد المساءات التي لن تستعاد حتى الخاتمة، كان يسخر من قول الناس ان فلانا ابن ستين كلب.. وكأن رقم ستين هو نهاية المطاف، ولم يقتنع بخلاف ذلك الا عندما قلت له ان شعراء التكسب في تاريخنا العربي كانوا يمنحون اكياسا من الدراهم لا تتجاوز الألف او العشرة آلاف، والناس يقولون لبعضهم كل عام وانت بألف خير لأن الملايين والمليارات لم تكن معروفة لحواسيبهم البدائية… فإان الستين يا صاحبي مراهق في زمن تغير في متوسط عمر الانسان، واخيرا اتفقنا على استراتيجية تليق بالزمن النّذل والغادر هي التخطيط لأربع وعشرين ساعة قادمة فقط!* * * * * * * *ذات ظهيرة فوجئت بعدة اتصالات من محمود رغم انه يعرف بأنني لا استيقظ قبل الظهيرة، وعندما طلبته على الفور كان صوته مبحوحا وجافا ولا يخلو من ارتعاشة، وقال لي بالحرف الواحد: انا مخنوق. ذهبت اليه فوجدت الصديق علي حليلة يجلس بجواره وقد انعكست صورتهما في المرآة الدمشقية ذات الاطار الفضي في صالون صغير لكنه يتسع احيانا لأن تعدو فيه خيول الشعر كلها، وعرفت من علي ان محمود تلقى فاكس من طبيبه في باريس يخبره فيه انه مصاب بسرطان البروستات وفي مرحلة متقدمة. وحاولنا علي وانا ان نخفف عنه لكن بخجل شديد لادراكنا بأن وعيه محصّن ضد مثل هذه المحاولات، خصوصا وانه همس في أذني يوم ماتت امي في دار العزاء: سأقول لك كل شيء الا الجملة الخرقاء التي سمعتها اليوم من الآخرين وهي لعلها آخر الاحزان، فالاحزان ليس لها آخر. ولو كان حيا هذا الاسبوع لقلت له يا محمود صدقت ولم تكذب عليّ فقد مات اخي ايضا ولم يكن موت امي آخر الاحزان. اما المفاجأة فهي ما سمعته منه عبر الهاتف في اليوم التالي، فالبحّة هي ذاتها لكنها أشبه ببحة امرأة زغردت كثيرا لشدة ما فرحت، وقال لي ان فرنسا ارتكبت واحدا من اجمل وأنبل اخطائها الطبية، فالفاكس الذي وصلني من المستشفى كان عن طريق الخطأ وهو لشخص آخر.. وبعد احتفالنا بهذا الخطأ الجميل وتناولنا العشاء معا هو وعلي وأنا قلت له عبارة اعترف لي فيما بعد وعندما نشرت مقالتي ‘عودة الشعر الضالّ’ في مجلة وحهات نظر انها لم تغادر ذاكرته وقلبه حتى كتب اول مقطوعة شعرية في كتابه المزدوج بين الشعر والنثر ‘ في حضرة الغياب’. تلك العبارة كانت ضرورة اعتذارنا معا للمصاب الذي لا نعرفه والذي وصل اليه فاكس المستشفى…* * * * * * * بعد حفلة توقيع لديوان صديقنا المشترك طاهر رياض ذهبنا معا الى أحد المطاعم، وسألني محمود: هل تتصور بأن بعض اصدقائنا الشعراء تحسسوا من كلمتي عن طاهر؟ وكان قد قال كلمة عذبة ووفية وبها مهاراته كلها عن صديقنا طاهر، ثم فوجىء بأن قلت له بالتأكيد.. لأننا جميعا بشر، وانا شخصيا كنت سأخنقك لو لم تقل عني شيئا كهذا وربما اكثر، ولا أدري بماذا احس محمود لدى سماعه اجابتي فصاح في المطعم غير عابىء بأي شيء وقال لهذا: انت انسان حرّ.

لم يكن محمود متأنقا بل كان انيقا حتى في الطريقة التي يقص بها اظافره كما يقول شيلر، ولم يكن متشاعرا بل كان شاعرا تحالف المهد والتابوت في داخله الخصب ضد ثنائية الحياة والموت… وفي اول عصيان من القلب الكلب في تونس كانت حمامة قد احزنته لأنها ماتت على شرفة بيته ولم يستطع انقاذها. وبالرغم من انه لم يتح لأحد ان يقرأ المونولوج الطويل الذي تسلى به محمود في الطريق من عمان الى هيوستن الا ان لديّ من القرائن ما يكفي لأن احزره في عناق قادم!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية