حقائق على الارض

حجم الخط
0

الجدال على البناء الاسرائيلي في المناطق لا يتضمن فقط آراء في مسألة ما ينبغي عمله، بل وأيضا عدم الاتفاق الاساس على الحقائق. ومع مراعاة الانتباه الهائل الذي يولى لهذا البناء، في البلاد وفي الخارج، كان يمكن توقع أجوبة واضحة وبسيطة بالنسبة للوضع على الارض. ولكن الاجوبة على الاسئلة الاساس ما هي وتيرة نمو المستوطنات، وكم اسرائيليا يسكن خارج الكتل الاستيطانية ليست أجوبة قاطعة لا لبس فيها. فحسب معطيات السلطة الفلسطينية، فقد ازداد عدد المستوطنين باستمرار وبلغ في العام الماضي 544 ألفا. ولكن الفلسطينيين لا يميزون بين عمونا وارئيل، أو حي غيلو. وهم لا يميزون بين المستوطنات التي لا يعترف بها القانون الاسرائيلي وبين المستوطنات التي هم أنفسهم وافقوا، في كامب ديفيد، في انابوليس أو في كل خطة سلام اخرى على أن تبقى تحت سيادة اسرائيلية. بالمقابل، حسب مكتب الاحصاء المركزي الاسرائيلي فانه ‘في منطقة يهودا والسامرة’ يسكن اليوم 325 ألف اسرائيلي. ولكن بمراعاة حقيقة أنه لا يوجد تعريف رسمي أي بلدات تندرج ضمن الكتل الاستيطانية، فان الحديث يدور عن معلومات جزئية فقط.
في أعقاب عدم اليقين في هذه المسألة المهمة نشأ فراغ يسارع ذوو المصلحة الى ملئه. داني دايان، رئيس مجلس ‘يشع’ للمستوطنين سابقا، ادعى العام الماضي في مقال نشره في ‘نيويورك تايمز’ ان 160 الف يهودي يسكنون في ‘تجمعات أهلية خارج الكتل الاستيطانية، ممن يدعي مؤيدو فكرة الدولتين انه سيكون ممكنا دمجهم بسهولة داخل اسرائيل’. بالمقابل، في صفحة ‘السلام الان’ على الفيسبوك، يدور الحديث عن 70 الف مواطن أو 30 الف عائلة ستكون حاجة الى اخلائها اذا تحقق اتفاق.
فحصنا معطيات الانتخابات في كانون الثاني/يناير من هذا العام وقارناها بمعطيات عن الانتخابات السابقة، على فرض أن الارتفاع في عدد مستحقي الاقتراع في كل بلدة في المناطق سيعكس وتيرة الارتفاع في عدد السكان. فوجدنا أنه في السنوات الاخيرة كان هناك نمو كبير في كل أرجاء يهودا والسامرة على جانبي الجدار. وللدقة، فان عدد الاسرائيليين فوق سن 18 المسجلين كمن يسكنون شرق مسار الجدار ازداد بـ17 في المئة في فترة الولاية السابقة لبنيامين نتنياهو (2009 2013). العدد الاجمالي للمقترعين في هذه البلدات في يناير 2013 كان 43155. ولما كان العمر الاوسط للاسرائيليين الذين يعيشون في المناطق يبلغ 18 بالضبط، فمعنى الامر أن حجم السكان ضعف هذا العدد.
في الفترة التي ولد فيها هؤلاء المقترعون الجدد (1991 1995)، كانت وتيرة الزيادة الطبيعية نحو 6 في المئة. ويفهم من ذلك أن 11 في المئة من الارتفاع في عدد السكان المقترعين يفسر بانتقال جسدي للسكان اتساع البلدة. والسطر الاخير هو في اثناء الولاية السابقة لنتنياهو اتسعت البلدات التي شرق الجدار بأكثر من العُشر.
حقيقة أنه لا يوجد تعريف واحد للكتل الاستيطانية لا تغير حقا النتائج في شيء. فعندما فحصنا التعريفات المختلفة، مثل خريطة البلدات التي اندرجت في اقتراح ايهود اولمرت لتنقل الى الدولة الفلسطينية، حصلنا على عدد مشابه. معطيات الانتخابات ليست مقياسا كاملا لوتيرة النمو السكاني، كون المواطنين الاسرائيليين قد يسجلون كسكان في المستوطنات لاسباب مختلفة ويواصلون السكن في اماكن اخرى، ولكن من الصعب ان نتخيل بان بوتيرة 10 في المئة نمو تنبع من هذه الظاهرة. ولاغراض المقارنة، ففي فترة ولاية اولمرت (2006 2009) ارتفع عدد المقترعين المسجلين في ذات البلدات بالضبط بمعدل 35 في المئة. في حساب سنوي، تكون الوتيرة ضعف الحالية، رغم أن برنامج اولمرت كان ‘الانطواء’ والانسحاب من معظم مناطق الضفة.
معظم هذه الحقائق تغيب عن الخطاب العام. ويجدر ان يعاد النظر فيها، وللمفارقة، فان الفلسطينيين ومجلس ‘يشع’ على حد سواء اختارا استراتيجية زيادة الاعداد. الفلسطينيون كي يخلقوا احساسا بالالحاح، ومجلس ‘يشع’ الاحساس بالنصر وانعدام القدرة على التراجع. وبرأينا فان لانحياز الحقائق تأثيرا سلبيا. فهو يشوش الجمهور ويؤدي الى حث خطوط سياسية تقوم على اساس الانقطاع عن الواقع والتضليل.
في السنوات الاخيرة صرح رئيس الوزراء نتنياهو عدة مرات بانه يؤيد فكرة الدولتين. ويفهم من هذا ان بعضا من البلدات القائمة ستبقى خارج الحدود المستقبلية لاسرائيل. فلماذا تستثمر الدولة في التجمعات الاهلية التي سترحل في نهاية المطاف. احد الاحتمالات هو ان توسيع البلدات هو سياسة واعية، فكلما كان يسكن خلف الجدار عدد اكبر من الاسرائيليين، سيكون من الصعب اخلاؤهم، ولهذا فيمكن لاسرائيل أن تكون اقل اهتماما في مواضيع مثل الامن والحدود. احتمال آخر هو انه توجد نية خفية لابقاء اولئك المستوطنين في بيوتهم، وجعلهم سكانا في الدولة الفلسطينية. اذا كان هذا بالفعل هو الوضع، فيجدر باحد ما ان يقول للمستوطنين ذلك وفي اقرب وقت ممكن.
تفسيرا ثالث هو أن الحكومة سمحت بتوسع تلك المستوطنات لان مجموعات ضغط المستوطنين في الليكود طالبت بذلك مقابل تأييدها السياسي. ولكن يوجد ايضا تفسير رابع: الارتفاع في عدد السكان الاسرائيليين شرق الجدار حصل لان قدرة الحكم المركزي في اسرائيل على صد مثل هذا البناء محدودة (وبالتأكيد محدودة أكثر مما تميل الحكومات الاجنبية الى الاعتقاد).
مهما يكن من أمر، فاذا كان المبدأ الذي يوجه حكومة اسرائيل بقي بالفعل حل الدولتين، تقسيم البلاد والانفصال عن الفلسطينيين، فثمة عدم تطابق بين هذا المبدأ واستمرار الاختلاط السكاني. ان عدد المقترعين المسجلين هو فقط مقياس ذو صلة بالنمو السكاني، وليس دليلا قاطعا. يحتمل أن يكون الارتفاع في عدد المباني، مراكز البناء او معطيات حجم الاستخدام للارض هي مقاييس مفضلة، ولا ريب أن مراعاتها ستعطي صورة اكثر غنى. ولكن النقطة الاساسية هي أن النقاش على المستوطنات بات صاخبا لدرجة ان الحقائق كفت عن أن تنطق فيه. الشفافية في هذا الموضوع ستجعله اكثر دقة واكثر ذكاء.

هآرتس 6/8/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية