حقوقي سوداني: إقالة قائد الشرطة ونائبه ليست خطوة في تحقيق العدالة

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: رأى حقوقي سوداني أن إعفاء رئيس الحكومة، عبد الله مدير عام قوات الشرطة خالد مهدي إبراهيم الإمام، ونائبه الصادق علي إبراهيم، بعد مقتل أكثر من 40 متظاهراً احتجاجاً على الانقلاب «ليس كافيا، ولا يمكن اعتبارها خطوة في إطار المحاسبة وتطبيق العدالة».
وأعلن رئيس الوزراء تعيين كل من عنان حامد محمد عمر، مديراً عاماً لقوات الشرطة، ومدثر عبد الرحمن نصر الدين، نائباً لمدير عام قوات الشرطة ومفتشاً عاماً.
وتولى عنان المحسوب على النظام السابق، منصب مدير شرطة ولاية جنوب كردفان في عام 2017 ومدير الاحتياط المركزي في الفترة من يناير ويوليو 2020 قيادة قوات الاحتياط المركزي، كما أنهم من المقربين من البرهان.
وأعلن مجلس السيادة السوداني، السبت أيضا، تعيين اللواء محمد صبير مديراً لجهاز الاستخبارات العسكرية والفريق أحمد المفضل الذي كان رئيسا لحزب المؤتمر الوطني في ولاية جنوب كردفان إلى حين سقوطه، مديراً لجهاز الأمن والمخابرات.
والإعفاء جاء بعد مقتل 42 شخصا وإصابة العشرات في الاحتجاجات الأخيرة على انقلاب قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ووقع حمدوك إعلانا سياسيا جديدا مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في الحادي والعشرين من الشهري الجاري، عاد بموجبه رئيسا للوزراء، ولكن دون أعضاء حكومته من ائتلاف قوى «الحرية والتغيير».
وقال قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» إن إعفاء القيادات العسكرية والأمنية والشرطية هدفه تحديد المسؤوليات، مؤكدا أن إغلاق الجسور خلال التظاهرات غرضه أمني فقط، لافتاً إلى أن التعليمات الموجهة للأمن أكدت على حماية المدنيين.
وكان المدير السابق للشرطة ونائبه، قد تملصا في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي من إطلاق النار على المتظاهرين، وأكدا أن الشرطة استخدمت فقط الغاز المسيل للدموع.
وشكك مدير الشرطة في عدد القتلى والجرحى في التظاهرات الذي أعلنته لجنة أطباء السودان المركزية، البالغ 42 شخصا، فضلا عن عشرات الجرحى، أصيب معظمهم برصاص الأجهزة الأمنية اختنقوا بالغاز المسيل للدموع، الأمر الذي وجد استنكارا واسعا من قوى «الحرية والتغيير» وتجمع المهنيين ولجان المقاومة، الذين اتهموا قادة الشرطة بالكذب ومحاولة الإفلات من العقاب.
ورغم تزامن ترشيحه مع القمع الواسع للتظاهرات في السودان، ومقتل 42 شخصا خلالها، فإن مدير الشرطة السابق فاز أمس الأول، بمقعد أفريقيا في منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول).

«ليس كافياً»

المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان، صالح محمود، رأى أن إعفاء قادة الشرطة ليس كافيا، ولا يمكن اعتبارها خطوة كافية في إطار المحاسبة وتطبيق العدالة.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن «الإجراءات التي تتخذ بإعفاء المسؤولين هي مجرد مسائل إدارية لا تساعد كثيرا في تحقيق العدالة، لأنها تتم في ظروف تصفية حسابات معينة وتقديم كبش الفداء» مشيرا إلى أن «المسألة أكثر تعقيدا من ذلك».
ومحمود محام ومدافع عن حقوق الإنسان، ويشغل حاليا منصب رئيس هيئة محامي دارفور الناشطة في رصد الجرائم والانتهاكات لحقوق الإنسان في السودان.
وشدد محمود على أن «تحقيق العدالة يحتاج لإرادة سياسية حقيقية، وأن الخطوة المطلوبة في هذه المرحلة هي فتح ملفات تحقيق وتكليف النائب العام بفتح بلاغات واضحة جدا تتحدد على ضوئها التحقيقات وإمكانية توجيه تهم للمتورطين في الانتهاكات، ابتداء بمدير الشرطة والذي يتحمل المسؤولية وفق مبادئ القانون».
ولفت إلى أن «إبعاده من موقعة ليس كافيا في ظل وجود حاجة ملحة للمضي في إجراءات قانونية وتقديمه للمحاسبة أمام المحكمة».
وكانت منظمة «العفو الدولية» قالت في بيان، الخميس، إن قوات الأمن السودانية كثفت استخدامها للقوة المميتة خلال التظاهرات الأخيرة لقمع الاحتجاجات ضد استيلاء الجيش على السلطة الشهر الماضي.
وأشارت إلى ان الشرطة نفذت العشرات من عمليات القتل غير المشروع وأصابت ما لا يقل عن 50 شخصا بالأعيرة النارية.
المدير الإقليمي لبرنامج شرق وجنوب أفريقيا في المنظمة، ديبروز موتشينا، أوضح أن «التصعيد في استخدام القوة المميتة من قبل السلطات الأمنية في السودان خلال الأسابيع الماضية كان مدروسا لترهيب وقمع الاحتجاجات في الشوارع».
وأكد أن «مقتل العشرات من المحتجين العزل يدعو إلى إجراء تحقيق فوري ومستقل ومحايد لضمان المساءلة عن عمليات القتل وغيرها من الانتهاكات الجسيمة» مشددا على أن «توقيع الاتفاق السياسي بين حمدوك والبرهان، لا ينبغي ان يسمح لمرتكبي هذه الانتهاكات بالإفلات من العقاب».
وزاد: «نظرا للسجل السيىء السابق للسلطات السودانية فيما يتعلق بالتحقيق في انتهاكات مماثلة في الماضي، يجب أن يراقب مراقبون دوليون أي تحقيق في هذه الانتهاكات لضمان تحقيق نتائج موثوقة».

تاريخ مزعج

وحسب ما قال محمود لـ«القدس العربي» فإن السلطات السودانية «لديها تاريخ مزعج فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في فترات الحكومات الديكتاتورية المتوالية وصولا لما يحدث الآن».
وأضاف: «شاهدنا الإفلات من العقاب في فترات الحكومات العسكرية السابقة وبعد الثورة، في ظل ارتكاب انتهاكات متواصلة في دارفور، وفي مدن عديدة، فضلا عن الانتهاكات التي حدثت في فض اعتصام القيادة العامة».
وفضت السلطات العسكرية في السودان حزيران / يونيو 2019، اعتصام مباني القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم وعدد من اعتصامات الولايات، باستخدام الرصاص والعصي والغاز المسيل للدموع والذي أسفر عن قتل وجرح وفقدان العشرات.
ووثقت «العفو الدولية» جملة من انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في فض اعتصام القيادة، من ضمنها «عمليات القتل غير المشروعة، واستخدام القوة المفرطة، وممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، وعمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفية، والعنف الجنسي، وحالات الإخفاء القسري التي ارتكبها أفراد قوات الدعم السريع، وجهاز المخابرات والأمن الوطني، والشرطة».
وطالبت السلطات السودانية بالإسراع في التحقيقات المتعلقة بقتل ما لا يقل عن 100 محتج وإصابة حوالى 700 شخص خارج مقر القيادة العامة للجيش في الأيام التي أعقبت إطاحة الجيش بالرئيس عمر البشير.

«لا تملك إرادة»

ووفقا لمحمود، السلطات السودانية «لم تمتلك يوما الإرادة الكافية لتطبيق القانون وترسيخ مبدأ سيادة أحكامه» مشيرا إلى «نماذج الإفلات من العقاب التي حدثت في حرب دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة التي وقعت فيها جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».
وأشار إلى أن «معظم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في السودان لم تتم المحاسبة عليها ولم يتم تقديم المذنبين فيها للمحاكمة».
ولفت إلى أن «قضية الإفلات من العقاب متعلقة بعدم وجود إرادة سياسية وكذلك لوجود خلل في القوانين السودانية التي تحتاج للتعديل».
وأشار إلى أن «القوانين لعبت دور كبيرا في الافلات من العقاب، لأنها تصعّب على المواطنين الوصول لمؤسسات العدالة، فضلا عن عدم وجود تدابير لحماية الشاكين والشهود خاصة في مناطق النزاعات التي توجد فيها عادة مجموعات كبيرة من منسوبي الأجهزة الأمنية، الذين يتمتعون بحصانات ولديهم القدرة لتخويف الشاكين والشهود».
وأضاف «الحكومات السودانية غالبا كانت ذات صلة بالجرائم والانتهاكات لذلك لم تكن لديها الإرادة السياسية، وغالبية الأشخاص المشتبه بهم كانوا وما زالوا يتمتعون بحصانات واسعة ولا يمكن محاسبتهم في المحاكم، وفي الوقت نفسه يوجدون في مواقع سلطة ومراكز هامة في الدولة ومؤسساتها، ولذلك يصعب على منفذي القانون اتخاذ الإجراءات اللازمة في مثل هذه الأحوال من فتح بلاغات وتقديمهم لمحاكمات».
ولفت إلى أن «وظيفة مدير الشرطة السابق في الإنتربول قد تكون مهددة، لأن من يتولون وظائف في الإنتربول يفترض أن تكون ملفاتهم نظيفة، خاصة فيما يلي الأداء المهني وأن يكون خاليا من الجرائم والانتهاك الخاصة بحقوق الإنسان والتعذيب، فضلا عن أن يكون لديه وعي كافي فيما يلي احترام حقوق الإنسان».
وبين أن «الحق في التظاهر السلمي حق مكفول، ومن واجب الشرطة ليس القمع ولكن حماية التجمعات السلمية».
وشدد على أن «الشرطة لا يكفي أن تردد أن هناك طرفا ثالثا، وأن تتهم أشخاصا غير معلومين» مؤكدا أنه في «حال وجود طرف ثالث الشرطة مسؤولة عن الكشف عنهم ».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية