أ. د. علي الهيل أُثير الكثير من الغبار في الولايات المتحددة الأمريكية وخارجها بدرجة أقل مؤخرا عن ما وُصف بأزمة رفع سقف الدين الأمريكي وبالتالي خفض العجز في الميزانية الفيدرالية. وللأسف فإن كل ذلك انطلى على حكومات الدول العربية التي تساهم مباشرة في دعم الإقتصاد الأمريكي بشراء سندات الخزانة الأمريكية وهي الحكومات نفسها التي تدعم ‘إسرائيل’ بصورة غير مباشرة وربما مباشرة أحياناً.
بَيْدَ أن الذي تم تجاهله ولم تذكره وسائل الإعلام الأمريكية بل وعتَّمت عليه هو أن اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة (الإيباك) ومن وراء حجاب بالتنسيق مع مجموعات الضغط اليهودية الأخرى والتي تقود اليمين الأمريكي ومن ضمنهم الجمهوريين المهيمنين على مجلس النواب وتكثر الإشاعات حول أنها توجه بعض الحكومات العربية أيضاً هي وهي وحدها من إفتعل الأزمة لصالح ‘إسرائيل’ كما سيتضح لنا. ومن المؤشرات على التعاون أو التواطؤ – إنْ شئنا القول ـ بين بعض الدول العربية والإيباك ومعها قوى اليمين الأمريكي والأوروبي هو – على سبيل المثال – الإتفاق غير المعلن بين الإمارات والأردن والسعودية و’إسرائيل’ على الضغط على الإدارة الأمريكية لإطالة عهد مؤسسة (حسني مبارك) الفاسدة وكذلك الضغط في اتجاه عدم محاكمته. وهو لم يكن أمرا عرضيا أو أحاديا أن يكون قد حدث ذلك فرادى برغبة كل دولة بمعزل عن الأخرى بل كان إتفاقا منسقا بين تلك الدول العربية و’إسرائيل’ نزولا – كما تفيد تسريبات من دوائر الإيباك نفسها ـ عند رغبة الإيباك، وإن لم يبْدُ الأمر بهذه الصورة للغافل – وما اكثر الغُفَّلُ – الذي يظن أن الأشياءَ هي الأشياءُ. ولعل الغاية المرتجاة من وراء إفتعال قوى اليمين الأمريكي – ولا يستبعد إشتراك بعض قوى اليمين الأوروبي معها – ليس بالتحديد إسقاط الحزب الديمقراطي في انتخابات 2012 تشرين الثاني/نوفمبر فحسب فالحزب الديمقراطي في جميع الأحوال لا يتمايز في خطه العام عن الحزب الجمهوري من حيث دعم ‘إسرائيل’) إلا بقدر لعبة توزيع الأدوار وذلك كله لصالح الحزب الجمهوري الأكثر تأييدا لإسرائيل. وبما أن الشيء بالشيء يُذكرُ فإن مجلس النواب الأمريكي ذا الغالبية الجمهورية وجه دعوة إلى رئيس وزراء ‘إسرائيل’ لإلقاء خطاب في المجلس وهو الخطاب الذي أبدى فيه (بنيامين نتنياهو) تطرفا واضحا لجهة اليمين الصهيوني في داخل ‘إسرائيل’ ضاربا عُرضَ الحائط كل أُطروحات الإدارة الأمريكية الديمقراطية بشأن حل الدولتين وتجميد وليس وقف الإستيطان وهو الخطاب الذي لاقى ترحيبا وتصفيقا حادين من قبل الجمهوريين مصحوبين بوقوف تكرر سبعا وعشرين مرة إعجابا بالتعنت والتصلب في المواقف المعادية للسلام مقابل الأرض وبدا المشهد وكأن رئيس وزراء ‘إسرائيل’ كان يتصرف باعتباره هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وليس ضيفا يحل على البلاد، ولم يُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى مساعي الرئيس أوباما وأركان إدارته إلى محاولات إحلال السلام في الشرق الأوسط، وإن كانت تلك المحاولات غير جادة ومن قبيل مجرد الحلحلة وشراء المزيد من الوقت والإستهلاك السياسي وتحريكا للمياه الراكدة على الأقل من وجهة نظر العرب رسميين وغير رسميين.
غير أن الهدف الغائيَّ المرجو كما بدا للمتتبع من إفتعال اليمين المساند لإسرائيل أزمة سقف الدين هو إسقاط الرئيس (باراك أوباما) الرئيس الأمريكي الأسود الذي أتى به الحزب الديمقراطي وربما إسقاط الحزب نفسه إنتقاما منه لتبنيه برنامج الرئيس أوباما الإنتخابي والذي يذكِّر اليمين الأمريكي بثورة (مارتن لوثر كنغ) السوداء ضد التمييز العنصري في الستينات وهو الذي يعتبره الرئيس أوباما أباهُ الروحي والذي التف اليمين الأمريكي كله على ثورته سنواتئذٍ وتم اغتياله بعد ذلك حتى لا يصل رجل أسود إلى الواجهة السياسية الأمريكية.
ومما يشاع كثيرا هو أن معاداة اليمين الأمريكي الذي تتزعمه الإيباك وبؤر النفوذ اليهودية الأخرى للرئيس أوباما لا لأنه أسود فقط وإنما لأنه تجرأ كلاميا فقط على انتقاد الإستيطان الصهيوني اليهودي في فلسطين المحتلة من القاهرة وإسطنبول بكل ما تحملهما هاتان المدينتان من رمزية تاريخية عربيا وإسلاميا وهو ما لم يجرؤ على فعله أي رئيس أمريكي آخر، وإنْ كان الرئيس أوباما لم يجرؤ على تطوير طرحه النظري إلى واقع على الأرض، بل وتنازل بعد ذلك بفترة وجيزة عن ما قاله وكأنه قصد أن يطلق بالون اختبار أو أن يجس نبض الساحة الشرق أوسطية ودعا الفلسطينيين إلى التفاوض مع ‘إسرائيل’ من غير شروط مسبقة. وعليه فإن ما حدث تحت مظلة أو ذريعة أزمة رفع سقف الدين بهدف خفض الإنفاق كانت محاولة إغتيال سياسي للرئيس أوباما على يد اليمين المنحاز تماما لإسرائيل. ‘ كاتب قطري