حقيقة الاشكال في محاضرة البابا
طارق الكحلاويحقيقة الاشكال في محاضرة البابا بالرغم من الكثير من الأحاديث والمقالات يبدو ان الاشكال فيما قاله البابا يفتقد الدقة لدي الكثيرين. وبالرغم من ان الكثير من المسلمين يشيرون الي الفقرة المأخوذة عن الامبراطور البيزنطي مانويل الثاني (1391 ـ 1423) علي مشارف انقرة وهو يستعد لمواجهة الجيش العثماني فان الاقتباس او الاستشهاد بفقرة لشخص آخر لا تعني في ذاتها تجنيا ما، وهي الحجة المناسبة التي اعتمدها البابا باعتبار، حسب زعمه ان ما قاله مانويل الثاني لا يمثل موقفه الشخصي. الاشكال في الحقيقة يكمن في موضع آخر وهو ما لا يمكن التوصل اليه في حالة التوقف عند قراءة الفقرة المأخوذة عن مانويل الثاني. حيث لا يجب الاعتقاد كما يعتقد الكثيرون ان ما قاله البابا استنساخ دقيق لأجواء قروسطية مسيحية (امبراطورية ـ بابوية) تجهر بالعداء الديني ولا تقبل الاختلاف. انما يأتي في اطار فكر أكثر ليونة يستفيد من بحوث حديثة استشراقية ولكن، بالرغم من كل ذلك، يظهر الحدود الراسخة للحوار المنشود، حيث انه يبين ان الدعاة من أجل هذه الجزرة هم بالذات من يمكن ان يوفر أرضية ليس للاختلاف فحسب بل حتي للتلويح بعصا تتشبه بعصا الصراع الديني القروسطي. ان ما قاله البابا بقدر ما هو ليس استنساخا للروح الصليبية مثلما يبالغ البعض في تحليلاتهم فانه أيضا لا يؤسس لحوار بين الجانبين حيث يتعمد الخلط بين التعبير عن الاختلاف والتجني. وفي الواقع لا يعبر ذلك عن ارادة ذاتية مجردة عن الظرفية التاريخية الراهنة والتي حدد أهم ميزاتها ولو لأسباب ليست موضوعية دائما، صموئيل هنتينغتون. استشراق بابويالاشكال الأساسي في محاضرة البابا يبدأ عندما ينتهي من نقل مقولات مانويل الثاني وتقديم تفسير عمومي لا يمس ضرورة الاسلام ان أردنا احسان الظن بالمتكلم. فبعد تعليق عام علي كلام الأخير يؤكد الدرس المستخلص ضد الاكراه في الدين والقاضي بان عدم العمل وفقا للعقل (اي من خلال استعمال العنف) هو ضد الطبيعة الالهية ، يقول البابا ما يلي: المحقق، ثيودور الخوري، يلاحظ: بالنسبة للامبراطور، بوصفه بيزنطيا تشكل علي أساس الفلسفة الاغريقية، هذه الفكرة بديهية. ولكن بالنسبة للتعاليم الاسلامية، الله متعال بشكل مطلق. ارادته لا تتحدد بأي ترتيب من تراتيبنا، حتي تلك المتعلقة بالعقلانية. هنا يذكر الخوري عملا لعالم الاسلاميات المعروف الفرنسي ر. ارلانديز، والذي يشير الي ان ابن حزن (كذا في أصل محاضرة البابا) ذهب الي حد ان الله لا يتقيد حتي بكلامه، وان لا شيء يجبره علي الافصاح لنا عن الحقيقة. وهكذا اذا أراد الله فاننا يمكن لنا ان نكون وثنيين حتي (انتهي كلام البابا).هذه هي الفقرة الاشكالية الأساسية في المحاضرة. يذكر البابا بروفيسور الثيولوجيا والمستشرق في الفقه والقرآن الأب عادل ثيودور الخوري، اللبناني الأصل والعميد السابق لكلية مونستر، ليس بوصفه محققا للمصدر الذي نقل عنه مقولات مانويل الثاني (والذي نشره سنة 1966) بل بوصفه معلقا علي كلام الامبراطور البيزنطي. ويمضي أيضا للاستشهاد بأحدي دراسات المستشرق الفرنسي الراحل هذه السنة روجي أرلانديز حول فقيه المدرسة الظاهرية ابن حزم الاندلسي. وأرلانديز من المستشرقين المحنكين والأكثر من ذلك الذين يتفادون علي الأقل في ظاهر النص أي تصرف تمييزي وغير موضوعي تجاه الاسلام. ولكن من غير الصدفة ان يشير اليه الأب عادل الخوري حيث انه تعرض بشكل خاص لموضوعة الجهاد وساهم في صياغة أفكار الرأي العام الغربي وليس فقط الأوساط الأكاديمية حولها بفعل ما يمنحه موقعه الاكاديمي المميز (عضو الأكاديمية الفرنسية) من تأثير اجتماعي يبوئه مكانة القول الفاصل في مواضيع الاسلام. وهكذا مثلا في حصة اذاعية مشهورة بتاريخ 31 كانون الثاني (يناير) 1994 يطرح بالتحديد السؤال الذي يعلم جيدا كما أشار بنفسه انه سيثير ردود فعل من قبل الكثيرين: هل الاسلام دين ارضاخ؟ بمعني هل الاسلام هو دين عنف في جوهره وليس في أفعال بعض الفاعلين التاريخيين المنتسبين اليه. وهنا المشكل ليس في مجرد التركيز علي هذه النقطة بقدر ما هو في الملاحظات التي يسوقها والتي تجعل الاسلام ظاهرة مميزة بين الديانات الكبري، وخاصة مقارنة مع المسيحية، في اخضاع الآخرين واستخدام العنف للهيمنة الأرضية. وعلي سبيل المثال يشير الي نقطة مماثلة جدا لأطروحة بنيديكت حول ان القرآن بوصفه قادما من الله يعطي للحرب معني اطلاقيا خاصا بمنطق إلهي بحت وهي وضعية مختلفة، حسب ارلانديز، عن الانجيل حيث لا ينزل الكتاب من اللسان الالهي. وبالرغم من تجنبه الحسم في السؤال الذي يطرحه معتبرا ان هناك براهين علي الحسم بالايجاب أو بالسلب فانه يحرص علي التأكيد علي ان الاسلام وحده من بين الديانات الكبري الذي يتم اتهامه بهكذا اتهام ، وهو ما يدفع للتساؤل ان ذلك لا يمكن ان يكون مجرد صدفة. ان التركيز الخاص لأرلانديز حول هذا الموضوع يجعلنا نفهم استعمال كتاباته، ولو بشكل تعسفي، من قبل متطرفين يمينيين في الغرب ومعادين صريحين وفي الجوهر للاسلام بوصفه سبب البلاء الراهن في العالم. حيث يتم الاستشهاد بكثرة اما بالحصة الاذاعية أعلاه أو بمقال كتبه حول رؤية ابن حزم لمسألة الجهاد ، والمقال الأخير بالتحديد يحيل عليه اندرو بوسطوم (طبيب مباشر ومستشرق محدود الموضوعية وهاو ولكن الشهير بفضل علاقاته) المساهم في الموقع الأمريكي ـ اليميني ـ المتطرف فرونتبياج ماغازين في أحد مقالاته حول اخضاع الاسلام لأوروبا.اختيار البابا للمستشرقين المذكورين ليس اعتباطيا حيث يوجد تناسق في أفكارهما حول النقطة المحددة التي انتهي اليها والتي تمثل خلاصته الشخصية، وليس مجرد اقتباس لمقولة الامبراطور البيزنطي، والمتمثلة في انه بالنسبة للاسلام، وليس مجرد دين هلامي غير معروف، فان الدين هو مجرد أوامر منزلة ولا يخضع الي أي نسق عقلاني داخلي مثل المسيحية حيث انه بالنسبة لنا كمسلمين اذا أراد الله فاننا يمكن لنا ان نكون وثنيين حتي . لم يستشهد البابا بمقولة الامبراطور البيزنطي لدحضها، كما انه لم يستشهد بها لمجرد عرض فكرة قروسطية يحرص علي اقامة بعض المسافة منها، بل انه يجد فيها صدي قديما لفكرة تحتاج التذكير فحسب وليس التأكيد. وهنا لعب الخوري وأرلانديز دور المستشرق المعاصر الذي يعقلن ويوضح انطباعات امبراطور قروسطي. الغرب والاسلامذهبت بعض التقارير الصحافية الغربية وحتي العربية الي ان من كتب محاضرة البابا كان يرغب في التأكيد علي مرحلة جديدة في الكنيسة الكاثوليكية قد بدأت تتميز بغلبة خط محافظ، أطلق عليه البعض صقور الفاتيكان ، يتزعمه منذ مدة طويلة البابا بنيديكت السادس عشر في مقابل خط أكثر اعتدالا، الحمائم ، كان يتزعمه البابا يوحنا بولص الثاني. وحسب نفس التقارير يشق الصراع بين هذين الخطين محاور عديدة من بينها كيفية تعزيز ونشر الهوية المسيحية حيث يدافع الصقور عن رؤية تري في ترسيخ الفروق بين المسيحية وبقية الديانات وسيلة مناسبة لتقوية المسيحية في حين يري الحمائم انه يجب الاكتفاء بالتركيز علي أهمية المسيحية من دون التعرض لبقية الاديان. وفي حالة ما اذا كان ذلك الصراع حقيقيا فانه طبعا سيكون وثيق الصلة بطبيعة الحوار الذي تعتزم الكنيسة الكاثوليكية سلوكه بخطها السائد حاليا مع الاسلام.غير ان هذا التحليل لا يعكس بالدقة الكافية الصورة البالغة التعقيد التي أمامنا. لنذكر معطي واحدا للتدليل علي ذلك: في مناسبة التقائه بمسيحيين ومسلمين عراقيين في شهر حزيران (يونيو) 1999 قبل يوحنا بولص الثاني نسخة من القرآن وهو ما أطلق عددا من الانتقادات بما في ذلك من داخل الفاتيكان رأت في تلك الخطوة حركة غير مناسبة بالنسبة لصورة المسيحية. الملفت آنذاك ان وكالة انباء الفاتيكان أوردت ذلك الخبر مبررة خطوة البابا بكتاب حول القرآن للأب عادل ثيودور الخوري صدر سنة 1996 مشيرة الي ان قراءته مفيدة للرقي بالعلاقات المسيحية الاسلامية . وفي الواقع كتب الأب الخوري الكثير من الكتابات التي تشدد علي أهمية الحوار بين المسيحيين والمسلمين. غير ان الملاحظة المنقولة عنه أعلاه من قبل البابا تبين كيف انه يريد الحوار مع دين لا يعتقد انه يتحمل في ذاته حدا أدني من العقلانية. يتماثل ذلك الي حد ما مع رؤية أرلانديز لكيفية اجراء الحوار بين الديانات الكبري حيث أوضح في احدي المرات انه يسعي للتمييز لتحقيق الوحدة . و التمييز هنا وكما رأينا أعلاه يتم بين اطلاقية الاسلام غير المضبوطة بشريا وانجيل متواضع أكثر مع الحدود البشرية. وهكذا في الجوهر حتي دعاة الحوار، ومن ثمة من يوفرون الحد الأدني من التوافق، يملكون رؤية للاسلام لم تحقق قطيعة كاملة مع الرؤي القروسطية.ان ذلك مؤشر علي مسألة في غاية الأهمية تحمل علي التفكير بجدية أكثر في أطروحة صموئيل هنتنغتون حول صراع الحضارات . ان المأزق الذي تعيشه الرهانات الكونية للحداثة والانكماش الثقافي الناتج عن ذلك وما يتأسس عليه من مرجعية ثقافية غالبة في الصراعات الدولية هو السمة الأساسية لهذه الظرفية. وبمعني آخر فان الصراع السياسي القائم حاليا والذي يشمل بالضرورة أطرافا علي علاقة بالبابا، والذي يجب ان نتذكر انه رئيس دولة غربية هي الفاتيكان، يأخذ بالضرورة تمظهرا ثقافيا ساطعا ذا بعد ديني بفعل الظرفية التاريخية الراهنة. وهكذا مثلا لا يجب ان نتصور انه كان سيكون أي أثر مماثل لما قاله البابا أو رئيس دولة الفاتيكان في ظرفية مغايرة مثل الحرب الباردة. في معادلات هنتينغتون هناك فشل غربي في تمثل الذات الغربية كذات غير حداثية أو كونية تماما. طبعا هناك في المقابل ما يكفي من الأدلة علي تقارن الحضارات حيث كان جزء هام من الاسلام دعامة أساسية لجزء كبير لما نعنيه اليوم بـ الغرب ، أو مثلما يحاجج بكثير من النجاح مستشرق من مدرسة أخري، ريتشارد بوليات، حول وجود حضارة مسيحية ـ اسلامية في الفترة الوسيطة. ولكن ما يعنيه هنتينغتون هو انه لا يمكن تمثل هذا التقارن بالقدر الذي يتم فيه تمثل الحدود في الظرفية التاريخية الراهنة. وبمعني آخر فان الحوار الوحيد الممكن في المستقبل المنظور سيكون حول حدوده وليس آفاقه. لكن رغم ذلك لا يوجد ما يكفي من المعطيات للاشارة الي تكرار الصراع القروسطي الأعمي. ہ باحث تونسي في التاريخ ـ جامعة بنسلفانيا (الولايات المتحدة)http://arts-of-islam.blogspot.com8