حقيقة ‘طائرات بدون طيار’

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيلفي ندوة جمعتني مع أصدقاء أمريكيين وروس وسويسريين وألمان (ببرج العرب) في دبي، يوم الثاني والعشرين من أيلول (سبتمبر)؛ تحادثنا حول عدم قانونية وبالتالي عدم شرعية الغارات الأمريكية بدون طيار على اليمن وباكستان وأفغانستان منذ احداث الحادي عشر من أيلول وعلى دول أخرى، وكيف أن الغارات على شمال غرب باكستان تحديداً مستمرة على مدى أربع وعشرين ساعة يوميا وما نجم عنها إلى الآن من قتلى مدنيين أبرياء عزَّل تجاوزوا الآلاف، ومصابين بالآلاف لا يجدون العلاج اللائق يعانون من إعاقات جسدية وذهنية وحالات شلل، دعكَ عن موجات الهلع والكابوس اليومي الذي يعيش تحته الناس في المناطق المستهدفة، ومثال ذلك إخراج الأطفال من المدارس وتحاشي تجمعات الأعراس أو الجنازات أو ممارسة الرياضات مثل (الكريكت) ودعاوى الأمريكيين هي تحت شعار التخلص من الإرهابيين’وفقا للمعايير الأمريكية طبعاً ووفقا لتصريح (باراك أوباما) الإنتقائي طبعاً بأن ‘المستهدفين نشطاء إرهابيون’، متجاهلا على سبيل المثال لا الحصر – حرق ‘إسرائيل ‘ للأطفال والنساء في غزة و(قانا) الأولى و(قانا) الثانية، فلماذا لا يتم مثلا ً إستهداف الإرهابيين الصهاينة ؟ فهم أيضا قتلة باعتراف أمريكيين وغربيين وبينهم يهود معادون للصهيونية. وأما منطق (أوباما) الذي سوَّقه بداية العام وهو أن إستراتيجية غارات طائرات بدون طيار هي البديل عن دخول حرب واسعة، فقد كشف عن مدى جبن ‘ الدولة العظمى ‘، واستعمال قوتها على البؤساء. إن الخسائر المتوالية لأمريكا وقوات (أيساف) المؤتمرة بأوامرها، وعدم ثقة جنود وضباط أفغان فيها وإقدامهم على قتل جنود أمريكيين وأيْسافيين دليل على عدم قدرة غارات طائرات بدون طيار على ردع المقاومين لاحتلال أمريكا وحلفائها. صحيح أن من قُتل من (القاعدة وطالبان) بالمئات وهم أعضاء رئيسيون في (القاعدة وطالبان الباكستانية والأفغانية واليمنية) غير أن المدنيين يقتلون بالآلاف والذين يصعب حصرهم لأن السلطات الباكستانية تمنع وسائل الإعلام المستقلة من دخول مناطقهم. وكيف أن أمريكا تمثال الحرية والزعيمة المدَّعاة والمفترضة لحقوق الإنسان وزعيمة العالم الحر كما يزعم مسؤولوها في أدبياتهم السياسية وغير السياسية تخرق بشكل واضح سيادة تلك الدول بأساليب ابتزاز رخبصة للحكومات من قبيل دعم وجودها السلطوي وهي أساليب لا تليق بحجم وسمعة أمريكا، وتيتم أطفالا وترمل نساءً أسوأ من طريقة (الكاوبويز) السكارى والمعتوهين كما في أفلام (هوليوود)، الذين يغيرون بخيولهم على القرى، يغتصبون النساء ويشربون الخمر ويخربون كل شيء ويتركونها قاعاً صفصفا.و استهزأنا جميعاً بالتناقض الحاد والفلسفة المكيافيلية الحقيرة والتعاطي بمكيالين مع الدول ووصْف المسؤولين الأمريكيين إرهاب الدولة الصهيونية بأنه ‘دفاع مشروع عن النفس’، وصمتها المطبق بل وتشجيعها العصابات الصهيونية على قتل الفلسطينيين في غزة بطائرات أمريكية تقريبا بصورة يومية وبشكل ممنهج وبضوء أخضر مطلق منها ومن دول الغرب الأخرى بنسب متفاوتة، والإعتقالات التعسفية اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، وتكدس سجون ‘إسرائيل’ بمعتقلين من غير محاكمات ومن بينهم أطفال ونساء. وكيف أن أمريكا متضامنة في المطلق وبينها وبين ‘إسرائيل’ علاقة (سيكوثيربي)، إذ أن الأمريكيين البيض هم كالعصابات الصهيونية غزوا أمريكا وكندا منذ العام 1492 وقتلوا الأمريكيين الأصليين وهمشوا من بقي منهم على قيد الحياة وامتصوا خيراتهم وخيرات شعوب أمريكا الجنوبية واللاتينية وأقاموا مملكتهم الظالمة على أنقاض تلك الشعوب.بالمناسبة، التقرير الأخير Living Under Dronesو ربما الأكثر إحراجا لأمريكا التي نشرته جامعتا (ستانفورد ونيو يورك)، أسبوعاً تقريباً بعد الندوة المشار إليها (ببرج العرب) في دبي، لم يأتِ بجديد، وإن كان التقرير قد فضح إدعاءات أمريكا بأنها نصيرة الإنسان في كل مكان وحريصة على حياته بَيْدَ أن التقرير كشف فقط عن أن مئات من الأبرياء قد قضوا نتيجة الغارات بدون طيار على اليمن وباكستان وأفغانستان من خلال مكتب التحقيقات الصحفية Bureau Of Investigative Journalism الذي أشار فقط إلى مقتل 474 881 مدنيا بين عامي 2004 و2012و هو أمر غير دقيق رغم أن مؤلفي التقرير ذكروا أنهم قابلوا مواطنين في باكستان فقط، ولم يشيروا إلى أنهم قابلوا مواطنين في أفغانستان أ واليمن، مع إقرارهم بصعوبة حصر أعداد القتلى والجرحى، بسبب أن الذين يأتون لإسعاف الجرحى وانتشال الجثث من تحت الأنقاض يتم قصفهم لطمس حقيقة أعداد القتلى والمصابين وتكتفي حسب التقرير الحكومة الباكستانية بتعليمات كما يبدو من أمريكا بالتصريح أن’عددا من الإرهابيين قد قضوا في تلك الغارات، متجاهلة الأعداد الكبيرة من الأبرياء. ما يُحسب لصالح التقرير ‘Living Under drones’ رغم ذلك، إبطاله للمنطق المنتشر في أمريكا القائل ‘إن غارات طائرات بدون طيار تُخلص أمريكا والغرب والعالم من الإرهابيين وتجعل أمريكا أكثر أماناً مع تفادي إصابة المدنيين وتعطيل حياتهم’ انه منطق خادع ووهمي وغير حقيقي. ويضيف التقرير أن الأدلة المتوافرة للرأي العام’الأمريكي حول أن غارات طائرات بدون طيار تجعل أمريكا أكثر أمنا عموماً هي أدلة غامضة في أحسن الأحوال. بالإضافة إلى ذلك أن طائرات بدون طيار والإستهداف بالقتل لا يولي أي احترام للقانون الدولي، وأن أمريكا نادراً ما تقر بقتل أو إصابة مدنيين مع أن الغالبية الذين يُقتلون ويصابون هم مدنيون عزَّل أبرياء. وأما إشارة التقرير إلى أن المخابرات الأمريكية المركزية CIA هي التي تقوم بتلك الغارات’الهمجية وليس البنتاغون أو وزارة الدفاع الأمريكية باعتبار أن كلا من باكستان واليمن ليستا ضمن دائرة الصراع المباشر كما في أفغانستان، كما أكد (ليون بانيتا) وزير الدفاع الأمريكي للتقرير، فهي إشارة غير أمينة لأن CIA أحد أفظع أذرعة البنتاغون توغلاً، وهي جهة حكومية أو وكالة أمريكية. كما أن التقرير لم يُشِر إلى أن تلك الغارات بدأت قبل اثنتي عشرة سنة، مما أخل اكثر بصدقية التقرير. ونذكِّر بأن قبل صدور التقرير بساعات شنت طائرات بدون طيار غارات على (مير علي) شمال (وزير ستان)، نتج عنها قتل تسعة من مقاتلي (طالبان والقاعدة) حسب تصريح من طالبان باكستان، وكالعادة لم يُعرف عدد المدنيين الذين قتلوا أو جُرحوا. ولعل السبب الرئيس ربما الذي جعل الجامعتين الأمريكيتين تهتمان بضحايا الغارات الأمريكية بدون طيار هو مقتل أكثر من أربعين من التجار وكبار السن في (داتا خيل) شمال ‘وزيرستان) خلال شهر آذار (مارس) 2011 كانوا على وشك حضور إجتماع شورى ‘جيرغا’ لحل مشكلة لغم وهم مدنيون لا إرتباط لهم بمن يوصفون بالقاعدة أو طالبان باكستان حسب الحكومة الباكستانية وإقرار الحكومة الأمريكية بذلك. والغريب في الأمر أن (نيفي بيلاي) مفوضة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لم تستيقظ سوى على هذه الحادثة وانتقدتها لأن المستهدفين حسب قولها – خارج ‘سلسلة القيادة العسكرية’، ومرة أخرى نعيد القول إن كل الأمم المتحدة و(مجلس الأمن الدولي) يتبع ذات السياسة الإنتقائية الأمريكية والغربية. الملفت الإيجابي للنظر في التقرير الأمريكي أنه فند تحقيقا على الأرض لوكالة (أسوشيتد برس) التي إدعت أن الغارات بدون طيار معظم ضحاياها مقاتلون، غير أن تقرير جامعتي (ستانفورد ونيو يورك) اثبت من خلال مقابلات ميدانية أن غالبية القتلى هم من الأعضاء الثانويين في (القاعدة وطالبان) وليسوا من الأعضاء القيادية الرئيسية ما عدا في شهر حزيران (يوليو) إذ قتلت طائرة بدون طيار (أبا يحيى الليبي)، مؤكدة أنه فقط قتلت طائرات بدون طيار ما يُقدر بنحو 2’ من المقاتلين القياديين. إن من يقرأ التقرير بإمعان يمكن أن يستنتج أن مؤلفي التقرير ينعتون الإدارة الأمريكية بالقاتلة والإرهابية والغبية مع أن تلك الواقعة على وحشيتها لا شيء إنْ ما قورنت بآلاف الضحايا ومن بينهم أطفال ونساء، وما’يترتب على ذلك من تيتم وترمَل وانهيار أو تفكك للبنية التحتية للأسر وللمجتمع ككل نتيجة للجرائم الأمريكية التي لا يردعها من أحد وكذلك الصهيونية في فلسطين بتنفيذ من العصابات الصهيونية المشترِكة والمشاركة معها في ذات الأهداف والغايات.*أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية