حقيقة ما يجري في إسرائيل اليوم وغدا

 أسعد غانم
حجم الخط
0

في بداية الأسبوع الثاني عشر من الاحتجاج في إسرائيل، وبعد اشتداد الاحتجاج في ظل إعلان نتنياهو عن نيته الانخراط في الترويج لها وإقالة وزير الدفاع يوآف غالانت، بعد نحو يومين أعلن نتنياهو وقف التقدم في قوننة السيطرة على الجهاز القضائي والنشاطات التشريعية واستعداده للتعاون مع مبادرة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ لإيجاد حل وسط يحظى بـ «الإجماع» – اليهودي طبعا. نتنياهو ثعلب سياسي مخضرم يعرف – وشركاؤه يعرفون أيضًا – أنه لا داعي للاندفاع قدما الآن تحديدا، الشيء الرئيسي الآن هو إسكات الاحتجاج من الداخل والخارج، وعلى جميع المستويات وبالطبع هناك أمامه حوالي أربع سنوات، حتى نهاية الولاية الحالية للحكومة والكنيست، من أجل التقدم بأمان وعلى مراحل لاستكمال التغييرات التي يود أن يختتم بها ثورته الشاملة.
هنا وفي هذا المضمار سأقدم حجتين أساسيتين: أولاً، منذ عام 2009 قاد نتنياهو والحكومات التي تحت قيادته ثورة، وليس انقلابا. التغييرات حدثت في جميع المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل وتحظى بتأييد شعبي كبير من قبل غالبية اليهود. ثانياً، الضحايا الرئيسيون للثورة «النتياهونية» هم الفلسطينيون على جانبي الخط الأخضر. لا أستهين طبعا بتأثيرها على أجزاء من المجتمع اليهودي، لكن التغييرات في عهد نتنياهو تكمن أساسًا في تعزيز عملية التهويد في فلسطين الانتدابية، واستكمال إخضاع الفلسطينيين لنظام التفوق اليهودي، أكثر صرامة مما كان موجودًا، في النقب كما في الجليل وفي القدس كما في الضفة الغربية كلها.

الأصول الأيديولوجية

الأصول الأيديولوجية لليمين متجذرة بعمق في الأيديولوجية التنقيحية لجابوتنسكي واستكملها كل من بيغن وشامير ونتنياهو نفسه والتي أوضحها في كتاباته في الكتب والمقالات والخطب العديدة، منذ توليه منصب نائب للسفير الإسرائيلي في واشنطن، ومنصبه كممثل إسرائيل لدى الأمم المتحدة في منتصف الثمانينيات حتى الآن. اكتسب نتنياهو هذا التغيير تدريجيًا طابعًا أيديولوجيًا وسياسيًا مصقولًا خلال أيام إقامة نتنياهو في «الصحراء السياسية» – أو على الهامش على الأكثر – بين عامي 1999 و2009. وبحسبه، من أجل منع يسار الوسط في إسرائيل من العودة إلى طريق «تقسيم أرض إسرائيل» وإلغاء هيمنة النخب الأشكنازية التي شكلت صورة إسرائيل حتى الآن، ومن أجل تعميق الهيمنة اليهودية في الحيز العام في جميع أنحاء البلاد – وليس فقط داخل الخط الأخضر، فهو بحاجة إلى إنشاء تحالف متين من جهة، والسعي من أجل تغيير عميق في إسرائيل/فلسطين. في هذه المرحلة نتنياهو أضاف مصدراً رئيسياً لتعاليم أسلافه في قيادة التيار التنقيحي، فقد ربط بل وساهم في إيديولوجية اليمين الجديد الشعبوي، المناهض للديمقراطية والعنصري. لقد قطع نتنياهو بالفعل خطوات كبيرة في تنفيذ أفكاره وخططه، وتشكيل الحكومة الحالية في إسرائيل هو نتيجة نجاحات نتنياهو. اليوم يدير المرحلة الأخيرة، الفصل الأخير قبل تقاعده من الحياة السياسية. سيُذكر بأنه أهم رئيس وزراء، ربما بعد بن غوريون، في التاريخ السياسي لإسرائيل. منذ عودته إلى السلطة في عام 2009 روج نتنياهو لمشروع شامل لتهويد فلسطين وتعميق التفوق اليهودي الذي تأسس في عام 1948.

تغييرات عميقة

لقد غيّر بالفعل إسرائيل بشكل عميق، وفي مجموعة متنوعة من المجالات منها السيطرة على الإعلام، تغيير المناهج التعليمية والتدين في المجال العام، تغيير الثقافة السياسية، كبح نشاط المحكمة العليا، وإضفاء الشرعية على الخطاب العنصري ضد العرب عامة، والفلسطينيين بشكل خاص – بمن فيهم المواطنون الإسرائيليون، توسيع التشريعات العنصرية، بما في ذلك قانون القومية والإلغاء النهائي لأي إمكانية لتسوية منطقية والقضاء على فكرة التقسيم والدولتين باعتبارهما قابلين للحياة، وسحق اليسار، وتقسيم القائمة المشتركة وتعزيز اليمين بشكل عام، وله طبعا مساهمة كبيرة في صعود اليمين القومي المتطرف، والعنصري، والعنيف، لدرجة أن ممثليه يجلسون اليوم في الحكومة ويسيطرون على وزارات مركزية تمكنهم من تنفيذ الأفكار العنصرية والفاشية. المذبحة في حورة نُفِّذت من قبل أناس من هذا التيار، وتصريح الوزير سموتريتش حول «محو حوارة» يتلائم تماما مع مواقف أي حركة عنصرية في أوروبا في العقود الأخيرة.

صمت المحتجين

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه، كيف يمكن فهم صمت معظم المحتجين اليوم لنحو عقد ونصف في مواجهة العمليات التي يقودها نتنياهو؟ أنا بالطبع أشير إلى الغالبية العظمى منهم وليس كلهم، مع العلم أن بعض المتظاهرين عملوا وساهموا في النضال ضد التفوق اليهودي. يكمن التفسير الرئيسي للصمت عن خطوات نتنياهو في حقيقة أن نتنياهو ساهم في تعزيز مشروع التفوق اليهودي والفصل العنصري والاستعمار الذي ساهم به أيضا بعض قادة الاحتجاج اليوم، أو من سبقوهم في نفس التيار الأيديولوجي السياسي. وهم في الحقيقة يحتجون اليوم من أجل الحفاظ على الوضع الذي بنوه وقاموا بتعزيزه لحوالي 75 عامًا. طالما أن الضرر يقع على الجانب الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر، لا يبدو لغالبية التيار المعارض لنتنياهو أن هذا يبرر الصحوة والاحتجاج. كان الجميع صامتين وحتى ساهموا في بناء نظام التفوق العرقي، من إيهود باراك مرورا ببيني غانتس إلى يائير لابيد وطبعا كل رؤساء المؤسسة الأمنية ورؤساء الجامعات والعديد من المثقفين والأساتذة وغيرهم. التزموا الصمت حتى أدركوا بأن نتنياهو لن يكتفي بالخطوات السابقة، لكنه سيعمل من أجل تغيير من شأنه أن يضر بالمشروع الرئيسي الذي بناه هنا بعض المتظاهرين أو أسلافهم.
الرغبة الرئيسية لغالبية المتظاهرين، وبالطبع غالبية قيادتهم، هي الحفاظ على الوضع في إسرائيل كما كان حتى خطة نتنياهو – ليفين للسيطرة الكاملة على النظام القضائي، وتحويله بشكل أساسي إلى نظام مختلف بنيويا وهو أساسًا فصل السلطات، وبشكل أساسي سيؤدي لإزالة قناع «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط من وجه إسرائيل. إنهم ليسوا مستعدين لذلك، وسيواصلون التظاهر حتى الوصول إلى حل وسط مع نتنياهو-ليفين، والذي يمكن في أفضل الأحوال على أساس تسوية وتفاهم مع خطط نتنياهو وليس إلغاءها بالكامل. حل وسط يكون فيه الفلسطينيون على جانبي الخط الأخضر الضحايا الرئيسيين. باختصار، الصراع في إسرائيل هو بين تيار اليمين بقيادة نتنياهو، الذي نفذ خطة لتعميق التفوق العرقي لنحو عقد ونصف، والتيار الذي يسعى للحفاظ على الوضع حتى إعلان ليفين عن الثورة القانونية.

التفوق العرقي

والسؤال هو ما هو دور الفلسطينيين بشكل عام ودور مواطني إسرائيل بشكل خاص؟ للفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر وأولئك الذين طردوا من وطنهم، مصلحة كبرى في تغيير الوضع في إسرائيل. لم يقتصر الأمر على إلغاء النظام المُهَوَّد الذي روج له نتنياهو وحلفاؤه القوميون والعنصريون فحسب، بل وأيضًا، وقبل كل شيء، إلغاء الاستعمار وحالة التفوق العرقي التي أُنشئت عام 1948 وما زالت تتعزز منذ ذلك الحين، وإقامة نظام يقوم على إلغاء قوانين التفوق العرقي وتصحيح التمييز والامتيازات لليهود في جميع مجالات الحياة والسعي إلى نظام ديمقراطي يعزز المساواة أمام القانون.

مصلحة فلسطينية

للفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر واليهود الديمقراطيين مصلحة في تقديم بديل للتيارين المتنافسين في إسرائيل – ولأجل ذلك أقيمت القائمة العربية المشتركة وليس لتسخيرها كأداة للحفاظ على الكراسي والامتيازات-، هذا المسار البديل يجب ان يكون قائمًا على المساواة والديمقراطية والإنسانية جوهريا. ليس هناك ما يبرر التقاعس في عرض خطة تقدم بديلا حقيقيا للوضع القائم في إسرائيل/فلسطين منذ نحو 75 عاما. بديل مبني على رؤية ومسار شامل للدمقرطة، على واقع مستقبلي يمكنه احتواء اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين ضمن وحدة ديمقراطية قائمة على المساواة، ويمكن أن يؤدي إلى الازدهار والحياة الطبيعية. للفلسطينيين في إسرائيل دور مركزي في هذه الخطوة، وفي رأيي هذا هو دورهم الرئيسي اليوم، وحقيقة أن القيادة الفلسطينية والنشطاء في إسرائيل لا يفعلون ذلك، هو اختلال جذري في دورهم التاريخي. هذه إضاعة لفرصة جدية لتسوية ديمقراطية أو لعرض رؤية قد تؤدي إلى ذلك. حقيقة أن قيادة الفلسطينيين في إسرائيل مختفية ومفقودة، لا تشرع في تقديم طريقة بديلة، ولا تقود عمليات احتجاجية بديلة للتيارين المركزيين، احتجاج ونشاط في البلاد وفي العالم، هو تنازل عن نضال ضروري وعن دورهم، وفي النهاية سيساعد اليمين في تنفيذ أجندته. إذا استمروا في صمتهم، فإن المذبحة في حوارة والمضايقات اليومية للإرهابيين اليهود، في صمت أو حتى تعاون من جانب قوات الأمن الاسرائيلية، لن تكون سوى مقدمة لما سيأتي، ليس فقط في الضفة الغربية والقدس وغزة، ولكن أيضًا في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية