هل الوديع علي الشوك فرعون حقا؟

حجم الخط
1

قرأت المقال الذي كتبه زيد خلدون جميل، وعنوانه أمسية «مع علي الشوك الفرعون الملتزم» ونشرته الصفحة الثقافية لجريدة «القدس العربي» يوم الخميس الثاني من أيلول/ سبتمبر 2021، ومن العنوان الذي هو ثريا النص ومفكك رموزه، كما يقول النقد البنيوي، يصدمنا وصف مؤسف لهذا الرجل الذي قدم خدماته الجليلة لثقافة العراق، والأمة العربية على مدى أكثر من نصف قرن، فما هو بفرعون مع احترامي للفراعنة ومنجزاتهم الشاخصة حتى الآن، لكن تماشيا مع ما وقر في الذهن دينيا، وكل هذه الأوصاف، التي أطلقها زيد خلدون، وكل هذه الانطباعات السلبية، إنما جاءت بسبب لقاء مصادفة عابرة وعابر، ضمه وصديقه وعلي الشوك في عمان، وكل هذا الغمط والتجريح وتطفيف الكيل، لأن زيدا سلم على الشوك، فكان رده فاترا: «ألقيت التحية على الكاتب الشهير، لكن رد فعله كان بالغ البرودة حيث تمتم بكلمات غير مفهومة وبصوت واطئ دون أن يبتسم، بل نظر إليّ بشكل غير ودي» هذا نص ما ورد في المقال.
كان هذا اللقاء العابر، والهواجس التي خيمت عليه، دافعا لكتابة هذا المقال الذي لم يبق للرجل أي فضيلة ومزية؛ فهو الفرعون والشيوعي الملتزم، والمغرور الأرستقراطي، الذي يدعي الغنى، وهو المتوسط الحال، والذي كور يديه كي يلكمه وهما يتناقشان عن موسيقى بتهوفن و..و.
من المعروف للدارسين أن علي الشوك؛ الذي غادر الحياة في لندن يوم الجمعة الحادي عشر من كانون الثاني/ يناير 2019، عن نحو تسعين سنة، أحد البناة الأوائل الأماثل للثقافة في العراق، ولولا انقلاب تموز/يوليو 1958، الذي خرّب الحياة العراقية على مختلف الصعد، وما نتج عنه من احتراب سياسي، كان هو ممن دفع ثمنه باهظا، لكان له دور أكثر فعالية، يوم كنا ننعم بهدوء العهد الملكي الزاهر وديمقراطيته، فعلى الرغم من اختصاصه الدقيق؛ الرياضيات، التي درسها في جامعة بركلي في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه كتب في موضوعات شتى، إنه أقرب إلى الموسوعيين الأوائل، وهذه الموسوعية آذته ثقافيا لتشعبها، إذ كتب في قضايا لا يرغب الباحثون حتى المرور العابر بها لعسرها، فكتب في بداياته «الأطروحة الفنطازية» و«الدادائية بين الأمس واليوم» فضلا عن عديد الروايات ومنها «الأوبرا والكلب» و«السراب الأحمر. سيرة حياة هشام المقدادي».
إن من أسباب هذا اللقاء الذي ترك آثاره السلبية في نفس زيد، مسألة العمر؛ فللتقدم في العمر أحكامه، فضلا عن خِلال وصفات موروثة لا يستطيع الإنسان الفكاك منها، فكلٌ خلق لما يسر له، والباحث والروائي والأديب علي الشوك، شخص أقرب إلى العزلة، هذا أيام الشباب، فكيف وقد بلغ من الكبر عتيا، ووهن عظمه واشتعل رأسه شيبا، فضلا عن عصف أنواء الحياة، وعيشه منفردا بعيدا عن الحليلة والأبناء. كل هذه الأمور التي ذكرتها وغيرها، مما لم أذكره ستمسي شفيعا لعلي الشوك، وستوجد له الأعذار، فلعل له من حياته العاصفة عذرا ونحن نلوم، ولو قرأنا سيرته الذاتية التي حملت عنوان «الكتابة والحياة» التي نشرتها دار المدى سنة 2017، لعذرناه، بل لاعتذرنا منه، إذ كان يعاني أخريات أيامه ومنها يوم التقاه زيد خلدون؛ يعاني نسيانا مدمرا وكآبة وشكوى من أنه ما عاد يجد لذة حتى في القراءة، فقد آذاني نفسيا وأنا أقرأ شكواه في أنه ما عاد يجد لذة في القراءة، وهذه الظاهرة بدأت تلازمه مع إحساسه بالانطفاء، ولم يكن ليتصور أن هذا الانطفاء سينال من القراءة أيضاً.
يقول في سيرته الذاتية المشار إليها آنفا: «أنا منطفئ الآن لأسباب بايولوجية وهذا بات يورث عندي أفدح أنواع الكآبة، فأنا أريد أن أكتب حتى النَفَس الأخير، أريد أن أكتب عن مريم المجدلية والمسيح، لكن الشعلة منطفئة، وهذا شيء غير عادل أبدا». والأفجع أنه يطلق آهة حرى، إنه ما عاد يستطيع أن يلتقط ما يقرأه.. قائلا: «لم تعد هنا شاشة في رأسي تسجل ما أقرأه.. وحاولت الشروع بالكتابة عن الموضوع، لكني صرت أكتب وأمزق أكثر من مليون مرة، إنه الانطفاء وهذا ألعن من الموت، أيتها الأفكار لا تخذليني، ويا صفاء الذهن هلم إليّ ولو بجزء من طاقتك».
إنه يعاني نسيانا، فعلي الشوك، يعود للحديث عن روايته «الأوبرا والكلب» قائلا: «حين كتبت الأوبرا والكلب في أوائل التسعينيات، طمرتها زهاء ست سنوات، ثم نشرتها بعد أن استأنست برأي الصديق فؤاد التكرلي، وأيقنت إنها أجمل رواية كتبتها، هل قلت ذلك قبل الآن؟ أرجو المعذرة فأنا متقدم في السن». مع إنه ذكر ذلك في صفحة سابقة.
إن رجلاً هذا وضعه الصحي وهذه معاناته النسيان والانطفاء، وعدم التمتع حتى بالقراءة، المتعة التي لا تخبو على مرّ العقود، أنعاتبه إن رد سلامنا بفتور، وكان ينظر إلى الجدار، ولا ينظر إلى من يتحدث معه؟
وختاما من صداقتنا ومزاملتنا للعديد من أبناء هذه الأسرة المحترمة، سواء على مقاعد الدراسة، أو مكاتب الوظيفة، أو السكن القريب، إن هذه الأسرة بفروعها المتعددة، متمكنة ماليا وماديا، الأمر الذي وصل أن تسمى المحلة التي سكنوها باسمهم (محلة الشوكية) وتقع بين جسر الصالحية وحتى جسر الملكة عالية (الجمهورية حاليا) والمطلة على نهر الخير؛ دجلة الخالد، لكن هذه المنطقة هدمت سنوات الحرب (1980 ـ 1988)على أمل إنشاء حدائق ومراكز ترفيه للأسر فضلا عن بانوراما، لكن هذا المشروع غض الطرف عنه لتكاليف الحرب الباهظة، كما أن للأسرة عمارة؛ بناية فخمة في منطقة الصالحية في كرخ بغداد، قريبة من مبنى الإذاعة والتلفزيون، بل مطلة عليها، ولهواجس العهد السابق الأمنية المبالغ فيها، فقد أُخليتْ العمارة لقربها وإطلالتها على الإذاعة والتلفزيون – كما قلت آنفا- وما زالت البناية مُخلاة حتى الآن، وإني ما ذكرت هذه الأمور المالية إلا للبرهنة على أن أسرة الشوك بفروعها متمكنة ماليا.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية