حق اللجوء الفضائي

حجم الخط
0

عزت القمحاوي لم أجد في نفسي يومًا الفضول لرؤية ألمانيا. صورة هذا البلد عندي لا تجعل منه مكانًا للعيش بل مشكلة، مكان مهووس بالتفوق، في السياسة، في الفلسفة، في الموسيقى، حتى رواياته مسكونة هي الأخرى بداء الثقل، تشعر وكأن الروائي الألماني يخرج من بين السطور، لينبهك إن لم تكن منتبهًا: انظر كم أنا عميق!ولكنني وقعت على القناة الألمانية، بينما كنت أعس على قنواتنا وقنوات غيرنا، بحثًا عن قلق الثورة في قنواتنا ومضاداته في قنوات غيرنا. كان برنامجًا وثائقيًا عن توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، وفي الخلفية مرج شديد الخضرة تتوسطه بحيرة من أجمل المياه زرقة.كيف لم يعودوا يتقاتلون على أماكن تستحق أن يموت الناس حقًا من أجلها؟! يبنون، ينمون خضرتها، ويصطادون شعاع الشمس الخجول لكي ينتفعوا به ويجعلوا حياتهم أجمل، بينما نتقاتل على صحراوات ونطعم شمسها القاسية جثث قتلانا.حفظت رقم القناة، بهدف طلب حق اللجوء الفضائي إليها، كلما أعيتني صور الدم في الصحراء. ثورات وأخرى مضادةوطني وإن شُغلت بالخلد عنه، نازعتني إليه أمام القناة الألمانية نفسي..سرعان ما يحاول اللاجىء التسلل عبر الأسلاك الشائكة عائدًا إلى قنواتنا قلقًا، فضولاً، أو حتى رغبة في تعذيب الذات.إلى أية قناة يعود اللاجىء؟الأمر تحدده توجهاته السياسية وحالته المزاجية التي تحمله إلى رؤية هذا النصف من الكأس أو ذاك. في معسكر الثوار الإحباط توفره العربية بضغطة والأمل توفره الجزيرة بضغطة مثلها. والعكس بالعكس.مع ذلك، فالوجه الواحد المشهور للقناة تدخله تباينات تصنعها الفروق الفردية بين المذيعين، ويدركها رهين الريموت من طول المتابعة. شخصيًا لا أحب النظر إلى النصف الخائب من الكوب، وهكذا فإن لعيني وأذني عشرة قديمة مع مذيعي ومذيعات الجزيرة. وعلى خلاف الرؤساء الذين يتلهون بالقتل، أتلهى عن القتل بمحاولة معرفة الوجه الخاص لكل مذيع ومذيعة خلف الإطار المهني الحاكم.عناوين النشرة لا تكون قوية لدى جمال ريان إلا بمصرع عشرة فأكثر. يلقي بالجملة ضاغطًا على الحروف حتى يجرحنا الرقم، ويرتج مع الكلمة الأخيرة، وكأنه هو الذي أمسك بالسلاح وأطلق الرصاص، وقبل أن يضع سلاحه يتطلع ليرى وقع ما أعلن (أو ما ارتكب) للتو على زميلته في الاستديو.وزميلته غالبًا ليلى الشايب التي تناقش ضيفها على الهاتف بصرامة وكيل نيابة، وهي في الحقيقة الدواء الشافي للمشاهد من موظفي ديوان الإنشاء في النظام السوري.في الجزيرة مباشر تكاد تلمح الدموع في عيني منى سلمان، لا تفارقها مشاعر الصدمة، وككل مصرية ومصري توشك على الضيق بالإطار الحديدي للجيم العربية المعطشة، وتنطلق على سجيتها اللغوية بالجيم المصرية: ‘الجبان! معقول فيه رئيس يقتل شباب زي الورد كده يارب’؟!على الضفة الأخرى يقف جميل عازر. يبدو من قوى الثورة المضادة في قناة متهمة بتأجيج الثورات واختلاقها أحيانًا. نفاد الصبر باد على ملامحه من ثورات حبسته في الاستديو، وفوتت عليه أشياء مهمة، مما يضطره إلى تعنيف الأطراف جميعًا!يبدأ الكلام وقد نسي اسم الضيف ومكانه، والسؤال: الأخ محمـ ..أحمد ..عفوًا عبدالرب، من ..من .. ساحة التغيير في اليمن ..هل ل ل.. هل ..كم عدد القتلى الآن؟ كم؟! وهل المستشفى الميداني مستعد لاستقبال كل..كل.. هذا العدد من القتلى والمصابين؟! نعم؟ طيب يا أخي إذا لم يكن عندكم مستشفى ميداني ملائم، لماذا تصرون على الثورة؟!أخ محـ ..عبدالرب، هل يمكن أن تصف لي نوعية السلاح الذي يطلقونه عليكم؟ أقصد هل لك أن.. يعني.. أن تحدد لي عيار الطلقات؟ لا تعرف؟! ألم تشارك في ثورة من قبل؟ حسنًا، من أنتم؟.. أقصد كم عددكم في هذه الساعة في ساحة التغيير ببنغازي.. إي، عفوًا، بصنعاء؟! نصف مليون؟ هل يمكن أن تذكر لي أسماءكم حتى..حتى نضع المشاهد في الصورة؟لي صديق متعاطف مع محنة جميل عازر، يرى أن ضيق الرجل بثورات لا تريد أن تُحسم على أي وجه، سيحمله ذات يوم على إعلان الخبر الأخير: جاءنا قبل قليل أن القيامة قد قامت.ضيوف الفسطاطينكل ثورات العرب تمكن متابعتها بسهولة، إلا السورية أعيت من يذيع ومن يشاهد. في الاستديو أو عبر الهاتف هناك دائمًا مندوبون عن فسطاط النظام وفسطاط الثورة ـ هذه هي الموضوعية الإعلامية الحقة ـ وليس من الصعب أبدًا أن نعرف إلى أي فسطاط ينتمي المتحدث المصري أو التونسي أو اليمني، المنتمي إلى فسطاط الحكومة واضح، يسب الأحياء من الثوار ولا يترحم على الشهداء.متحدثو الثورة السورية يستهلك الواحد منهم نصف الوقت من دون أن يعرف المشاهد إلى أي الفسطاطين ينتمي المتحدث، بل إن المذيعين أنفسهم ينخدعون فيبدأون بسؤال حماسي لضيفهم على الهاتف: هل يمكن أن تفسر لنا كيف يدعي النظام أن….؟ويستقبل لسان الأمن هذا الاستفزاز برباطة جأش، يبسمل ويحوقل ويعطي درسًا في مادة التربية الوطنية، قبل أن يعلنها بصراحة في وجه المذيع: أنتم يا أخي، مع كل احترامي، عملاء!مؤخرًا صرنا نعرف كيف نميزهم. لم يعد يترحم على أرواح الشهداء إلا المنتمون إلى فريق القتلة، قبل أن ينتقلوا إلى نفي وجود ثورة أو شهداء. الثائرون لم يعودوا يمتلكون ترف طلب الرحمة للشهداء المرحومين سلفًا، هم يطلبون الرحمة للأحياء.مخترع لغة الأي أيةأستاذ بجامعة دمشق، كاد أن يصيب كل من شاهدوه بالشلل. ترحم على الشهداء، وأكد أن الجو ربيع وأن كل ما تبثه القناة من فيديوهات للحشود الغاضبة مزور ومختلق، وعاد ليعترف بوجود أحداث تثيرها عصابات خارجة على القانون، وقبل أن تسدد له المذيعة لكمة وهو محاصر في حفرة التناقض يعزز موقعه بهبة رقيقة كنسمة الجنوب في وجه ‘أخته’ المذيعة متهمًا قناتها بكل لطف بالعمالة للمخابرات الأمريكية، فتسأله: والبي بي سي؟ يقول: أية بي بي سي يا أختي هذه تديرها المخابرات البريطانية؟ ووكالة رويترز؟ أية رويترز يا أختي هذه وكر مخابرات دولية؟ ولجان حقوق الإنسان؟ أي حقوق إنسان يا أختي، والأمم المتحدة؟ أي أمم متحدة؟ طيب وحليفكم أردوغان؟ أي أردوغان يا أختي؟مخترع لغة ‘الأي أية’ ذكرني بقصة العبقري يوسف إدريس ‘لغة الآي آي’ وهي باختصار، تحكي عن رجل مرموق تنكر لقريته التي رأى أن فقراءها سيشدونه معه إلى أسفل إن تفرغ لمساعدتهم، حتى فاجأه بالزيارة فلاح رث كان زميل دراسة قديما، وكان متفوقًا عليه لكن أهله انتزعوه من التعليم. لم يقدر على التنكر للكهل المهدم الذي يعاني من سرطان المثانة، فأخذه إلى بيته الأنيق لكي يعرضه في اليوم التالي على طبيب، وأبدى التذلل لزوجته كي تقبل بوجود زميله القديم في المطبخ حتى الصباح، لكنهما في منتصف الليل يستيقظان على صرخة المريض المدوية ‘آي آي آي’.المرأة الأرستقراطية المتعالية أخذت في تأنيب زوجها وهو يعتذر، ثم فجأة لا يعود يأبه لها ويدخل إلى صديقه فيجده قد أتلف كل شيء بالمطبخ من شدة الألم. أقعى بجواره على الأرضية، يجفف البول المدمى المتسرب منه، ويشجعه على تحمل آلام السرطان ويرى أنها أقل من آلام العبودية التي أنهكت روحه من أجل الصعود. القصة مهداة لأخي الدكتور السوري، ولكل الذين لا يشعرون بآلام عبوديتهم ولا تشق قلوبهم ‘آي’ يصرخ بها شاب لمرة أخيرة تحت الرصاص المنهمر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية