القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني: ربما كان ما حكاه القاص والروائي سعيد الكفراوي في البارات والمقاهي أكثر بكثير مما كتبه وضمنه صفحات مجموعاته القصصية والروائية.
فالكفراوي واحد من الحكائين النادرين في الوسط الثقافي المصري، لا تختلط عليك ريفيته ويقينه فيما يقول، رغم أنه يتخلي ببساطة وخفة أبناء البلد، الذين يندر أن تخطيء شهامتهم ومروءتهم، والكثير من ودهم ومجاملاتهم.
يصدر الكفراوي كتابا جديدا تحت عنوان حكايات عن ناس طيبين عن دار العين للنشر والتوزيع في 242 صفحة من القطع الوسط.
ويتضمن الكتاب حكايات شديدة الثراء والغني عن ذكريات الكفراوي من الطفولة وسنوات الدرس الأولي في مدينة المحلة مرورا بالأصدقاء المؤثرين في حياته بداية من نجيب محفوظ مرورا بحسن سليمان وعدلي رزق الله وألفريد فرج وعفيفي مطر وغيرهم وليس انتهاء بشهور السجن التي قضاها الكفراوي في معتقل القلعة في بدايات العام 1972. يبدأ الكاتب بفصل مطول تحت عنوان حكايات صغيرة حول نجيب محفوظ ويضمنه العديد من المواقف التي حدثت بينهما ويبدأ بذكر ما قاله الجاحظ من أن عجائب الدنيا ثلاثون، عشرة منها في سائر الدنيا والباقي في مصر، ويضيف الكفراوي إلي تلك العجائب عجيبة اسمها نجيب محفوظ ويسرد في حكايته الأولي كيف عنفه محفوظ عندما سب أم كلثوم مع صديقه عفيفي مطر متهمين إياها بأنها سبب نكسة 1967 بأغانيها الغرامية التي روجت لها الثورة لإلهاء الناس ـ كما يذكر ايضا كيف كان محفوظ يتعامل مع المواقف الصعبة والمؤثرة ويضرب مثالا علي ذلك مع المواقف الصعبة والمؤثرة ويضرب مثالا علي ذلك برحيل صديقه الرسام ثروت فخري وكيف تعامل محفوظ مع الموقف بثبات وقوة.
وعن سجنه يقول الكفراوي أنه بعد خروجه ذهب إلي مقهي ريش حيث صادف اليوم موعد الجلسة الأسبوعية لمحفوظ واستمع إليه محفوظ وطلب منه كل التفاصيل التي حدثت معه فنصحه بأن يتجاوز أزمته وقال له إنس. اقطع المرحلة دي من حياتك، إلقها في مزبلة الأيام، أو اكتبها وافضح من تجرأ علي إنسانيتك.
بعد ذلك يذكر الكفراوي أن محفوظ كتب روايته الكرنك بعد شهور من ذلك، وعندما قابله محفوظ ربت علي كتفه وقال له: علي فكرة يا كفراوي إنت إسماعيل الشيخ في الرواية.
كذلك يحكي الكفراوي كيف وقع له نجيب محفوظ علي تقرير لمنحة التفرغ هربا من وظيفة بنك التسليف الزراعي، ثم يتناول بداية علاقته بيحيي حقي وكيف نشر له أول قصة بمجلة المجلة.
ثم يتناول الكفراوي اجتماع العامة والخاصة إلي الراديو منذ نهاية الأربعينيات لسماع الحفل الشهري لأم كلثوم، ويقول الكفراوي أن أم كلثوم كانت مطربة عصرها بلا نقاش كما أن لكل عصر مطربته مثلما كانت سيرين وعزة الميلاد وجميلة وسلامة وعلية بنت المهدي وتيم الهاشمية، في صدر الإسلام، وولادة وهند في العصر الأندلسي ثم في العصر الحديث ألمظ ومنيرة المهدية ثم يعرج الكفراوي كذلك علي نجوم الطرب في هذه الأيام مثل وعلي رأسهم الشيخ صالح عبدالحي وينقل سعيد الكفراوي أجزاء من مفكرة لأم كلثوم من متحفها الذي يشرف عليه الشاعر أحمد عنتر مصطفي، تقول أم كلثوم: وضعنا اليوم في البنك 70 جنيها، اتصل بي السنباطي وأخذ دفعة من حساب الأغنية الأخيرة، الليلة سأغني في فرح بنت مجدي باشا مجاهد، يوم الخميس سنغني في احتفال ستحضره الأميرة شويكار، سنغني في حفل بحلوان بتوصية من جلالة الملك وسأغني رق الحبيب، ثم يقول الكفراوي: تمضي المذكرات هكذا بنفس الإيقاع وتلخيص زمن الأفراح والحفلات حتي العام 1954 فأجدها تكتب: الليلة سنغني في فرح أخت الصاغ صلاح سالم والأجر والثواب علي الله ويعلق سعيد الكفراوي قائلا: الصاغ صلاح سالم أحد ضباط يوليو الميامين، وكانت أم كلثوم بحسها تلتقط ملامح مرحلة جديدة يستبد فيها الضابط بقدر الناس وبمستقبل الأمة.
بعد ذلك يقدم سعيد الكفراوي قراءة لتاريخ مقهي ريش ذلك المقهي التاريخي في وسط القاهرة بشارع سليمان باشا، ويعرض لدور المقهي عموما في حياة السياسة والثقافة المصريتين، ثم يتناول أشهر الجلسات والأسماء التي كانت تتردد مثل رمسيس يونان، كامل زهير، محمد عودة، صبري موسي، صلاح جاهين، صلاح عبدالصبور، محيي اللباد، أحمد عبدالمعطي حجازي وكذلك كان من روادها جمال عبدالناصر والسادات، ويعرض الكفراوي أيضا لتأثير التحولات السياسية علي المقهي، ويشير إلي الأوامر السياسية التي كانت ذات حملة بنشاط المقهي، ويذكر علي سبيل المثال إصدار التعليمات لمقهي ريش بتغيير إجازته إلي يوم الجمعة وذلك حتي تتوقف ندوة نجيب محفوظ.
ويقول الكفراوي: يفهم الروائي الكبير الرسالة وينتقل إلي كازينو قصر النيل وتنتهي الندوة، ويشحب زمن ريش الثقافي مفسحا المكان لزمن آخر يهجم علي الوطن بقسوة.
كذلك يكتب سعيد الكفراوي مقالا بعنوان عمنا ألفريد فرج، أسعد الله مساءك، ثم يقدم مقالا من أجمل مقالاته عن معهد الموسيقي العربية والتحولات التي خاضها منذ تأسيسه وانطلاق إنسانه في العام 1913 ثم خضوعه لرعاية الملك فؤاد الأول منذ العام 1918 ويعرض الكفراوي للزمن الجميل الذي كانت فيه حديقة المعهد مرتعا لكبار الفنانين والملحنين وينقل عن الروائي خيري شلبي قوله أنه كان يري في جنبات حديقة المعهد محمود الشريف يلحن دورا لشادية، وكمال الطويل يدرب عبدالحليم حافظ علي أغنية جديدة، ومحمد الموجي يعزف علي عوده بلحن سوف تشدو به فايزة أحمد، وصباح يتعهدها أحمد صدقي بألحانه الراقية ويثير بليغ حمدي بتمرده الكثير من الضجيج.
ثم يستعرض الكفراوي الحالة البائسة التي وصل إليها المعهد حتي إغلاقه تماما ثم استعادته بعد أن أصدر وزير الثقافة قرارا بضم المعهد للمركز الثقافي القومي دار الأوبرا وتخصيص سبعة ملايين جنيه لإعادة برمجة وذلك اعتبارا من عام 1995. ويقول الكفراوي: إن أهم الإضافات الجديدة للمعهد هو إنشاء متحف محمد عبدالوهاب، ثم يكتب سعيد الكفراوي مقالا من أهم مقالات كتابه عن صديق عمره محمد عفيفي مطر تحت عنوان شهادة البكاء في زمن من الضحك، وهو عنوان أحد دواوين مطر الأولي التي قرأت الواقع المصري المريض بعد هزيمة يونيو يقول الكفراوي بلغة شديدة الشاعرية حينما رأيته أول مرة بطوله الفارع وعمامته الرشيقة وقفطانه الذي يتصبب حريرا وقصبا وأقواس قزح، ظننته جسدا من الموسيقي ينبع منه الكلام.
وحينما سهرت معهم حتي الفجر وهو يقص حكاية عن النسر الذي اختطف عقد اللؤلؤ من يد العاشق، وانطلق به إلي السماء السابعة والعاشق يركض تحت ظله متضرعا إليه أن يرد عقد محبوبته من بلد إلي بلد، وجدتني ألهث وأتصبب عرقا، وما رأيت طائرا يحوم في الهواء بعد ذلك إلا نظرت بين مخالبه، لعلي أري عقدا ما لعاشق ما.
كذلك يكتب سعيد الكفراوي عن الشاعر المغربي محمد بنيس بادئا بالقول: محمد بنيس، أفادني أحدهم أنك في شدة الحزن، وأنك في أحيان كثيرة وهروبا من ملاقاة تلك الوجوه المتناقضة، تأخذ سيارتك العتيقة مغادرا المحمدية لتجلس علي مرسي بحر الظلمات حيث يشـــرع الليل من وجده وتخفق أضواء سفينة تمخر عباب الأطلسي، تناوشك الأسئلة، وتهرب في زحمة الوقت من الإجابات، فلا تعرف ان كنت تعيش زمنا من الوهم أو الحقيقة.
ويستطرد الكفراوي موجها حديثه لمحمد بنيس: صدقني، فهؤلاء الذين يسمونهم الفنانين، والذين حلموا كثيرا بغير الممكن، وعاشوا أعمارهم يمارسون ذلك الإحساس الحر بالمستحيل، فقد ألهم أن يدفعوا ثمن ما حلموا به، وأن يدركوا آخر المطاف بأنهم لا أحد، إياك أن تغضب، فأنت تعرفني، كما أعرفك وأقدر ما بذلته من روحك – أيها الفاسي الغريب – لتحقق أحلامك المستحيلة.
يكتب الكفراوي أيضا عن الكاتب الروائي والقاص الراحل محمد مستجاب، وعن تشيكوف الطبيب الفقير الذي عالج روسيا كلها بقصصه ورواياته ويكتب عن مدينة فاس وأصدقائه فيها، كذلك يكتب عن المداحين والمنشدين، ويكتب عن فريد الأطرش وشقيقته الفنانة أسمهان تحت عنوان في معني الوطن، وكذلك يكتب عن رائدي التنوير أحمد أمين وطه حسين ويكتب كذلك تحت عنوان المرأة بين القيمة وقلة القيمة، ويكتب عن همنغواي ويكتب أيضا عن الروائي جميل عطية إبراهيم معتبرا إياه واحدا من آياته، كذلك يكتب عن النهاية المفجعة لأميرة عظيمة ومؤثرة في حياة مصر هي الأميرة فاطمة إسماعيل، ثم يتحدث عن البيت الذي كان يحلم ببنائه علي النهر في قريته، وبعد أن يتمكن من بنائه يكون الواقع قد تغير كله فيفقد البيت معـــــناه، كذلك يكتب عن حرس الشرف وعشقه وعنفه ويروي الحادثة التي تعرض لها عندما حاول أن يصافح الرئيس عبدالناصر، كذلك يكتب عن الفرن البلدي وكيف يتحول إلي سرير للفقراء، كذلك عن بستان الأغنــــــياء في قريته والحكايات المفزعة والجثث التي توارت داخله تحت عسف وقوة واضطهاد هؤلاء الأثرياء، ويكتب في هذا السياق عن الفتي الذي عشقته احدي بنات الأثرياء وكيف تم دفنه حيا لأنه عبد، ثم يتناول ذلك البستان في مقالة مؤثرة وكيف أجبره شيخ الكتاب الذي يحفظ به إلي أن يدلق إلي البستان ليلا، يكتب ايضا عن حسن سليمان، وعاهرات ماركيز، وعدلي رزق الله، وغير ذلك الكثير.