زهرة حمراء في مقبرة
أما أن أكون قد انتظرتك في المقبرة الإنكليزية فذلك حدث يشهد عليه كل الراكبين في القطار الذاهب إلى الشماعية. عفوا لا تفهمينني خطأ. القطار الذاهب إلى مستشفى المجانين لا يحمل مجانين. إنهم الأصدقاء الذين هم في انتظار الهبوط من القطار لكي يختبروا ما تبقى من حواسهم. لقد رأوني وأنا أحمل زهرة جوري حمراء، واقفا عند قبر المس بيل. كان موعدنا هناك. ولأنك تشبهين مس بيل فقد قدرت أن في إمكانك أن تقنعي الحارس بأنك ذاهبة إلى قبرها. كل شيء كان مخططا له، لولا أنك في اللحظة الأخيرة عدلت عن القدوم بسبب لطخة حمراء التصقت بعد الأكل بفستانك وأفسدت مزاجك. مرت قطارات عديدة، كل الراكبين فيها تمتعوا في النظر إلى زهرتك الحمراء وكانوا على يقين من أنني أودع ميتة.
سنتمتر وردي
ذهب إلى تونس ذات مرة من أجل أن يلتقي امرأة تركض أنوثتها بقدميها. في ذلك اللقاء تركت تلك المرأة رائحة أنوثتها على المنضدة وخرجت من الفندق للتأكد من أنها لم تنس صورها عارية على المقعد المجاور لمقعد السائق في سيارتها. كانت حيلة ساذجة، قرر بعدها أن ينهي الرواية الخيالية التي كتبها على عجل،غير أنها حين أدركت أنه لم يعد مسحورا بأنوثتها التي تحولت إلى وصفة جاهزة تأبطت ذراعه باستسلام وقالت «عرفني على أصدقائك». كان مشهد دخولهما إلى المطعم مدهشا. حسده كل الحاضرين عليها إلا واحدة. كرهتها تلك المرأة وقررت أن تقتلها كما تفعل بالأشكال التي تخفيها بالأصباغ. بعد ساعات لم تعد هناك سوى امرأة واحدة. امرأة هي عبارة عن سنتمتر وردي صار بمثابة كرة نار، كلما أحرقت حقولا صارت تطعم الملائكة من عسلها.
مفاتيح أبواب وهمية
كنا في البتراء. إما شعراء أو مجانين. شعراء يطاردون أميرات ومجانين يكلمون الحجر. وإن تنفس الحجر فإن لهاثه يسيل وحنجرته تشقى وإن فرت أميرة بنورها فليس لها سوى أن تترك على الرمل غصنا من نضارتها. في تلك الرحلة التقيت بدويا، كان هو الآخر شاعرا ومجنونا. قال لي «هذا المكان ليس فيه أي نوع من السحر. لنقل إنه الواقع مقلوبا أو هو خيال الواقع» وحين أدرك أنني لم أفهم أضاف «لو أنك بنيت بيتا واكتشفت أنه من غير أبواب، ما الذي ستفعله؟»، «أهدم جدارا لأخرج» ابتسم وقال «ولو وقع البيت ما الذي ستفعله؟ تعيد بناءه مرة أخرى»، قلت له «أجل» قال «ولكن إذا كان المهندس قد نسي أن يرسم أبوابا فهل ستبني البيت من أجل أن تهدمه مرة بعد أخرى؟»، قلت له «هل ترى ذلك الجمل؟» قال «أنا رسمته على الورق فإذا به يسير على الرمل» سألته «ما الذي يحدث لو أنه بقي على الورق؟» قال «لن تكون هناك صحراء وسنقف أنا وأنت في انتظار قطار يقلنا إلى أقرب مدينة»، قلت له «تبخر الشعراء المجانين، لأن ذلك القطار لم يصل وكانت في أيديهم مفاتيح لأبواب وهمية».
حياة منيرة موصلي
فيما كنا ننظر إلى البحر الميت قلت لمنيرة موصلي «هناك مشى أنبياء وكانت للملائكة نزهات مرحة»، وقفت مصعوقة «ذلك شعر وليس كلاما». مشينا ولكن منيرة بطبعها المشاكس أوقفتني وقالت، «ذلك البحر أشبه بسطح اللوحة الأبيض. كان دائما في انتظار مَن يكتب عليه» نظرت إليها جانبيا، وكنت أفكر في إلهام الشعر الذي هبط عليها فجأة. متى التقينا آخر مرة؟ صار ذلك السؤال يعذبني بعد موتها. في لوفر أبو ظبي قبل سنتين من وفاتها. احتضنتني ولكنها سألتني «ما الذي تفعله هنا؟» ولأن صديقتي تحب المتاهات فقد مازحتها «جئت مع الفريق الصحافي الذي رافق الرئيس ماكرون لافتتاح المتحف»، وهنا صارت تضربني على صدري وهي تصرخ «لم أتوقع أنك تتواطؤ مع مشروع استعماري»، تضربني وأنا أضحك. أتذكر أنني هربت منها عام 2011 لألتقي إحدى الصديقات في البحرين. سألتني صباح اليوم التالي «أين قضيت ليلتك السابقة؟» قلت لها «في ميدان اللؤلؤة» لم تصدق ما قلته غير أنها اعتبرتني بطلا.
كاتب عراقي