حكايات من البر الإنكليزي: الله يدومها!
جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: الله يدومها! في العامين الاولين علي وجودي في بر الانكليز، كما تسميه أمي، لم تشكل مسألة عدم معرفتي بأصول الطبخ مشكلة لي لأني، لحسن حظي، تقاسمت العيش في شقة جميلة في منطقة هادئة في مدينة برايتون رفقة صديق، كان صديقاً لاخي، وكان يعشق الطبخ ويجيده، ولا يسمح لاحد بدخول المطبخ أو لمس اي شيء فيه يتعلق بالطبخ، الأمر الذي لم يزعجني اطلاقاً. كان حين يتأهب لاعداد وجبة العشاء، عقب رجوعه من العمل، يدخل المطبخ ويبدأ في اعداد الوجبة، ويطلب مني أو من الاصدقاء الحاضرين البدء في الاعداد للسهرة، ويتفرغ هو لهوايته المحببة، دون صوت أو جلبة، وبأناقة مذهلة. وحين يجهز الاكل، يوزعه في صحون صغيرة، ويضعه علي المنضدة، وينظف المطبخ، ثم يدعونا للاكل. بعد الإنتهاء من الأكل يأتي دوري في تنظيف المنضدة، وغسيل الصحون والملاعق ثم إعداد القهوة الا أن القدر أبي أن تستمر هذه المتعة، واختار صاحبي ترك الشقة، بعد أن اشتري شقة له، واقترن بزوجة جميلة، وتركني لوحدي أكابد ما ليس منه بد. لم أكن أعرف من الطبخ الا الاكل، لكني اضطررت بمساعدة صديق آخر علي تعلم طبخ الاكلة الليبية الشعبية المعروفة بمكرونة مبكبكة. أكلة لذيذة وسهلة الاعداد والطبخ، ولا تتطلب مهارة، وسرعان ما أجدتها، واسترحت لها، وصرت لا اكل، في البيت، الا المبكبكة، واستمر الحال علي ما هو عليه الي أن تزوجت، وانتقلت الي بيت، ومدينة أخري، وانتهت علاقتي بالمكرونة المبكبكة والتطبيخ. بعد سنوات حين تعرض مركب حياتي العائلية لعواصف هوجاء وانتهي حطاماً علي شواطيء الأسي اضطررت للعودة الي حياة العزوبية، ولم تكن الامور صعبة في البداية، لأنني قليلاً ما كنت متواجداً بشقتي، واعتمدت في طعامي علي ما تقدمه مطاعم الوجبات السريعة. وشاءت الصدف أنني في احدي الأيام تعرفت بشخص ليبي، سرعان ما تواشجت بيننا جسور الود وصرنا أصدقاء. كان صديقي الجديد متزوجاً، ويعشق الاكل والطبخ، وبدأنا نلتقي في مقر سكناي، مرتين أو ثلاثا في الاسبوع، حيث نقضي بعض الوقت مع بعض. كان يعد ويجهز وجبات يحسده عليها اكثر خبراء واساتذة الطبخ شهرة، واستمتعت برفقته وما كان يعده لنا من وجبات شهية، حتي صرت اترقب حضوره بفارغ الصبر. ذات مساء ونحن نستمتع بأكل وجبة سمك شهية خطر لي سؤاله عن كيف، ومتي تعلم الطبخ؟ فرد ببساطة متناهية أن المسألة بدأت كهواية مارسها في لندن حين كان يعيش لوحده، وابتدأت بمشاهدة برامج الطبخ في التلفزيون، ثم عبر الكتب المتوفرة بكثرة في السوق. وأضاف أنه يقوم باختيار وجبة معينة في كتاب طبخ ما، ويبدأ في اتباع الارشادات والتوجيهات الي أن تنتهي الوجبة، وغالباً ما كان يعيد طبخ تلك الوجبة مرة ثانية دون مساعدة من الكتاب الا في حالة الاحتياج، واكتشف بعد فترة من الممارسة أنه يجيد طبخ أكلات عديدة، زد علي ذلك أنه بدأ يتفنن في الطبخ، باضافة أشياء ومكونات أخري للاكلات التي يعرفها، ومع الوقت بدأ في ابداع وجبات خاصة به، واستمر علي ذلك الحال، حتي يومنا ذلك. وأكد لي أن الأمر ليس بتلك الصعوبة التي أتصورها وأن بامكاني القيام به اذا شئت التعلم، وأبدي استعداده للمساعدة. عقب ذلك صار كلما جاء الي بيتي، ويبدأ في تجهيز الاكل، اقف بجانبه أراقب ما يفعل، واسمع ما يقول من توجيهات وارشادات وغيرها، وصرت أيضاً أتابع برامج الطبخ في التلفزيون، واقتنيت أكثر من كتاب لاساتذة فن الطبخ، ثم انتقلت الي مرحلة الممارسة. بدأت باختيار الوجبات السهلة، أو التي كنت أتصور أنها سهلة، افتح الكتاب علي الصفحة المخصصة للوجبة التي أود اعدادها، وانقل في ورقة المحتويات اللازمة، ثم أفتش في مطبخي عن المتوفر منها، وأعلّم المحتويات الناقصة، ثم أخرج من البيت متوجهاً الي أقرب سوق مجمع، وأشتري النواقص وأعود الي البيت سريعاً، وأبدأ في تنفيذ الخطوات بدقة أولا بأول. وعقب الانتهاء من التجهيز والاستعداد للاكل والاستمتاع بما قمت به من جهود، أكتشف أن ما طبخته من أكل لا يحمل من هذه الصفة شيئاً، وأن ما أعددته مجرد خلطة لا طعم لها ولا رائحة، وليس من الممكن حتي التفكيرفي أكلها وينتهي الامر بي بالقائها في الزبالة غير متحسر الا علي الوقت الذي اضعته في سبيلها. ثم أعود الي الكتاب واراجع من جديد ما قمت به من خطوات، فأكتشف أنني اتبعت كل التعليمات، لكني وصلت الي نتيجة غير متوقعة ولا مأمولة، فيغتم قلبي واشعل سيجارة، وأدخنها متذوقاً في فمي مرارة النيكوتين ممزوجة بالجوع والخيبة، وبعد وقت قصير يدفعني الجوع الي اتخاذ قرارسريع باعداد وجبة مكرونة مبكبكة سريعة، التهمها بنهم لاسكات جوعي، وحين تمتليء معدتي وتصاب اطرافي بالارتخاء وأنفي بالجريان، أدخن سيجارة، وأنام.حكيت لصديقي مشكلتي مع الطبخ، وقلت له انه لا يمكن أن تكون وصفات الطبخ الموجودة بالكتب غير صحيحة، لكنها لا تعمل معي، ضحك صديقي وقال لي ان المشكلة ليست في الوصفات بل في الايدي التي تنفذها، ونصحني بالاستمرار في الممارسة والتدرب والتزام سياسة طول النفس حتي أتمكن من اعداد وطبخ وجبة شهية وطيبة. ونظراً لأنني علي علم وادراك بأن لا الصبر ولا طول النفس من فضائلي، قررت تجاهل نصيحة صديقي، وتركت بالمرة فكرة تعلم الطبخ، ورجعت الي سابق عهدي في الاحتفاء والاستمتاع بما يطبخه هو من وجبات. وادركت أنه من الأفضل لي أن أتقبل حقيقة أنني لا أمل لي بأن أصير، ذات يوم، طباخاً ماهراً، كما يتوجب عليّ أن أحمد الله لأنني أستطيع طبخ واعداد وجبة مكرونة مبكبكة، بعد أن تبين لي أن هناك من البشر من يعجز حتي عن اعداد سندويتش. ہ كاتب من ليبيا يقيم في لندن0