حكايات من البر الإنكليزي حساسيات قديمة…

حجم الخط
0

جمعة بوكليب

قالت له السيدة صاحبة البيت، وهي تقوده في الممر الطويل، في الطريق إلي الطابق العلوي كي تريه الحجرة المعروضة للإيجار، أن شاباً آخر زارها يوم أمس وتفقد الحجرة، ووعد بمخاطبتها بالهاتف ليبلغها ما إذا كان سيستأجر الحجرة أم لا، إلا أنها لم تستلم المكالمة بعد، لكنها تعتبر نفسها في حل منه، وهي مستعدة لتأجيرها لمن يقبل بالشروط والإيجار. صعد خلفها الدرجات الخشبية القليلة، ثم انعطفت يميناً فانعطف بجسمه خلفها لكن عينيه تعلقتا بصورة قديمة وكبيرة الحجم لشاب في مقتبل العمر، معلقة علي الجدار إلي اليسار. فتحت باب الحجرة وظلت واقفة ودعته لدخولها وتفقدها، فقبل الدعوة شاكراً ودلف إلي الداخل. لم يكن في الحجرة ما يثير. حجرة مثل غيرها من الحجرات التي سبق له استئجارها والعيش فيها ثم مغادرتها لحجرة أخري. سرير فردي قديم مرمي في الزاوية، وعلي الجانب القريب من الباب توجد خزانة ملابس خشبية، عتيقة، لكنها في حالة معقولة. وإلي جانبها منضدة صغيرة يمكنه الجلوس إليها واستخدامها كمكتب، وبجانبها كرسي خشبي. توجه نحو النافذة وفتحها وأطل برأسه خارجها فقابلته حديقة البيت الصغيرة. أغلق النافذة، ثم نظر بعينيه في السقف. قال للمرأة أن الحجرة أعجبته، وأنه مستعد للانتقال إليها خلال عطلة الأسبوع القادمة. رأي عيني المرأة تشع بشيء يشبه الارتياح، ورصد ابتسامة صغيرة علي شفتيها. خرج من الحجرة وسار خلفها في طريقهما إلي حجرة الجلوس. قالت المرأة له وهي تنزل الدرجات الخشبية القليلة، أنه من غير المسموح له أن يأتي بنساء إلي البيت، وليس من حقه دعوة صديق للمبيت إلا بإذنها وموافقتها. قالت له أن الإيجار واجب الدفع أسبوعياً ونقداً. ظل غارقاً في صمته مستمعاً إليها، وكأن ما تقوله لا يعنيه لأنه سبق له رؤية هذا الفيلم عدة مرات من قبل حتي كاد يحفظ أدق تفاصيله. في حجرة الجلوس وقف قبالتها وقدّم لها العربون، ثم صافحها مودعاً علي أمل أن ينتقل للسكني في الحجرة في بداية عطلة الاسبوع. في الشارع المؤدي إلي محطة قطارات وود غرين سار وحيداً وعلي مهل. لم يكن يفكر في شيء لكنه تذكر أن كل أصحاب البيوت التي اكتري منهم حجرات كانوا يصرون عليه عدم إحضار نساء إلي بيوتهم، لكنهم بعد فترة زمنية قصيرة من تعودهم علي الإيجار كانوا- علي الأغلب- مستعدين لنسيان ذلك الشرط طالما أن الأمور هادئة وتحت السيطرة. تذكر تلك الصورة القديمة التي رآها معلقة علي الجدار، في الطابق العلوي، وتساءل عما إذا كان صاحبها زوجاً للمرأة أو ابناً أو شقيقاً!! تذكر أنه منذ أن حط به القضاء والقدر في هذة البلاد، وهو يتمني علي الله أن يساعده كي يتمكن من شراء بيت مثله مثل بقية خلقه الآخرين المقتدرين، لكنه حتي هذه اللحظة ما زال يعيش متنقلاً من حجرة إلي حجرة، ومن منطقة إلي أخري، دون أن تبدو له ولو نقطة ضوء واحدة في آخر النفق المظلم الطويل، الذي دخله منذ سنوات، ولم يعرف بعد متي وأين سيغادره إلي نفق آخر؟!

قبل الوصول إلي المحطة، تذكر أنه ليس لديه ما يشغله بقية ذاك اليوم، وفكر أنه من الأفضل له لو تباطأ في العودة إلي مقر سكناه والتسكع قليلاً في المنطقة التي سينتقل للسكني بها في بداية عطلة نهاية الاسبوع. انعطف نحو السوق المجمع ودخله. سوق كبير ومزدحم. أطلق العنان لقدميه متجولاً. لا شيء في السوق يجعله مختلفاً عن غيره من الأسواق المجمعة الأخري التي زارها في لندن أو خارجها. نفس أسماء الشركات الكبيرة ونفس البضائع، لكن الزخم الإنساني في سوق وود غرين كان مختلفاً، وشبيهاً بمهرجان من الألوان البشرية والجنسيات المختلفة. أحس بشيء من الراحة الداخلية، لأنه كان يحب هذا التمازج اللوني الإنساني ويكره سيادة اللون الواحد حد المقت لأنه يشعره بالغربة، ويجعله يتمني لو يغادر المكان في الحال. الأمكنة المتنوعة الخصبة بالتمازج اللوني والبشري تبعث في قلبه غبطة غير عادية وتجعله يتعايش فيها بثقة. هناك جيوب قليلة ومعروفة ومنبوذة في لندن حكراً علي لون معين أو جنسية بعينها، لكن الأغلب عليها أنها مدينة مفتوحة علي كل الألوان والظلال واللغات والجنسيات والثقافات. دخل إلي أحد المحلات التجارية بالسوق وفكّر أن يشتري بنطالاً. تحرك في أروقة المحل متنقلاً من جهة إلي أخري وعيناه تتحركان بهدوء في البضائع المعروضة، لكنه لم يجد ما يرضيه فقرر ترك المحل والانتقال إلي غيره. وهو يهم بمغادرة المحل، انطلقت صافرة الإنذار التي توضع عادة في مداخل المتاجر كي تنبه العاملين في حالة خروج زبون ببضائع دون أن يدفع ثمنها. ارتبك قليلاً وهو يري العيون من حوله تحط عليه كالذباب، بسرعة وآلية رفع يديه الإثنتين عالياً كالمستسلم، وتراجع بظهره إلي داخل المحل، ثم بعجل أنزل يديه وخلع سترته وحملها بيد واتجه إلي رجل الأمن بالمحل وقدمها إليه، ورفع يديه من جديد عالياً في دعوة صريحة للرجل كي يفتشه. ضحك الرجل واعتذر له قائلاً أن الإنذار زائف ويمكنه المغادرة. قرر ترك السوق بالكامل والتمشي في الأنحاء المجاورة. أمام المدخل العام للسوق وجد شاباً زنجياً يغني أغنية مثل أغاني الراب، ويرافق الغناء رقصا بالأقدام وينتعل حذاء خاصاً بهذا النوع من الرقص الإيقاعي. التف حوله عدد من الناس مستمتعين بخفة وجمال رقصه وغنائه، اقترب من الحلقة وأطلق العنان لروحه كي تتمازج بالغناء والإيقاع القدمي. وقفت إلي جانبه سيدة كبيرة السن، بيضاء، وبدينة قليلاً. واصل الشاب غناءه ورقصه. التفتت السيدة إليه وقالت: ياله من وغد. نظر إليها نظرة مثقلة بالريبة، ثم قال بأدب: عفواً سيدتي ماذا قلت؟ نظرت إليه بعينين غاضبتين وقالت: وغد. تساءل هو بأدب: من الوغد الذي تقصدين؟. ردت السيدة بإشارة من إصبع يدها اليمني نحو المغني الشاب وقالت: ألا تسمع ما يقول؟ أراد أن يقول أنه لم ينتبه لكلمات الأغنية مفضلاً الاستمتاع بالرقص، لكنه عدل عن ذلك وقال للمرأة أنه يجد صعوبة في فهم كلمات أغاني الراب. قالت له المرأة بغضب وبصوت أرادت أن يسمعه الآخرون: إن كنت لا تعرف فإن هذا الوغد يشتم البيض، وفي نفس الوقت يتسول إليهم حتي يجودوا عليه ببعض النقود. ألم يسمع بوجود شيء اسمه الحياء؟ أحس أن شيئاً ما يمنعه عن مواصلة الحديث معها، وأحس كذلك أن القضية لا تهمه، لأنه في نهاية الأمر حتي وان لم يكن أسود لون البشرة فإنه ليس ابيض، وبالتالي إذا كان في الأمر تسوية حسابات قديمة بين الطرفين فإن تعاطفه سيكون إلي جهة الشاب أكثر منه إلي جهة المرأة. توقف المغني الشاب عن الغناء والرقص، صفق له الحاضرون بحرارة، وتقدم بعض أفراد الجمهور لإلقاء بعض النقود في القبعة المفروشة أمامه. غادرت المرأة المكان حانقة، وتحرك هو باتجاه المغني الشاب وألقي في القبعة بعض القروش وغادر المكان. كاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية